Archived: بمناسبة حلول الذكرى الخامسة عشرة لجلوس ملك المغرب على العرش


قرار عيد الجلوس على العرش

          قصّة المغرب – الذي يحتفل الآن بالعيد الخامس عشر لجلوس الملك محمّد السادس على العرش – قصّة مقنعة للغاية. إنّ لها صدى ً لدى جميع الدّول النامية التي تسعى لوضع نهج ٍ مماثل لهيكلة مؤسساتها بحيث تشمل عنصرا ً أثبت بأنه حيويّ للنجاح – ألا وهي المشاركة الجماهيريّة. أجل، إنّه هذا العنصر الذي يجعل “القصّة” ليست فقط قصّة يُحتذى بها، بل قصّة لها بالفعل تأثير ٌ حقيقيّ وإيجابيّ.

          وبصفتي رئيسا ً لمؤسّسة مغربيّة – أمريكيّة غير حكوميّة تكرّس نشاطها للتنمية البشرية الدائمة في المملكة من خلال تطبيق التخطيط المجتمعي، لا أستطيع إلاّ أن أشعر بإعجاب ٍ شديد لملكها الذي يتنقّل بدون توقّف في أرجاء المملكة مباركا ً إفتتاح أعداد لا تحصى من المشاريع الصغيرة والذي يتكلّم لغة التنمية ويظهر معرفة ً عميقة لتفاصيلها والعوامل المساعدة لها. أضف إلى ذلك، فإن تصريحاته القويّة التي يعبّر فيها عن خيبة أمله الشديدة حول سوء الإدارة والفرص المفوّتة لم ينطق بها تقريبا ً أي زعيم أمّة آخر.

          إنها القضيّة التي تتصدّر فيها المغرب دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في بناء الديمقراطيّة من خلال التنمية بحيث يزدهر كلاهما مع بناء المؤسسات ويتمّ ذلك عبر المراكز الحضريّة وأحد عشر ألف قرية في المملكة. ومن الصحيح أيضا ً بأنه لن يتم التوصّل لنتائج “القصص القصيرة” إلاّ بعد أن يتمّ التنفيذ بشكل ٍ أكثر فعاليّة وبدرجة كبيرة.  

الوحدة، الإحتواء والإطار

          تضمّ هذه العمليّة الفكريّة والإستراتيجيّة – التي شرع جلالته في وضع أساسها في عام 1999 – عددا ً كبيرا ً من المبادرات.

          أوّلاً، عالج جلالته وبشكل ٍ صحيح ومبكّر قضيّة المصالحة السياسيّة. وضمنا ً في التعبير عن الأسف لماض ٍ صعب كان فهم أنّ الوحدة كانت شرطا ً مسبقا ً للتنمية المشتركة في المستقبل.

          واحتواء وشمول جميع الفصائل ووجهات النظر هو أيضا ً شرط أساسي. وهنا يعتبر تعديل قانون العائلة (المداونة) وتعزيز وحماية مكانة النساء المغربيّات ضمن العائلة والمجتمع من القضايا الضروريّة والمهمّة. والحفاظ على تراث المغرب المتعدد الحضارات وتوازنه المستقرّ من حيث وحدة وتنوّع أتباع الديانات السماويّة الثلاثة هو وجه ٌ آخر لتطبيق هذا المبدأ. وتعديل القوانين التي تحكم وتنظَم مؤسسات المجتمع المدني قد بسّط وساعد في عمليّة تشكيلها ومكّنها من الحصول على دعم ٍ محلّي ودولي.

          لقد وُضعت الأرضيّة بعد ذلك لانطلاقة المبادرة الوطنيّة للتنمية البشريّة في عام 2005، حيث يقدّم هذا البرنامج الدعم المالي للمشاريع المحليّة في المجتمعات الحضريّة والريفيّة الأكثر تهميشا ً. أضف إلى ذلك، فقد كبسلت (احتوت) المبادرة فهم الملك التقدّمي لمفهوم التنمية الدائمة ليست فقط على أنها مجرّد قضيّة تعتمد على البيئة، بل كعمليّة واسعة النطاق مرتبطة ارتباطا ً وثيقا ً بمجال ٍ واسع من وجهات النظر والعوامل – اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة وفنيّة وماليّة. وقد فهم جلالته أيضا ً وبشكل ٍ حاسم بأن التنمية الناجحة يجب أن تكون مسيّرة بطريقة التخطيط التشاركي لكي يتمّ دمج جميع وجهات النّظر ذات الصّلة بالموضوع وتلبّي بشكل ٍ مباشر جميع احتياجات الناس في المجتمع.

