د. حبيب حداد: في مسار التحرر والديمقراطية لا بد من توافق الوسائل والغايات


د. حبيب حداد: كلنا شركاء

ليس المجال هنا ليسمح ، وليس ذلك ما نقصد اليه اساسا ، بان نعود الى حقب التاريخ المتتالية نستعرض عبرها مراحل تطور الوعي الإنساني تجاه القيم والمبادىء الإنسانية المشتركة التي أضحت تشكل في عصرنا الراهن ضمير الأفراد والشعوب والمجتمعات المتطلعة الى عالم أفضل . وفي مواجهة ما يتعرض له عالمنا الْيَوْمَ من تحديات مختلفة تتراوح بين مختلف أشكال الهيمنة والتبعية والعدوان المباشر والتي ما تزال تتعرض لها البلدان المتخلفة والدول الضعيفة من جانب الدول الاقوى ذات المطامع والنفوذ ، الى تعثر وإخفاق عملية التنمية البشرية المستدامة كما هو الحال في بلداننا العربية ، الى مايشهده معظم مجتمعاتنا منذ سنوات من تغول أنظمة الاستبداد وتعمم اخطار الاٍرهاب ومن حروب أهلية عبثية مدمرة تهدد كياناتها ، ان كل هذه التطورات والمعطيات إنما تؤكد على انه في مسيرة التقدم والتحضر ولكي تنفذ المشروعات المطروحة او تنجح الأحزاب وحركات الإصلاح والانتفاضات او الثورات في تحقيق أهدافها المنشودة لا بد ان تتوافق الوسائل مع الغايات ولا بد ان يكون تجسيد خلاصة القيم الكونية المشتركة هو المقياس والحكم على جدارة وأهلية الممارسات العملية الرامية لتحقيق تلك الأهداف .

فإذا كان مبدأ ميكيافيلي ، منذ ان طرح أواسط القرن الخامس عشر ، والقائل بان الغاية تبرر الوسيلة ، وبغض النظر عن سمو تلك الغاية وانحطاط تلك الوسيلة، أمرا رائجا ومقبولا سواء في سلوك الأفراد والجماعات أم في سياسات الانظمة والحكومات فان النظرة الى هذا المبدأ قد تغيرت الى حد كبير مع تقدم البشرية في سلم التطور الحضاري . وإذا كان علم الأخلاق يعارض هذا المبدأ منطلقا ونتيجة ، فان علم الاجتماع السياسي يرى في الأخذ بهذا المبدأ ومن ناحية مصلحية وبراغماتية اسلوبا يتناقض مع إمكانية الوصول الى الغايات التي يرمي اليها . وحتى اذا حقق هذا الأسلوب المعتمد على عدم التوافق والانسجام بين الوسائل والغايات بعض المكاسب والنجاحات المؤقتة فإنها ستكون عرضة للتبدد والارتداد والخسران وعودة الأحوال الى أسوأ مما كانت عليه .

ان ما يعنينا شأنه بعد هذه المقدمة الوجيزة ان نستعرض جانبا من سلوك المعارضات السورية وعلى الأخص دور النخب الفكرية والثقافية طوال السنوات الست الماضية من عمر الانتفاضة الشعبية المطالبة بالحرية والكرامة والديمقراطية وبناء دولة عصرية تقود مجتمعنا الى مصاف الدول المتحضرة . لقد كان المأمول والمنتظر ان يكون هؤلاء المثقفون مهما كانت مواقعهم : في المدارس والجامعات ، وفي وسائل النشر والإعلام ، وفي مراكز البحوث والدراسات وسواء كانوا في الداخل أم في بلدان الهجرة والشتات ، كان المأمول والمنتظر ان ينهض هؤلاء بمسؤولياتهم الوطنية على أفضل وجه ممكن ، وان يؤدوا دورهم المطلوب في خضم الصراع التحرري الوجودي الذي يخوضه شعبهم ، وذلك بالتركيز على مهمتهم النوعية الا وهي العمل على تنمية القيم و القدرات الذاتية العقلانية والخلقية في الوعي السياسي لمجتمعهم ، تلك التي كان لابد منها لتصويب وتحصين مواقف وممارسات الحراك الشعبي ، ووفاء لتضحياته الجسام ، وتجنيبه عوامل الانحراف والاستغلال والإخفاق التي تعرض لها والتي أدت الْيَوْمَ الى هذا الواقع المأساوي ، لكن هذا الوضع المأمول والمنتظر لم يتحقق مع الأسف الشديد بل ان ما حصل كان مفاجأة للكثيرين وكانت الصورة التي نشهدها الآن لمواقع وأفعال أولئك المثقفين أشد بؤسا ومرارة مما كان يخطر في بال غلاة المتشائمين ،

