Archived: كامل عباس: المعارضة السورية بين مطرقة النظام وسندان المجتمع الدولي


Download-16-1-1

كامل عباس – اللاذقية: كلنا شركاء

مقدمة :

    يٌوجِه كثير من المثقفين سهام نقدهم هذه الأيام باتجاه المعارضة السورية , ويُحّملها غالبيتهم ما آل اليه وضع الثورة السورية , فالمعارضة بعرف هؤولاء يفترض بها أن تؤطر نضالات شعبها أثناء انتفاضته العفوية كونها الطليعة الواعية له. لكن المعارضة السورية حقيقة لم تستطع حتى الآن تشكيل جسم وازن بقيادة واحدة, وهي مازالت مشرزمة ومتوزعة ما بين معارضة داخل ومعارضة خارج.

إن الثورة (أي ثورة ) يحكمها شرطان ذاتي وموضوعي. وفي هذا النقد تركيز على الجانب الذاتي وإهمال تام للجانب الموضوعي وهو بيت القصيد في هذه المداخلة المتواضعة .

متغيرات كثيرة طرأت على مسيرتنا الاجتماعية في القرن الواحد والعشرين  أهمها 

تطور أجهزة القمع بفضل تقدم العلم والتكنولوجيا وقدرة أي نظام بما لديه من أسلحة فتاكة ان يخمد أي انتفاضة شعبيه ضده .

تشابك وترابط المجتمع الدولي في سوق عالمية واحدة يعبر عنها حاليا باسم القرية الكونية الواحة .

هذا يعني ببساطة ان مركز الحسم في الانتفاضة انتقل من الداخل الى الخارج .

لقد عبّر عن هذا الواقع أصدق تعبير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان عام  2001 عندما طرح التساؤل التالي على هيئته .

«إذا كان التدخل العسكري لحماية حقوق الإنسان تعدياً على السيادة الوطنية للدولة ذات العلاقة، كيف يمكن لنا أن نتعامل مع إمكانات وجود راوندا جديدة أو سريبربنتسا أخرى، حيث يجري انتهاك منظّم ومنهجي لحقوق الإنسان في شكلٍ يتناقض مع كل مبدأ من مبادئ بشريتنا المشتركة؟». بناء على هذا التساؤل تشكلت لجنة لدراسة الموضوع والتعامل معه,  نتج عنها ما سمي مبادرة  «مسؤولية الحماية»، اقترحت جملة مبادئ بُنيت على قاعدة أن السيادة الوطنية ليست حقاً، وإنما هي مسؤولية بالدرجة الأولى وعرضت على الجمعية العامة في عام 2005ووافق عليها 191 دولة وقد جاء في البند الثالث من تلك المبادئ ما يلي :

إذا أخفقت الدولة في حماية مواطنيها من المذابح الجماعية وأخفقت المساعي السلمية، فإن المسؤولية تقع على المجتمع الدولي للتدخل بأساليب قاهرة كالعقوبات الاقتصادية، ويُعتبر التدخل العسكري الملاذ الأخير للتعامل مع الموضوع.

هكذا كانت البداية بعد  انهيار النظام العالمي السابق, وحلول نظام جديد محله أشاع موجة من التفاؤل بأن تأخذ حضارة وثقافة البشرية دورها ممثلة بمجلس الأمن في حماية الشعوب من بطش حكامها المستبدين, لكن ما جرى داخل نظام العولمة بعد عام 2005 عكس الاتجاه, فقد توّحد الأغنياء والأقوياء وأصحاب البنوك والسندات في العالم لمحاربة تلك النزعة الانسانية الجديدة ونجحوا ايما نجاح داخل نظام العولمة خصيصا في ظل ادارة أمريكية جديدة بقيادة اوباما انحازت الى جانب مصالح الأقوياء على حساب القيم الانسانية , وهكذا شهدنا من جديد انبعاثا لتطلعات امبراطورية تحتقر الانسان وحقوقه وتستند الى القوة العارية بدلا من القانون الدولي مثّلها القيصر والمرشد والسلطان. وكلها مدعومة من الجناح اليميني المسيطر في العولمة والتي لاتعني له القيم الانسانية شيء . اما مجلس الأمن الحالي فقد أصبح ألعوبة وأضحوكة بين يدي أمريكا وروسيا اللتان تريدان إخضاع العالم من جديد لمصالحهما . انقلب اتجاه الريح داخل العولمة بعد تشكل تلك اللجنة, فانتعشت القوى الاستبدادية الكبرى في العالم من جديد مثل روسيا والصين وايران  وراحت تدعم على المكشوف الاستبداديين من حلفائها في الخارج عبر القوة العسكرية العارية بمباركة ومساعدة من كان يقدم نفسه نصيرا للحريات وحقوق الانسان المسلوبة داخل تلك الدول .

