السفير خليل إبراهيم: معاذ الخطيب … الأب الذي عليه اختيار أحد أبنائه للاعدام


تنزيل (1)السفير خليل إبراهيم: كلنا شركاء

     منذ بروز اسم المهندس معاذ الخطيب في المعارضة السورية وصعوده لأعلى هرمها السياسي المتمثل برئاسة الائتلاف وهو يتعرض للانتقادات بين الفينة والأخرى ، في اطار مرض التخوين الذي أصاب قطاعات واسعة من المؤيدين للثورة بحكم الثقافة المخابراتية الجنونية التي زرعها النظام في سورية على مدى نصف قرن . علماً أن الكثير من دعايات وقصص خيانة بعض رموز الثورة وبيعهم للمواقع المحررة أو لدم للشهداء يقف وراءها جيش ألكتروني كبير يتلقى تدريبه وتعليماته من أجهزة مخابرات النظام ، فيما يشارك الكثيرون من مؤيدي الثورة في نشر هذه الدعايات والقصص المخابراتية عن جهل أو حسن نية . بعضها قد يصيب  شيئاً من الحقيقة والموضوعية وبعضها الآخر يخرج الرجل لينفيه بالمطلق .  منذ عدة أسابيع  ، وتحديداً منذ اللقاء الذي جمعه في القاهرة مع وزير الخارجية المصري بحضور هيثم مناع وجهاد مقدسي ، بدأت تتسرب معلومات غير مؤكدة عن اتصالات يجريها الخطيب ، عبر أقنية مباشرة وغير مباشرة ، مع الجانب الايراني حول سبل حل الأزمة السورية.

   سهام النقد زادت مؤخراً  تجاه الخطيب مع تسرب معلومات عن خطة ايرانية لحل الأزمة السورية تقضي بأن يشغل المهندس معاذ منصب رئيس الوزراء أو نائب الرئيس مقابل إجراء مراجعة للدستور بهدف خفض صلاحيات رئيس الجمهورية لصالح رئيس الوزراء واجراء انتخابات محلية وبرلمانية (وفقا لدستور جديد) ، وتحت اشراف دولي . وهي ربما المرة الأولى التي قد يقبل فيها النظام ، إن صح التسريب ، بالاشراف الدولي على الانتخابات في سورية . كل ما صدر عن الخطيب حتى الآن في هذا الصدد يتلخص في مطالبته النظام بالمبادرة أولاً بإجراءات لبناء الثقة ، قبل الدخول في أي حوار ، تتمثل في نقطتين أساسيتين : اطلاق سراح كافة المعتقلين من النساء والأطفال ومنح جوازات سفر للمهجرين في الخارج . بعض من يقرأون هذا الكلام قد يسارعون إلى القول “هذه خيانة للثورة ، وهل يمكن اختصار كل تضحيات الشعب السوري بقضية جوازات سفر” . لكن من يفهمون بالعمل الدبلوماسي والسياسي يدركون ، منذ اللحظة الأولى ، أن تلك مبادرة ذكية جداً من الخطيب . فهو يقدم خدمة كبيرة للسوريين في الداخل وللمهجرين في الخارج دون التعهد بأي التزام للنظام ، لأن هذين المطلبين يقعان ضمن مبادرة حسن النية وقبل الحديث عن أي شيء وقبل الدخول في أية مفاوضات بأسبوعين . النظام يعرف ذلك جيداً لذلك لا يريد أن يبدو كمن وقع في الخديعة ، لأن عتاة مخابراته سيقولون ومالذي يضمن أن يسيرالخطيب على طريق الخطة الايرانية إذا ما نفذنا اجراءات بناء الثقة المطلوبة دون شروط وبشكل مسبق . مما لا شك فيه أن النظام يخضع للضغوط الايرانية وخصوصاً أن قادة الحرس الثوري يجاهرون بالقول منذ عدة أشهر أن بقاء واستمرار نظام بشار الأسد هو بيد ايران . علائم الانهاك أصبحت أكيدة على جميع القطعات العسكرية المحاربة المتبقية ، والوقت لم يعد لصالح النظام من الناحية الاقتصادية في ظل الشلل الذي ضرب عصب البلاد على مدى ثلاثة أعوام .

