Archived: النظام يمنع تأجير المنازل في دمشق للنازحين القادمين من مناطق المعارضة


السنة يواجهون أشد المصاعب وغالبا ما يستهدفون عند نقاط التفتيش

دمشق – لندن: «الشرق الأوسط»
في الشتاء الماضي، فر أبو باسم مع زوجته وأطفاله الأربعة من القتال الشرس الدائر في الأحياء الواقعة جنوب شرقي دمشق ولجأ إلى منزل شقيقته في الطرف الآخر من العاصمة.

وبعد سبعة أشهر، لا تزال الأسرة السنية تختبئ في منزل بحي اللوان على الأطراف الجنوبية الغربية للمدينة بعد أن رفضت السلطات منح أبو باسم تصريحا للإقامة بالحي.

أنها نفس محنة كثيرين من السوريين ممن قدموا من مناطق لا تخضع لسيطرة الحكومة – ويمكن استخلاص هذه الحقيقة من بطاقات هويتهم – إذ غالبا ما ترتاب الحكومة في تعاطفهم مع المعارضة.

وعند نقاط التفتيش، يجري إيقاف هؤلاء دون غيرهم واستجوابهم، وفي بعض الأحيان اعتقالهم عدة أشهر دون اتهام وتعذيبهم، حسبما روى أبو باسم من واقع تجربته الشخصية.

ويعجز هؤلاء عن تحمل الإيجارات الباهظة للمنازل بوسط دمشق الذي لا يزال من أكثر المناطق أمنا في العاصمة والمحافظات المحيطة بها، ومن ثم يلجأون لضواحي المدينة.

لكن ثمة اتجاها متزايدا لإبعادهم عن المناطق التي تعتبرها الحكومة مهددة، من بينها أحياء مثل اللوان الواقع على أطراف البساتين التي تستخدم في بعض الأحيان كغطاء للمعارضة التي تقاتل ضد الرئيس السوري بشار الأسد.

وقطعت السلطات عددا كبيرا من أشجار الفاكهة في العام الماضي، غير أن القيود لم ترفع. وقال أبو باسم، الذي رفض نشر اسمه بالكامل خشية انتقام السلطات، إن مسلحين عند نقطة تفتيش تابعة للقوات الحكومية بالقرب من منزله الجديد أبلغوه أن عليه أن يستخرج تصريحا رسميا للإقامة بالمنطقة.

وأضاف: «ارتبكت وأجبتهم قائلا: أي تصريح إقامة. لماذا أحتاجه وأنا مواطن سوري أقيم ببلدي».

وحسب تقرير لوكالة «رويترز»، فإن قيودا صارمة تفرض على الأحياء الأفقر مثل اللوان على أطراف المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

وامتدت القيود لبعض الأحياء الراقية، مثل مشروع دمر الخاضع لسيطرة الحكومة وهو قريب من جبل قاسيون المطل على شمال دمشق بالقرب من منطقة شديدة الحراسة يقيم بها كبار العسكريين، ومعظمهم من الأقلية العلوية التي ينتمي إليها الأسد.

وقبل أشهر قليلة، اعتقلت السلطات عددا من سماسرة العقارات في الحي الذي يقطنه مواطنون من الطبقة المتوسطة من مختلف الطوائف يومين أو ثلاثة ربما للتأكيد على هذا الأمر.

وبعد الإفراج عن السماسرة، أبلغوا أصحاب المنازل في مشروع دمر حظر تأجير عقاراتهم للوافدين على المنطقة، أي استبعاد كل من يفر من المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة.

ولا توجد لوائح أو تصريحات علنية تفرض مثل هذه القيود، مما يجعل من الصعب تحديد عدد من تسري عليهم أو إذا كان المسؤولون يختصون طائفة بعينها.

ويقول سكان المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في دمشق، ومعظمهم من السنة، إنهم يواجهون أشد المصاعب، وغالبا ما يستهدفون عند نقاط التفتيش.