          والمبادرة الوطنية للتنمية البشريّة شرط أساسي مسبق للامركزيّة ناجحة والتي – في سياق التنمية البشريّة – قد تساعد في معالجة قضايا اجتماعيّة – اقتصاديّة وقضايا أخرى تتعلّق بالجنسين وبأشكال ٍ حاليّة من التطبّق.

          وأخيرا ً، فإن التزام الملك الثابت بوحدة المغرب العربي وتعاون الجنوب – جنوب هو جزء مهمّ من الرؤية الشاملة لأنّه يدرك بأن الروابط والتجمعات الإقليميّة تعتبر ضمن مفهوم العولمة أمرٌ حيويًّ تجاه بناء الإنتاج البشري والقدرات التنظيميّة التي بدورها ستعزز الروابط الدوليّة وتحميها من المزيد من القوى المهيمنة.

التحديــــات

          يتمثّل التحدّي بالنسبة للمغرب في تنفيذ هذه المبادرات بعيدة المدى والجديرة بالثناء، غير أنّ تنفيذها ضعيف بشكل ٍ يدعو للإحباط كما أدركه وأقرّ به جلالة الملك نفسه.

          إنّ معظم ال 40.000  إلى ال 50.000 منظمة ومؤسسة التي أنشئت منذ عام 2002 غير منتجة. ويبقى عدم مواصلة البنات الريفيّات تعليمهنّ ما بعد المرحلة الإبتدائيّة هو القاعدة. والمجتمعات تكون قادرة ً فقط على الإستفادة بشكل ٍ كامل من مشروع المبادرة الوطنيّة للتنمية البشريّة وغيرها من المبادرات في حالة وضع التعليم وبناء القدرات على قمّة سلّم الأولويّات. وهذا ينطبق على الموظفين والمسئولين المحليين الذين يفتقرون للمعرفة والمهارات اللازمة لتيسير وتسيير التخطيط التشاركي الجماهيري. فاللامركزيّة ينبغي أن تتجاوز المفاهيم المجرّدة إلى التنفيذ كواقع فعّال ومرن يضمّ في طياته الإستقلاليّة من السيطرة المركزيّة الجامدة.

          وعليه، فإنّ هذه الذكرى الخامسة عشرة للجلوس على العرش هي لحظة للثناء من ناحية، وللدفع إلى الأمام بعزم ٍ وتصميم من الناحية الأخرى. هذا يعني توفير برامج تدريب تجريبيّة لخلق الأعداد الكبيرة من الميسّرين والمسيّرين المجتمعيين الضروريين لتحفيز التنمية البشريّة المحليّة. وهذا يتطلّب الإسراع أيضا ً في تنفيذ اللامركزيّة لنقل السلطة إلى الجماهير مبتدئين، كما قرّر المغرب، من الصّحراء الغربيّة، وهي منطقة حيويّة للمملكة كمسألة استمراريّة وطنيّة.

          وينبغي هنا الإشادة برؤية الملك لما نسميّه نموذجا ً فريدا ً من نوعه يضمّ في طيّاته أفضل الأفكار العصريّة لتغيير اجتماعي تقدّمي. وتنفيذه ينبغي أن يتمّ بالعجلة والإستثمار والكفاءة التي يستحقها لرخاء الشعب المغربي وليكون نهجا ً بديلا ً لدول ٍ أخرى.

د. يوسف بن مئيـــــــــــــــــــر
                              

                                               رئيس مؤسسة الأطلس الكبير ومتخصص

                                                                                          في علم الإجتمـــاع              





للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org