والصورة الْيَوْمَ التي تتجلى فيها اوضاع وممارسات معظم هؤلاء المثقفين الذين يتواجدون في الخارج والذين يعمل قسم كبير منهم في تشكيلات المعارضات الخارجية ، إنما تعبر خير تعبير عن طبيعتها ولا تحتاج الى المزيد من البحث والتعمق في دوافعها وغاياتها ، وعن مشروعية الوسائل والاساليب المنطقية والخلقية التي تستخدمها للوصول الى أغراضها ، او التساؤل أين كانت مواقعها بالامس وأين هي الْيَوْمَ وأين ستكون غدا . او مستوى صدقها مع نفسها ومدى اخلاصها والتزامها باهداف شعبها التي انتفض لتحقيقها ، او المبرر لتحالفاتها مع قوى الارهاب معتبرة انها هي قوى الثورة الموعودة التي ستحقق المشروع الوطني الديمقراطي السوري لسورية المستقبل ، وأخيرا وليس آخرا فان مظهرا آخر لتلك الصورة البائسة التي تتجلى فيها حقيقة هؤلاء المثقفين والتي لا تحتاج الى المزيد من التقييم والتعليق هو تسابقهم على الانخراط في اجندات الدول الفاعلة في المسالة السورية ، اذاقبلتهم واستعدادهم الدايم لتغيير تلك الاجندات حسبما تقتضي المصلحة الخاصة وكذلك المشاحنات والمنازعات الدائرة بينهم هذه الأيام وعمليات التدافع والركض للحصول على امجاد شخصية بالحصول على عضوية هذا الوفد او ذاك الذاهب الى تلك العاصمة أو تلك !!!!!!!

هذه هي بإيجاز ، وبما يحز في النفس ويعزز حالة الاحباط عند شعبنا ، هي الصورة الواقعية لمواقف وممارسات وسلوك معظمنا نحن المثقفين السوريين التي جسدناها طوال السنوات الست الماضية الدامية ، من عمر انتفاضة شعبنا من اجل الحرية والانعتاق والتحرر ، والتي لم نتوخى في عرضها إطلاقا التهجم على شخص بعينه او ادانة تشكيلة معارضة بذاتها ، إنما أردنا بكل وضوح ان نسلط الضوء على جانب حساس في عملنا الوطني نعتقد انه يستحق منا التوقف عنده والبحث الموضوعي والعقلاني في اسبابه ومحاولة إيجاد الحلول الناجعة له . لقد سبق لنا في اكثر مناسبة ان عبرنا عن وجهة نظرنا في أسباب هذه الظاهرة الخطيرة : ظاهرة تناقض الوسائل والاساليب المتبعة مع الأهداف والغايات المنشودة ، وراينا ان هذه الظاهرة التي تسود وتهيمن في حياة مجتمعاتنا وفي سلوك مواطنينا إنما تعود الى تعطل التطور الطبيعي لمجتمعنا والازمة الشاملة والمتفاقمة التي يعانيها في كافة المجالات الفكرية والعلمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية … وهذه العطالة التي استمرت طوال العقود الماضية والتي يهدد استمرارها على هذا النحو بتواصل تراجعنا في كل الميادين كان السبب الأساس فيها دوام نظام الاستبداد وما جره على بلادنا وشعبنا من ضعف وتشتت وهوان .





Tags:

للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org