العميد الركن أحمد رحال: سورية ليست مزرعة لآبائكم !!!


العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء

على مدار السنوات الـ(50) الماضية كانت سورية تدار بعقلية المزارع وبنظام التحكم الفردي, نظام البعث الذي احتكر السلطة مع بداية الستينات من القرن الماضي ومن ثم سرق “الأسد” الأب السلطة عبر انقلاب سٌمي زوراً وبهتاناً بالحركة التصحيحية, وكانت الشعب السوري بنظر تلك السلطة الديكتاتورية عبارة عن قطيع من العمال والتوابع تلحق بأوامر الحاكم الجالس على كرسي السلطة في دمشق, يتحكم بخيراتها ويسرق مقدراتها, حتى النفط السوري الذي يٌشكل الرافد الأكبر للخزينة السورية كدخل قومي أصبح في عهدة تلك الديكتاتورية مجالاً للسرقة وتصنف أمواله تحت اسم “مصاريف قصر جمهوري”.

أفرع المخابرات التي نشرها نظام البعث في كل البقاع السورية تعاملت مع سورية على أنها مزرعة كبيرة تتقاسم أرباحها, وأصبحت أجهزة الأمن تتحكم وتتدخل حتى ببسطة بياع الفلافل والأكشاك في الأسواق السورية, وأصبح حفل طهور طفل أو إقامة حفلة زفاف أحد الشبان تحتاج لقائمة لا تنتهي من التواقيع والموافقات وبتضييق على المواطن وبشكل لا يوصف, المخابرات الجوية صاحبة الصيت الأسوأ بين قريناتها أصبحت لها مكاتب ومفارز في أقصى وأبعد القرى السورية رغم أن عملها منهجياً ووظيفياً يختص بعمل وأمن الطيارين والمطارات, وأصبحت المدن السورية ساحة تجاذبات وتقاسمات ما بين تلك الأفرع وتلك الأجهزة الأمنية التي تقاسمت النفوذ في حياة المواطن السوري وهمها الأوحد كان يتجلى بنقطتين أساسيتين: حماية السلطة وسرقة ما أمكن من جيوب السوريين وغير السوريين.

مع بداية الثورة السورية كانت هناك صدمة للنظام عندما تمرد الشعب السوري على كل تلك السياسات وكل تلك التصرفات التي قلبت مفاهيم المواطنة وحولتها لتبعية للسلطة الحاكمة, لكن عقلية المزارع استمرت في سورية عبر أشكال ونماذج تختلف باختلاف الجغرافية والمصالح والأشخاص.

إيران عبر ميلشياتها وعبر أذرعها اللبنانية والعراقية والأفغانية والباكستانية كانت من أوائل المستثمرين في المزرعة السورية التي فتح أبوابها “بشار الأسد” لكل مرتزقة “طهران” وميليشياتها وضخت من خلالها “إيران” لأكثر من (50) مليار دولار لتثبيت “نظام الأسد” مع الزج بمقدرات بشرية وصلت لأكثر من (66) ميليشيا ضمت أكثر من (75) ألف مرتزق مقاتل, ووصل بصاحب المزرعة الإيرانية “قاسم سليماني” لأن يوطن ويجنس داخل سورية ويمنح البلدات لعائلات مرتزقته, فأصبحت بلدة “القصير” مرتعاً لأنصار “حزب الله” ومدينة “داريا” ملاذاً لعائلات “حركة النجباء” العراقية وحي “بابا عمرو” في حمص مسكناً لعائلات المرتزقة “الأفغان”, ومدينة “حمص ابن الوليد” أصبح اسمها “الزهراء” إيرانياً وبقي فقط حي “الوعر” لم يتم تهجير سكانه لتشييع تلك المحافظة وإدخالها ضمن خريطة المحافظة “35” التابعة لإيران على حد زعم أحد قادة “قم” رجل الدين “مهدي طائب”, وتابعت إيران العمل بمزرعتها السورية التي رضخت لأوامرها بعد مشاريع البيع والتشييع في محيط العاصمة وبعض المدن السورية كمشروع “الأبراج الإيرانية” الذي يشمل حوالي (1200) دونم من مساحة مدينة دمشق العمرانية والتي اشترتها السفارة الإيرانية في دمشق بموجب تسهيلات منحها “بشار الاسد” خدمة لأصحاب المزرعة الجدد “الإيرانيون”.