كمنت مأساة الشعب السوري في كون انتفاضته جاءت في هذه اللحظة الانعطافية من العولمة, حيث تسود قوى وشرائح رأسمالية في كل مكان تعتمد القمع والقوة العارية لاخضاع الشعوب لمصالحها . الصورة واضحة في سماء سوريا حيث كل طيران العالم يحلق فيها ليس من أجل نصرة الشعب السوري  بل من اجل تشكيل المنطقة من جديد بما يتوافق مع قوة تلك الدول, وجميعها معنية  بتركيع هذا الشعب وإعادته الى بيت الطاعة أكثر ما هي معنية بمساعدته للحصول على حريته .

ليست سوريا وشعبها وحدهم من يعاني من الظلم والقهر في العالم بعد سيادة تلك الشرائح على العولمة,  بل وكل شعوب العالم حيث تسود قيم المافيويات وتجارة الحشيش والجنس وحتى الاتجار بالبشر من اجل تحصيل مزيد من المال . والآتي أعظم اذا نجح مجنون جديد في الانتخابات الأمريكية ليتعاون مع مجنون آخر اذكي منه في اخضاع كل بلد لدية تطلعات نحو الحرية مثل بلدنا  .

……………………………………………..

ليست هذه المقدمة  تبريرا لحال المعارضة السورية الآن بقدر ما هي محاولة لفهم الواقع .  وصفني الدكتور محمود الحمزة على صفحات هذه النشرة  بأنني أجيد التبرير اثر ردي على مقال له  – من تسبّب في سقوط حمص يجب ان يسقط – وقلت فيه انا ارى ان سبب سقوط حمص هو وقوف النظام الدولي الحالي ممثلا بمجلس الأمن الى جانب النظام, فاذا كنت تقصد إسقاطه فأنت محق, اما اذا كنت تقصد اسقاط الائتلاف السوري المعارض فأنا لا اوافقك على ذلك .

أمامي مقال آخر عن حال المعارضة السورية للصديق العزيز منير شحود نشر في جريدة جيرون الجديدة بتاريخ 24/8/2016 بدأه كما يلي 

لعلّ الفشل السياسي الأبرز في بداية الثورة السورية، كان عدم قدرة المعارضة التقليدية على ترجمة مطالب الحرية والكرامة إلى برنامج انتقال سياسي شامل في سورية. كما لم يظهر أي قائدٍ يتمتَّع بشخصيةٍ كاريزمية مقبولة من معظم السوريين. وأنهاه بهذه الكلمات :

استفاد (المجلس الوطني) من الدعم الدولي؛ ليحتكر التمثيل السياسي لنفسه، رافضًا التعاون مع باقي طيف المعارضة، وباع أوهامًا ومواقف، دفع الشارع دمه ثمنًا غاليًا لها، ولم يقم بمراجعة سياساته يومًا، كذلك لم تستطع (هيئة التنسيق) مجاراة المجلس في ركوب موجة الثورة، خاصة مع تزايد الميل إلى “التطرُّف والأسلمة”.

ولأنّ سمة العقم السياسي ملازمة لبنية هذين التشكيلين، فهما يسيران نحو اضمحلالهما المؤكد.