  ما يقلق النظام أكثر حتى في الخطة الايرانية هي أنها تنص ضمناً على انهاء الدولة المركزية السورية من خلال منح المعارضة السورية ميزة إدارة البلاد على المستويين المحلي والبرلماني . وككل الأنظمة الشمولية ، فالنظام السوري يعتقد جازماً أن أية فرصة لاحداث ثقب صغير في المنطاد ستؤدي إلى تحطمه خلال فترة زمنية لا محالة . النظام السوري عصي على الاصلاح وقام منذ أيامه الأولى على الاحتكار المطلق للسلطة وحصر جميع القرارات والتعينات بيد رئيس الدولة . لكن الخيارات تضيق أمام النظام وحتى أمام ايران لأن الملف العراقي فتح جبهة استنزاف مادية وبشرية كبيرة قد تغرق فيها ايران ، في وقت لا يوجد فيه ضمانات غربية بعدم تكرار تجربة الحرب العراقية الايرانية 1980- 1988 ، ولكن بأدوات جديدة وبمنهجية جديدة . فباريس استضافت منذ أيام أكبر تجمع للمعارضة الايرانية منذ سنوات وخرج التجمع بقرار تشكيل “جيش الحرية” لمواجهة دولة الولي الفقيه . الشرق الأوسط الجديد يتشكل ولن يستثني ايران اللانووية ولكن بوتيرة بطيئة وبشكل مدروس وعلى نار هادئة . يضاف إلى ذلك أن هناك خطة غربية موازية للخطة الايرانية ولكنها أشد خطراً على النظام ، إذ أنها تنص على تعيين مبعوث دولي جديد خلفاً للابراهيمي ووضع خارطة طريق لتشكيل هيئة الحكم الانتقالية ، ولكن ضمن جدول زمني وبقرار جديد من مجلس الأمن الدولي (حسب ما تفيد التسريبات) . الأخبار اليوم تقول أن خليفة الابراهيمي سيكون أحد المرشحين الثلاثة : وزير خارجية البرازيل السابق ، نائب وزير الخارجية الايطالي ، رئيسة بعثة نزع السلاح الكيماوي الهولندية سيغريد كاخ  .

  معاذ الخطيب ، مثل كافة السوريين والمتعاطفين مع الثورة ، ينتابه احساس عميق بالاحباط من مآلات الثورة . مئات الآلاف من الشهداء والجرحى وعشرات الآلاف من المعتقلين والمختفين ، ودول عظمى كروسيا وايران ترمي بكامل ثقلها المادي والبشري واللوجستي خلف النظام ، فيما لم يتلق الشعب السوري من الدول العظمى المؤيدة للثورة سوى الثرثرة السياسية والاعلامية والوعود الفارغة. لم يتم معاقبة النظام حتى عندما تجاوز الخطوط الحمر واستخدم السلاح الكيماوي ، لم يتم اقامة منطقة حظر طيران لا شاملة ولا حتى فوق المنطقة الشمالية ولو على حزام بعمق 15 كم في الأراضي السورية لايواء النساء والأطفال على أقل تقدير . لأول مرة منذ سقوط الاتحاد السوفياتي يتم ترك 20 مليون مدني سوري تحت رحمة كافة صنوف الأسلحة التي يمتلكها نظام يخفي من البربرية والاجرام ما يؤهله لدخول الأرقام القياسية التاريخية في فنون وأشكال القتل . يُسمح لبشار الأسد ، تحت ستار الفيتو الروسي ، بارتكاب كافة المحرمات الدولية دون أي رادع ليدوس بحوافر خيل شبيحته كافة مواثيق حقوق الانسان والقانون الدولي الانساني وقواعد الحروب التي تعاهدت دول العالم على احترامها دون شروط أو قيود . على الجانب الآخر توجد معارضة سياسية ومسلحة في حالة من التفكك والفساد والانفصال عن الواقع الانساني السوري ما يؤهلها لكافة صنوف القدح والذم والشتائم .