روسيا أيضاً ومع دخولها في القضية السورية واستثمارها لحماية “نظام الأسد” استباحت الأراضي السورية واعتبرتها مزرعة تتبع لآل “بوتين” ورثوها عن قياصرة الاتحاد السوفييتي المنحل بعد أن تم شحن “بشار الأسد” عبر طائرة شحن رخيصة ليوقع لهم على صكوك الملكية وينتهك قدسية التراب السوري, فطردت روسيا طائرات وحوامات “الاسد” من مطار اللاذقية وأصبح قاعدة جوية روسية اسمها قاعدة “حميميم” وورشة الإصلاح البحرية المتواجدة في طرطوس والتي كانت عبارة عن ورشة إصلاح صغيرة بجانبها مشفى ميداني يتسع لـ (25) سرير ومهبط حوامة, أصبحت الآن مشروع لبناء القاعدة البحرية الروسية الأكبر على المياه الدافئة في المتوسط, وأصبحت تدخلها كل السفن الروسية والطرادات وليتحقق الحلم الروسي الذي طال انتظاره, المشكلة ليست فقط بالقاعدة بل بالطريقة التي تعاملت فيها روسيا مع الجغرافية والشعب السوري, فالقرارات الروسية (التي سٌميت جزافاً اتفاقيات) وشملت توسيع القواعد وحرية الروس بنقل البضائع من وإلى المطارات والموانئ السورية وبدون أي حق بالتفتيش أو المراقبة جعلت من سورية عبارة عن مزرعة جديدة بإقطاعيين جٌدد يديرونها وفق أهوائهم والثمن بقاء “الأسد” على خازوق السلطة.

المناطق المحررة لم تكن بالحالة المثالية للتخلص من تلك المزارع, فـ مع قتل الجيش الحر وإبعاد القادة العسكريين والثوريين خارج حدود الوطن وسيطرة بعض أمراء الحرب والرايات على المناطق المحررة أصبحنا بمزارع من نوع آخر تتحكم بالأرض والسكان وتخضع الجميع لمشيئتهم وقراراتهم التي لا تختلف كثيراً عن مزرعة آل “الاسد” من حيث ظلم الشعب السوري والتحكم بمقدراته وطريقة عيشه وحياته وانطبق على كثير من المناطق المحررة مقولة: “قمنا من تحت الدلف قعدنا تحت المزراب”.

سياسياً لم نكن أيضاً بحال أفضل عن حال الوضع العسكري المتردي بالداخل, فبعض التيارات والأحزاب المحسوبة على المعارضة السورية اعتبرت البلد مزرعة لأحزابها وتياراتها وتوجهاتها وأجنداتها, واعتبرت الشعب السوري قطيعاً من العمال يديرونهم ويتحكمون بمصائرهم وفق نزواتهم وأجنداتهم وآراء فطاحل رجالاتهم الذين يتصدرون المشهد السياسي لتجمعاتهم وتكتلاتهم, فالمجلس الوطني كان للنخبة القادمة من الغرب وبعض المتسلقين (مع عدم التعميم لوجود أشخاص تٌحترم مواقفهم) وكأن أهل الداخل خٌلقوا ليكون تٌبعاً وعبيد لأسياد وأنظمة الخارج, ومع فشل المجلس الوطني عادت لتتسلط علينا مجموعات نخبوية أرسلتها لنا سفارات غربية وعربية فتحكمت بمقدرات الثورة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً واجتماعياً وبنت مافيا من تجار السياسة وأمراء الحرب حرفت الثورة عن مسارها وغيرت الأهداف وزادت من معاناة السوريين ولتتحول الأرض السورية مرة أخرى لتكون مزرعة على يد هؤلاء العابثون بالحلم السوري.

الآن وصلنا لحالة هي الأسوأ, فبضعة سياسيين متسلقين أصبح بمقدورهم التحدث باسم (23) مليون سوري وليصبح وفق مفهوم هؤلاء أنهم أصحاب المزرعة السورية, والأنكى من ذلك أن تخرج بعض الفصائل لتعقد اتفاقات دولية تخص مستقبل سورية وشعب سورية ويخرج علينا شاب ليقول: أنا أتحمل مسؤولية التوقيع !!!!!

سورية وطن, ومسؤولية الوطن تنوء عن حملها الجبال, ويعجز كل ذي عقل عن تحمل تلك المسؤولية, سورية هي مسؤولية الجميع وليست مزرعة لآبائكم ومخلفات باقي الإرث من عائلاتكم.

سورية للجميع ولكل من حمل الجنسية السورية من أصغر مواطن لأكبرهم, الكل شركاء في القرار ولا يمكن لبندقيتكم أن تصادرنا حقنا في حماية الوطن أو تصادرنا حقنا في اختيار نظام أو شكل الحكم وشكل سورية المستقبل.

الشعب السوري هو مصدر القرار ومنبع القرار, وهو فقط المؤتمن على مستقبل سورية, لا أحزابكم ولا تياراتكم ولا تجمعاتكم ولا فصائلكم ولا جيوشكم قادرة على الاستئثار بالقرار السوري ولا يمكن لدخلاء باسم الدين من أن يتحكموا أو يستأثروا بمصير الشعب السوري.

اقرؤوا التاريخ … فأنتم أمام شعب حطم قيود العبودية وقهر كل أشكال الاستعمار والانتداب ولستم بأقوى منهم ليهابكم.

انتبهوا … فأنتم أمام شعب يطلب الموت لتوهب لأبنائهم الحياة.

انتبهوا … انتم أمام شعب سورية الجبار.

العميد الركن أحمد رحال

محلل عسكري واستراتيجي






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org