بورغا لـ(كلنا شركاء) : بوتين ليس سوى لاعب ثانوي, في هذه اللحظة التاريخية


مالك عيطة: كلنا شركاء

 فرانسو بورغا François Burgat محاضر وباحث سياسي في الدراسات الاسلامية والعربية IREMAM في جامعة اكس ان بروفانس AIX EN PROVENCE في فرنسا. وهو مختص في الدراسات السياسة الإسلامية ولدية العديد من المؤلفات أخرها “فهم الإسلام السياسي”  Comprendre l’islam politique, كما يعتبر من ابرز المختصين في الدراسات العربية و الإسلامية في فرنسا. شغل أيضاً مدير دراسات الشرق الأوسط IFPO في دمشق بين عامي 2008-2012، (كلنا شركاء) أجرت معه الحوار التالي:

س : ما هو مستقبل المعارضة السورية بعض سقوط مدينة حلب؟

 من المبكر الحديث اليوم عن ذلك، في حين أن نتائج المفاوضات التي تجري تحت رعاية وإشراف روسيا وتركيا وإيران غير محددة المعالم. فلا يمكننا قياس أهمية ومصداقية ما يقدمه النظام السوري وحلفاؤه الروس والإيرانيون للمعارضة السورية. الهدنة الحالية هي مجرد عملية تكتيك وانضباط، مما يوحي إنه لا معجره ستحصل بفضل الهدنة. فلا بد لجزء كبير من المعارضة أن تواجه الواقع. لكن السؤال الجوهري بالنسبة لي: ماذا سيحصل لهؤلاء الناس الذين اعتقدوا وناضلوا لتحقيق وبناء مشروع شعبي كبير؟  ولأسباب عديدة لن أخوض بوصفها، بعض منهم سيستمر بالقتال والالتحاق بالمجموعات المسلحة بما فيها الجماعات الراديكالية التي تحارب داخل الحدود او خارجها. فمع غياب الحل السياسي الحقيقي، فمن غير المرجح إنّ عودة قريبة ستتحقق للمنفيين خارج البلاد، بل من المحتمل مع استمرار الوضع فالحالي بإنّ صفوف الشتات ستعاني من اليأس والبعض منهم سيحاول التكيّف مع الفجوات التي تنتجها الاتفاقيات المستقبلية ومن ثم ربما الانخراط فيما تبقى من سوريا ملونة بألوان النظام أو بقاياه.

المخرج من الازمة والذي يتم تحديده الان لن يستطع ان يحل أي قضية من القضايا الرئيسية: الحصار، الافراج عن المعتقلين ومظالم أخرى أدت الى تعقيدات كبيرة. كل ما تبقى من المشاكل مؤجل التعامل معه، وما يجري هو إعادة تكوين الأزمة السورية وليس حلها ومن ثم قذف المشاكل الى وقت اخر لتتشتت في المكان.   

س: هل نحن أمام سياسية تغيير ديموغرافي في سوريا أو نموذج تقسيمي يشبه العراق؟

 من المبكر جداً اليوم الإجابة على هذا السؤال، لكن يمكن في أحسن الأحوال استكشاف تبعات ما يحصل بعناية فائقة في المرحلة القادمة. فإذا اعتبرنا، وهو احتمال ضئيل، أن المنفيين والمهجرين ومعظمهم من السنة اتخذوا في المدى القصير قرار العودة الى مدنهم، لكن في واقع الأمر فإنّ تغييراً جزئياً في التوازن الديموغرافي قد حصل. ومع ذلك، فمن المرجح جداً أنّ ” منفى” مدينة إدلب والمناطق المحيطة بها قد تُعطى طابعاً استقلالياً، تقسيمياً أو فيدرالياً. وفيما يتعلق بالأكراد، بعد استبعاد الطرف الغربي من المفاوضات الجارية، والدور الحاسم التي اتخذته تركيا بالمشاركة والمعادي أصلاً لمطالب الأكراد في حصولهم على الحكم الذاتي يسودنا الشك في حصولهم-أي الأكراد- على مطالبهم الاستقلالية.