يعرف الصديق العزيز لجنة اعلان دمشق في اللاذقية وهو مضطلع على كل نشاطها, ويعرف موقفها من المعارضة التي يسميها تقليدية.

في ندوة عقدتها اللجنة لمناقشة وضع المعارضة والثورة صيف عام 2012  قالت ما يلي :

(العتب كبير على المعارضة الكلاسيكية وبخاصة على مثقفيها ومهاتراتهم الفضائية حول طريقة سلخ جلد الدب قبل اصطياده. كنا وما زلنا كلجنة نأمل من المعارضة أن تكون بمستوى ثورة شعبها وان تفتش فيما بينها على نقاط اللقاء, وان تترك نقاط الخلاف لتحل عبر الزمن بروح ديمقراطية وما يسفر عنه التطور الاجتماعي , بمعنى ان نصل الى تفاهمات تخدم الثورة بدلا من عرقلتها كما هو حاصل على الأرض.)

وفي دراسة أصدرتها  اللجنة بعد سنتين على تلك الندوة بمناسبة مرور أربع سنوات على انطلاقة الثورة حملت عنوان – لماذا تعثرت الثورة السورية ؟ وضعت اللجنة المعارضة في خانة المعرقلين للثورة  :

ويعرف الدكتور منير أن لجنتنا في اللاذقية حاولت بكل ما أوتيت أن تعمل من أجل خلق مجتمع مدني في اللاذقية مناصر للثورة وداعم لانتقال البلاد من فضاء الاستبداد الى فضاء الديمقراطية , ولكنها لم تغير شيئا على الأرض في المحافظة , هذا يعني ان الشرط الموضوعي كان أقوى منا جميعا, انه الى جانب المخابرات السورية أكثر مما هو الى جانبنا . لنعترف هنا أن المخابرات السورية لديها من الخبرة والذكاء الكثير, فقد كانت وما زالت مقتنعة بان الزمن هو زمن المخابرات في العالم وليس زمن الثورات , وهي لم تفعل شيء سوى ان دفعت البلد لكي يتخلى عن كل القيم الوطنية وينسجم مع قيم العولمة الجديدة القائمة على التشبيح والتعفيش وجمع المال بأي طريقة وهو ما حقق لها انحياز مؤسسات المجتمع الدولي الى جانبها وسكوته عن تجويع المناطق المحاصرة وتسليمه بشكل او بآخر المساعدات الدولية للنظام وشبيحته بدلا من دخولها الى تلك المناطق .

الفرق كبير بين ان ننتقد المعارضة وأداءها لدفعها الى الأمام وبين أن نحكم عليها بالاضمحلال المؤكد .

يكفي المجلس الوطني السوري فخرا ما قاله في وثيقته الأساسية يا صديقي حول رؤيته لسوريا المستقبل   

سوريا دولة مدنية ديمقراطية تعددية , تساوي بين مواطنيها في الحقوق والواجبات , وفق أحكام الدستور ولا تميز بين أفراد الشعب السوري على أساس جنسهم أو لونهم أو انتمائهم السياسي والفكري , أو أصولهم القومية والاثنية ’أو عقائدهم الدينية والمذهبية.

تعترف الدولة السورية الجديدة بمختلف المكونات القومية للمجتمع السوري وتؤكد حقوقها في استخدام لغتها وتقاليدها الخاصة , وممارسة عقائدها في جو من الحرية يكفله القانون , وعلى أساس وحدة التراب السوري .

تنتهج سوريا الجديدة النظام الانتخابي خيارا وحيدا لها , وهي تقوم على التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة .

تعتمد سوريا مبدأ الانتخابات لاختيار ممثلي الشعب في مجلس للنواب يمتلك سلطة تشريعية مستقلة عن السلطة التنفيذية , كما تعتمد الانتخاب لاختيار رئيس الجمهورية لمدة محددة لا تتجاوز الخمس سنوات , ولدورة قابلة للتجديد مرة واحدة دون تمديد أو تجديد .