 زخم الثورة بدأ يتضاءل والوضع الميداني يميل بشكل واضح ، وإن كان بطيئاً وبأقل من مبالغات النظام ، لصالح قوات النظام والميليشيات والقوى المتحالفة معه . أمام هذا الواقع بتفصيلاته المعقدة تأتي الدبلوماسية لطرق الأبواب المغلقة ولمحاولة انقاذ ما يمكن إنقاذه من سفينة تكاد توشك على الغرق بالسوريين جميعاً موالين ومعارضين .

    ربما تنم تصريحات الخطيب الأخيرة عن احباط عميق من خذلان “أصدقاء الشعب السوري” للثورة على كافة الجوانب السياسية والاغاثية والعسكرية لدرجة نقل عنه القول أن ارسال المزيد من السلاح للمعارضة لن ينفع سوى في تحقيق المزيد من سفك الدماء . وربما يقصد نمطية توزيع كمية ونوع السلاح الذي تم ارساله حتى الآن لفصائل مسلحة أنهكها لدرجة كبيرة فيروس الفساد الثوري ، وذلك في ظل الجسر الجوي المنتظم من السلاح والذخيرة الذي يتدفق على النظام . ربما أدرك الرجل أن جميع الأطراف تدرك استحالة قبول الهزيمة العسكرية وأنها تميل لراحة تسوية سياسية تحفظ ماء وجه هذه الأطراف . وهذا ربما يفسر التناقض في حديث أوباما يوم 21 حزيران عن عدم امكانية اسقاط النظام من قبل مزارعين وأطباء أسنان ، وطلبه من الكونغرس ، بعد أقل من أربعة أيام على ذلك الحديث ، تخصيص 500 مليون دولار لدعم المعارضة السورية . أما معاذ الخطيب فربما يجد في الخطة الايرانية فرصة ذهبية لتخفيف معاناة السوريين في الداخل وفي الشتات وللدخول في تركيبة سياسية جديدة تدشن بداية عملية تفكيك النظام الحالي ولو بشكل تدريجي . ربما تأتي عملية محاسبة المجرمين كتحصيل حاصل في نهاية المطاف ضمن المرحلة الانتقالية التي تكون قد بدأت حينها . بالتأكيد فلا بد للغالبية أن ترفض مبدأ المشاركة في السلطة مع نظام أجرم بحق الشعب السوري بشكل غير منظور في التاريخ الحديث وأن حجم التضحيات والاجرام الذي مارسه النظام يجعل من هذا السيناريو خيانة للشهداء ولمعاناة ملايين السوريين . لكن السياسة هي استكشاف الخيارات الممكنة في ظل توازن القوى على الأرض واحتمالات الخسارة أو الربح على المدى البعيد .

     يجب عدم القفز وراء حقيقة أن هيئة الحكم الانتقالية ، الواردة في وثيقة جنيف والتي ثرثر حولها الأمريكيون كثيراً ولم يحركوا ساكناً لايجاد الآلية اللازمة لتنفيذها ، تنص على اشتراك النظام والمعارضة في تشكيلها . لكن وثيقة جنيف تنص أيضاً على اجراء عملية محاسبة لمن ارتكبوا الجرائم بحق الشعب السوري ، وهنا على معاذ الخطيب أن يستدرك أن المشاركة في السلطة ، دون تحقيق عنصر العدالة الانتقالية ، سيحمل في طياته بذور اندلاع حرب أهلية واسعة النطاق حالما تتضافر البيئة المناسبة لها . وهذا الجانب يجعل من احتمال قبول الخطيب بالسيناريو الإيراني بصيغته الحالية أمراً مستبعداً . فقد يتم الموافقة على بعض بنود الخطة ، من حيث المبدأ ، على أن تخضع لتحسينات جوهرية وشفافية أكبر وإطار زمني محدد لتنفيذها . فهو يبقى شخصاً مستقلاً وليس لأية خطوة يتخذها الفاعلية المأمولة ما لم يصادق عليها الطيف الثوري الواسع والأطراف الداعمة على عللها . أعتقد أن معاذ الخطيب قد يكون أمام  خيار مشابه لذلك الذي قدمه القتلة للأب السوري من قرية البيضا السورية باختيار أحد أولاده ليتم اعدامه أو أنهم سيقتلون الأسرة بكاملها أمام ناظره قبل أن يقتلوه .

 

 للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:

https://www.facebook.com/all4syria.org  






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org