هل تم تدويل سوريا أم سرينة العالم؟

 الاثنان طبعاً، لن أخوض بالتفاصيل النسبية التي لا يسمح لي الوقت بسردها معكم. لكن في الوقت الذي تصاعد الصدام بين الطرفين السوريين المباشرين، فإنّ سوريا دخلت دائرة التدويل. وكانت الظروف غير مواتية للمعارضة لعدة أسباب، أهمها: التدخل العسكري لحلف الشمال الأطلسي على ليبيا وردة فعل الروس تجاه ذاك التدخل. الانسحاب الفعلي لإدارة أوباما من الشرق الأوسط والمتناقض والغير المتوازي مع حجم التدخل الروسي، مما ترك لموسكو عنان التصرف. لكن الأمور حسمت سلباً ضد المعارضة السورية عندما كشفت صناديق الاقتراع عن فوز الإسلاميين في كل من تونس ومصر. الموقف الخاطئ والسلبي للأوروبيين، فتحسسهم من اللون الإسلامي الفائز في صناديق الاقتراع آنذاك، كان برأي سبباً أساسياً لعدم تعاملهم مع الثوار السوريين. هذا الموقف هو الذي ولد الشك والريبة والتي انتهت بالتخاذل

 س: إذا كنا نتحدث عن تغلغل النفوذ البوتيني في أوربا، هل نجح بوتين في استبدال الديمقراطية الأوروبية بالخوف من “صراع الحضارات”؟

 سأكون متحفّظاً بعض الشيء على ما نحمله من مسؤولية لفلاديمير بوتين عن الانكماش الاوروبي الداخلي. بوتين هو ظاهرة مرضية و محفز للانكماش الاوروبي و الخروج من الاتحاد الاوروبي, فهو الملهم وليس المبادر.

سهولة ظهور هذه الظاهرة وتصدرها على الساحة الدولية يجعلنا نفكر في حقيقة ضعف الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي. فاعلية الدبلوماسية الروسية في الدفاع عن بشار الاسد ادت الى تعطيل دور مجلس الامن عبر الفيتو الروسي، حق الفيتو كان تاريخياً من نصيب الولايات المتحدة للدفاع عن محميتها إسرائيل من اي قرارات تدين تجاوزات وانتهاكات الاخيرة. إذا كان التلاعب بالحقائق من قبل وسائل الاعلام الروسية له صدى لدى الجيل الجديد من المواطنين العرب والاوروبيين، فجزء من المسؤولية يتحمله الاعلام الغربي، فمنذ عقود كان يكيل بمكيالين وبشكل عام فيما يخص الصراع العربي الاسرائيلي.

في إطار تحليلي للواقع الاوروبي، بالنسبة لي إذا كانت أوربا تنكمش على نفسها فلأنها لم تخرج من فترة الراحة الطويلة التي سادت بعد زمن الهيمنة. فتبين أنه من السهل للأوروبيين مناصرة القيم النبيلة عن الانفتاح والتسامح عندما يكونون في وضع المهيمن ولا أحد يحيلهم للمساءلة والمحاسبة وحتى لزعزعة النفوذ. وقد سادت قناعة تامة بإنّ العصر والزمن الذي كان يسمح لنا بقذف القذائف في اي نقطة في أصقاع الارض بدون تجرع ثمن القلق والخوف قد ولى. هذه التحولات مقلقة الى ابعد حدود. وهنا برأيي عامل التحولات الايديولوجية في اوروبا. عصر إدراك زمن نهاية مطاف السيطرة الاستعمارية اولاً ومن ثم الامبريالية بكل الوسائل ابتداء من استخدام وحشية العنف المفرط وانتهاء ٍبكل انواع التلاعبات السياسية. بوتين ليس سوى لاعب ثانوي، في هذه اللحظة التاريخية، وبلاده لن تكون بمأمن من هذه المواجهات والتحولات.

س: من المبكر الحديث عن السياسة الخارجية لترامب, ولكن الأخير  مفتون بشخصية بوتين ومعادي للبرنامج النووي الإيراني. ماذا يعني ذلك بالنسبة لمستقبل سوريا؟

على هذا الصعيد، وبنفس الحذر، يمكنني القول إن الأسابيع القليلة الماضية أظهرت أن الوعود الانتخابية لترامب يمكن أن تتطور، وبهذا المعنى، فتوافقه مع القراءة الروسية في حل الصراع وموقفه من الإسلام السياسي قد يتعدّلان، وهو اقل دقة من مارين لوبان وميلينشون (اليمين واليسار المتطرفَين في فرنسا) – لكن السياسيين الفرنسيين المذكورين من الواضح انهما يشكلان مشكلة حقيقية لأمل المعارضة السورية.  إذا كان ترامب يميل راهناً لصالح طرف واحد من حلفاء النظام وهو روسيا فلديه في المقابل علاقات متوترة مع الحليف الأخر، إيران. ومن بوادر تصدع العلاقات مع موسكو ظهرت اشكالية الهاكر. ولذلك فمن السابق لأوانه استخلاص أي تكهنات جديدة.    





Tags:

للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org