وذكر النازحون من حي البرزة – معقل المعارضة – إلى مناطق أخرى في العاصمة، لا سيما الشبان منهم أنهم يتحاشون الخروج من منازلهم الجديدة خشية المرور على نقاط تفتيش، مما يعرضهم لمشاكل.

ويضيفون أنهم يأملون العودة لديارهم في يوم ما حتى وإن كان كومة من الأنقاض حين تضع أوزارها الحرب الأهلية التي أودت بحياة 100 ألف وشردت الملايين.

بالنسبة لأبو باسم، الذي يقول إنه في أوائل الأربعينات من العمر، فإن مشكلة السكن ليست سوى أحدث فصول معاناته التي بدأت قبل عام.

فقد أمضى أربعة أشهر ونصف الشهر في سجن بقبو في أحد مباني المخابرات بعد احتجازه عند نقطة تفتيش واتهامه بمساعدة المعارضة وإمدادها بالخبز.

والاتهام شائع وغالبا ما يوجه لأي مسافر يحمل مواد غذائية إذا كان قريبا من مناطق المعارضة أو يحمل بطاقة هوية تبين انتماءه لأحد معاقل المعارضة. ويقدر نشطاء أن آلاف المدنيين يقبعون في سجون تحت الأرض في أنحاء متفرقة بدمشق حيث يحتجزون لأجل غير مسمى. وقال أبو باسم إنه حمل شاحنته الصغيرة بالخبز الطازج بالفعل بنية بيعه لمن يرغب في تفادي الصفوف الطويلة مقابل سعر أعلى.

كان يريد أن يكسب قوت يومه بعد أن فشل منذ أشهر في العمل في مهنته كمشرف على الأعمال الإنشائية بسبب تعثر الاقتصاد.

لكن، اتضح أنها وسيلة خطيرة لكسب المال ويقول إن يديه لا تزالان ترتعدان نتيجة احتجازه.

ويقول عن ظروف اعتقاله: «كانت الأرضية شديدة القذارة… باردة ورطبة… نام البعض عليها وبدا الجميع مرضى. لم أتعاف بالكامل منذ ذلك الحين».

وكشف عن ساقيه حيث تظهر بقع باللونين الأزرق والأحمر تحت جلده، وحين سئل عن سبب تغير لون الجلد هز رأسه وأجاب بصوت خفيض: «التعذيب».

لذا، أحتاج قدرا كبيرا من الشجاعة لتنفيذ مطلب المسلحين عند نقطة التفتيش بالتوجه لأقرب مكتب مخابرات للحصول على تصريح إقامة، بل تجرأ واحتج حين رفض ضابط قبول طلبه.

ومضي يقول: «قلت له: ماذا أفعل.. تقول نقطة التفتيش إنه ينبغي أي أن أحصل على تصريح وأنت وحدك الذي يمكن أن يعطيني إياه، قلت له إن شقيقي وأحد أقاربي استشهدا وهما يخدمان في الجيش السوري في الحرب الدائرة الآن. أبلغته أنني اضطررت للفرار من منزلي. لماذا لا يساعدني أحد».

وتابع: «رأيت الغضب يطل من عينيه وتقدم نحوي وأمسك بخناقي.. ثم ركلني وأخذ بطاقة هويتي وأمرني بالجلوس على الأرض والانتظار».

وقال أبو باسم إنه انتظر أكثر من ساعة ونصف الساعة، مضيفا: «شعرت بالضيق وأوعز لي شيطاني أن أهاجم أحد الحرس واستولي على بندقيته وأقتلهم جميعا. ولكن صبرت لحين عودة الضابط ورد لي بطاقة هويتي وهرعت إلى المنزل».

واليوم مثل سائر الأيام، منذ ذلك الحين يستيقظ من نومه مبكرا ويختلس النظر إلى الشارع على أمل ألا يرى نقطة التفتيش كي يستطيع الخروج وكسب المال من أي عمل بسيط، لكن إذا كانت نقطة التفتيش قائمة في مكانها يعود أدراجه لمنزله ويستغني عن أجر اليوم. وقال: «لذا، أحيانا نجد ما نأكله. وأحيانا أخرى لا نتذوق طعم الأكل».

 






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org