تعتمد سوريا الجديدة قانونا للأحزاب السياسية وآخر للانتخابات وللإعلام والصحافة بما يحقق التنافس الشريف بين مختلف الأطياف السياسية على قاعدة تكافؤ الفرص في الاستفادة من المرافق والتسهيلات العامة في وسائل الاعلام .

وبالرغم من كل الضغوط التي مورست على المجلس لسلبه قراره الوطني المستقل من قبل بعض الدول العربية والأجنبية الا انه لم يفرط بها , ولم تفرط بها ايضا كل التشكيلات السورية المنبثقة عن الثورة السورية  مع اننا لانستطيع نكران أو تجاهل شهوة الحكم لدى كثير من رجالات تلك التشكيلات .

لا اعرف ما هو رأي الدكتور بأداء الهيئة العليا للمفاوضات . انا شخصيا اعتقد أن روسيا ومن ورائها امريكا تريد من طيرانها في حلب جر الهيئة الى الموافقة على حكومة وحدة وطنية موسعة كما ترغب روسيا, ولكن الهيئة لم تستجب للضغوط الأمريكية حتى الآن .

الأنكى من كل ذلك قولك يا صديقي – وانت اللبرالي كما اعتقد والذي وصفتك جريدة قاسيون يوما: سرب الذباب اللبرالي في اللاذقية منير شحود في المقدمة : – 

(كما لم يظهر أي قائدٍ يتمتَّع بشخصيةٍ كاريزمية مقبولة من معظم السوريين)

اعتقد ان ذلك نقطة قوة للثورة السورية ولكل ثورات الربيع العربي من تونس الى مصر الى ليبيا الى اليمن, فعدم  ظهور قائد كارزمي فيها  تعني انسجام الثورات مع ثقافة وحضارة البشرية التي تتطلع الى تقدم الجموع البشرية على حساب القادة.

أم انك ياصديقي تريد لثوراتنا ان تكون على شاكلة ثورات القرن العشرين التي قادها جميعها قواد كارزميين من لينين الى ماوتسي تونغ الى تيتو الى عبد الناصر الى الخميني مؤخرا . والتي أكلت جميعا أبناءها فيما بعد .

اختم مداخلتي هذه بما قالت لجنة اعلان دمشق في تقريرها السنوي هذا العام حول الوضع الدولي وخذلانه للثورة السورية والمعارضة السورية معا .

في الوضع الدولي :

انها لمفارقة رهيبة في قريتنا الكونية الحالية, اعلام يتشدق بالحرية والديمقراطية وحقوق الانسان, لكن الواقع على الأرض عكس ذلك . لقد أصبح الانسان سلعة رخيصة في أسواقهم وربما الأرخص, فالدول التي تدّعي الحضارة تشهد انبعاثا إمبراطوريا لتحقيق مصالحها , مستعرضة تفوقها الاقتصادي والعسكري على حساب مبادئ القانون الدولي ومصالح الآخرين بدءا من أوباما الى بوتين الى خامينائي ونتيياهو .

أولهم أوباما الذي تركّزت دعايته الانتخابية على التعاون الدولي ومواجهة مخاطر الفقر والحروب, لكنه بعد دخوله البيت الأبيض عمل مع ادارته على قاعدة الهيمنة على العالم على حساب مصالح القرية الكونية .

اجتمعوا جميعا على استباحة سوريا وإجهاض ثورتها تحت شعار مكافحة الإرهاب وبإشراف هيئة الأمم المتحدة . ان هذا النهج خطير جدا واذا لم يعاد النظر فيه – بحيث ينتج المجتمع الدولي مجلس امن جديد يكون فيه القانون سيدا بدلا من القوة , وتقوم في ظله الدول الغنية بمساعدة الدول الفقيرة ويتوازى فيه القول مع العمل من اجل الانسان وحقوقه – ستكون آثاره كارثية  مستقبلا على الجنس البشري .

اقرأ:

كامل عباس: مكافحة الإرهاب بالإرهاب؟!






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org