د. يحيى العريضي: وباء الحرائق خارج الحدود وارتداداتها


د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

السلطات التي بنَت سياساتها على الاستفادة من حروب خارج حدودها تبقى في مأمن نسبي من التقوّض إلى أن تبدأ نيران تلك الحروب بالامتداد إلى داخلها. تلك الحروب خارج الحدود تطيل في عمر الدكتاتوريات عبر إشغال الداخل المقلق لها بذلك الخارج. معظم الدكتاتوريات العربية عاشت على ذلك الصراع أو “الحرب” مع إسرائيل. عندما كانت تتعثر أو تتجمد الحرب مع إسرائيل، كانت تلك الدكتاتوريات توجد لنفسها صراعات خارج الحدود للاستمرار بالاستبداد في الداخل. رغم مخاطره وبعض انعكاساته على الداخل العربي والسوري، أمضى نظام الأسد الأب خمسة عشر عاما في الحرب اللبنانية خارج حدوده. تلك الحرب لم ترتد وتدخل إلى الداخل السوري بعد طرده من لبنان عام 2005، كما حدث في العراق بعد الحرب مع إيران ودخول الكويت والخروج منه وبدء احتراقه عام 2003 ثم خرابه النهائي على يد أمريكا وإيران. في الحالة السورية تأخر الانعكاس على الداخل ست سنوات بعد الخروج من لبنان. في الحالة الايرانية بدأ الخروج خارج الحدود منذ 1979، ولم يصل الداخل بعد؛ فالبنية مختلفة والدور مختلف؛ ولكنه مؤكداً سيصل بعد بلوغه ذروة الانكشاف في عهد أوباما ومجيء ترامب ليقوم بالحصاد.  في الواقع أن النار التي أشعلتها ايران قد دخلت الى حضنها عام 2009 ولكن اوباما المدفوع بأحلام دخول التاريخ من خلال عقد صفقة نووية مع ملالي مدينة “قم” قد ساهم في خذلان ثورة الشعب الايراني ، التي انحسرت ولكن جذوتها لم تمت.

تتمثل استراتيجية الصد لدا تلك الدكتاتوريات بإعادة رمي كتلة النار إلى الخارج، حالما تصل الى الداخل. لقد كان أول ردة فعل لرئيس النظام السوري عقب انطلاق الاحتجاج والمعارضة في سورية أن ما يحدث  مؤامرة، وأنه إذا ما حدث حريق في سورية سيطال كل محيطها. وكان ذلك النسخة الموازية للشعار الذي رفعه النظام في وجه الداخل والذي قال للسوريين: “أحكمها أو أدمرها”. بالنسبة للخارج كان الشعار: ” أحترق؛ تحترقون”

بفعلته تلك، أعطى “نظام الأسد” حليفته إيران عمراً جديداً وفسحة في التمدد خارج حدودها، فأراحها من بلاء داخلها وتوتراته التي يمكن أن تأتي على نظام الملالي. وهنا استماتت إيران في الدفاع عنه. وبطريقه أعطى “حزب الله” فسحة للهروب إلى سورية بعد أن كان قد تسبب للبنان بمواجع لا خلاص منها. كما أنه جعل بوتين يكمل خروجه خارج حدوده وليحرف انتباه الداخل الروسي عن الدكتاتورية الستالينية الجديدة.

تفاوتت أدوار القوى المحيطة بسورية والمرشحة إلى وصول الحريق إليها. العربية منها حوّلت الهلع مما يجري في سورية إلى فزاعة لشعبها بأن مصيره سيكون كمصير السوريين، إن هو تحرك. وزيادة في الاحتياطات، لعب بعضهم دور زيادة النار عبر إدارة الحرب بالوكالة من خلال العمل كمندوبين لمن يدير الحروب من الأعلى وعن بعد. الأمر الثالث تمثّل بالتلذذ الخفي على مأساة التشرد السوري الذي نال بعضهم منه ملايين الدولارات القادمة عبر الأمم المتحدة. الآن لو خرج المليون سوري من لبنان سيحدث هزة اقتصادية في لبنان، رغم صراخ مسؤوليه الكاذب تذمراً من وجود اللاجئين السوريين. وهذا موثق في دراسة نُشرت مؤخراً. كل هذا إضافة إلى تحول ساحة الحريق السورية وتبعثر أهل البلد كنازحين أو لاجئين إلى مواد أساسية في إجندات دولية متضاربة يُراد تصفيتها على تلك الساحة.

الأمر الأخطر تمثل بمسألة الإرهاب ومحاربته، والتي عمل “نظام الأسد” بدعم إيراني على جعله هاجس العالم عبر تحويل الحريق السوري إلى مغناطيس يجذبه ويشغل العالم به؛ حيث كانت الغاية وضع السوريين والعالم “المهتم” بقضيتهم بين اختيار “نظام الأسد” أو “الإرهاب”؛ وبذا يطول عمر من أشعل النار بداية وعلى حساب دمار بلد وشعبه.  

القوة الإحترافية التي علّمت الجميع أهمية إشعال الحروب والحرائق خارج الحدود هي إسرائيل التي راقها فوق التصور إطلاق نظام الأسد شعار “أحكمها أو أدمرها”. وهنا عملت كصمام أمان له عبر عرقلة خفيّة لأي احتمال حل في سورية. ما كان الأمريكيون ليسمحوا باستلام روسيا الملف السوري لولا الدور الإسرائيلي؛ ولما سُمح لإيران وأدواتها عدو إسرائيل الإعلامي بالتغول بسورية بهذه الطريقة لولا الضوء الأخضر الإسرائيلي.

تبقى أمريكا القوة العالمية الأبرع في إدارة الحروب والحرائق العالمية؛ فهي تمتلك أكثر من ألف وثمانمئة قاعدة عسكرية خارج حدودها. لا أحد ينسى خط أوباما الأحمر، ولا أحد يستطيع تجاهل خديعة “القيادة من الخلف”. ومعروف أنه لو لم يستخدم بوتين “فيتوهاته” في مجلس الأمن للحفاظ على مُشعل الحرائق في دمشق، لاضطرت أمريكا ذاتها محرجة استخدامها.

إنها لعبة الأمم التي يأتي الإنسان وحقوقه وكرامته في آخر اهتماماتها. وهي لكي تنجز مخططاتها الجهنمية والشيطانية، لا بد من تَوفُر المتعطشين إلى السلطة في موقع التحكم برقاب البلاد والعباد كي تنجز ما تريد في تدمير الملايين وبلادهم والحفاظ على شعار “مالتوس” في “المليار الذهبي”. متى يشبع هؤلاء؟ متى ترتوي إسرائيل من الدم المحيط بها؟ متى تخرج الحالات الحكيمة الوطنية العبقرية لتخليص عالمنا من هكذا طغم،لا أحد يعرف؛ ولكن لا بد من صحوة تخلّص كوكبنا من هذا الوباء.





Tags:

للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org