العميد الركن أحمد رحال: أستانة … جنيف … سلام أم استسلام؟؟؟


العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء

الحرب بأحد تعاريفها هي استمرار للسياسة إنما بوسائل أخرى وقد تكون بطرق عنفية, و الجميع يدرك أن ساحات المعارك وعملياتها تخضع لأجندات السياسيين ولأهدافهم الموضوعة والتي ينبغي الحصول عليها, وعندما تتحقق تلك الأهداف تنتفي أسباب الحروب ويعود الجميع لمواقعهم.

بإسقاط تلك المفاهيم على الثورة السورية نجد أن هناك لغط وهناك ضياع كامل ناجم عن جهل قد يكون مقصوداً وغايته خلط الأوراق وإطفاء أي منارات يمكن أن تٌرشد لشواطئ حلول دائمة تريح الشعب السوري وتنهي ستة سنوات من القتال, ويٌفترض بتلك السنوات أن تكون قد أوصلت جميع الفرقاء إلى قناعة كاملة ألا قدرة لأحد الأطراف من حسم تلك الحرب, وأن كل الدعم الميليشوي والعسكري الذي ناله نظام “الأسد” لم يستطع أن يٌخمد جذوة الثورة في قلوب السوريين الباحثين عن الحرية.

اجتماع “أستانة” والذي يٌفترض أنه مخصص لتثبيت وقف إطلاق النار المعلن عبر توافق روسي – تركي في 30-12-2016 ومن أجله اجتمعت معظم الفصائل في العاصمة التركية “أنقرة” وبناءً على تطمينات من الضامنين الروسي والتركي أعلنت تلك الفصائل عن موافقتها بالذهاب إلى العاصمة الكازاخية والمشاركة بكل إيجابية في اجتماعاتها, لكن ما حصل هناك أن فصائل المعارضة المشاركة عادت بخفي حنين وأن من يٌفترض أنها دولة محايدة “روسيا” قامت بممارسة التقية السياسية على غرار تقية الملالي في إيران وبدأتا معاً بالمراوغة والخداع والتغيير بأجندة الاجتماعات والتحضير لبيان ختامي يجعل من القاتل الإيراني قاضياً من خلال جعله ضامناً ويٌدخل في جو المفاوضات بعض البنود السياسية وبتغيير واضح ومقصود لما تم التوافق عليه, وعندما فشل المؤتمر قامت الدبلوماسية الروسية بالقذف بدستور معلب تم تصنيعه على أيدي هواة وأغرار في القاعدة الروسية “حميميم” ليكون قنبلة تكتيكية تحفظ ماء وجه الروس بعد فشلها في لجم ميليشيات إيران من متابعة القتل وانتهاك وقف إطلاق النار المعلن في الساحات السورية.

الموقف الروسي من حالة الاستعصاء التي افتعلتها إيران وكما توقعه الشارع الثوري السوري كان متأملاً أن يكون موقفاً حاسماً من قبل الروس ضد حلفائهم الذي أجهضوا خطواتهم واستفادوا من كل جهودهم العسكرية ووظفوها لمصالحهم دون أي نفوذ روسي يمكنه من القدرة على فرض أي حلول وسطية ولا حتى من تمرير تثبيت وقف إطلاق النار, وهذا التأمل من الشارع الثوري دعمته بعض التغيرات في إدارة الملف السوري في الدوائر الروسية عندما أٌوكل بالملف إلى وزارة الدفاع الروسية وللمبعوث الخاص للرئيس الروسي “ألكسندر لافرنتييف” وسحبه جزئياً من وزارة الخارجية ومن يد “لافروف” الذي يٌظهر ميلاً كاملاً لأجندات إيران ونظام “الأسد” في طريقة بحثه عن حل ينهي مأساة السوريين, لكن كل آمال السوريين وفصائلها التي ذهبت لأستانة فٌجعوا بموقف روسي أكثر التصاقاً بالأسد وإيران بل أن الطائرات الروسية عادت لتقصف الكثير من مواقع المدنيين في المناطق المحررة وحتى مواقع ومقرات بعض الفصائل التي شاركت في مفاوضات “أستانة”, وزادت عليها موسكو بإرسال شحنة صواريخ أرض-أرض وصلت إلى ميناء طرطوس السوري خلال الأسبوع الفائت.

ومع بدء العد العكسي لبدء مفاوضات “جنيف4” بدأت تتكشف حقول الألغام التي وضعتها بعض أطراف المجتمع الدولي وخاصة “روسيا” في طريق تشكيل الوفد التفاوضي للثورة من خلال إبراز منصات عرض يٌقال عن بعضها أنها منصات سياسية (منصة موسكو “قدري جميل”, منصة القاهرة “جمال سليمان وجهاد مقدسي”, منصة أستانة “رندة قسيس”, منصة حميميم “اليان مسعد”, ومنصة بيروت أو منصة الضاحية الجنوبية “لؤي حسين”), والهيئة التفاوضية التي يٌفترض أنها تمثل غالبية أطياف المعارضة وقعت (بحيص بيص) الاستجابة للضغوط الدولية, وهي تدرك تماماً أن كل تلك المنصات لا تختلف نهائياً بمطالبها عن مطالب “بشار الجعفري” رئيس وفد النظام للمفاوضات باستثناء منصة “القاهرة” التي تقترب بمعطياتها ومطالبها من موقع ومطالبات الهيئة التفاوضية.

الداخل السوري كان له رأي آخر عبر تفجير معركة “الموت ولا المذلة” في مدينة “درعا” من خلال غرفة عمليات “البنيان المرصوص” والتي جاءت رداً على محاولة استفراد بعض الدول بقرار الجبهة الجنوبية ومحاولات البعض إعادة سيطرة “الأسد” على الجزء المحرر من مدينة “درعا” وإكمال المشروع بوصول ميليشيات “الاسد” إلى معبر “نصيب” على الحدود الأردنية وفتحه أمام حركة التبادل الاقتصادي والعبور, والمعركة أيضاً جاءت بناءاً على ما قاله الروس والأتراك من الحق المشروع للفصائل بالرد على مصادر النيران وانتهاكات ميليشيات “النظام” وحلفائه لهدنة وقف النار التي يٌفترض أنها سائدة في الجبهات السورية, ومعركة “الموت ولا المذلة” التي بدأت لن تكون المعركة الجديدة الوحيدة فالقادم قد يفاجئ الجميع.

فالواقع والرأي الشعبي السائد بالداخل السوري لديه القناعة الكاملة بأن نظام “الأسد” ومن يدعمه لا يفهمون إلا بلغة القوة وأن خيارهم لم يكن يوماً خياراً سياسياً, بل كان اعتمادهم على الحل العسكري, وأن كل ما يحصل في مفاوضات “أستانة” ومفاوضات “جنيف” هي ألاعيب ومماطلات سياسية دولية غايتها منح أكبر وقت لميليشيات “الاسد” ومن يدعمها بتصفية الثورة السورية وبمظلة دولية, والأدلة كثيرة تبدأ من خسارة القصير ثم حمص ثم داريا والغوطة الغربية ثم حلب ثم وادي بردى والآن الحديث عن الغوطة الشرقية, وجميع تلك المناطق والجبهات استعادها النظام تحت مرأى ومسمع المجتمع الدولي وبفترات زمنية تسبق أو خلال عقد تلك الجولات العبثية من المفاوضات, عدا عن أن كل تلك الجولات التفاوضية أنهاها “الجعفري” بمحصلة (الصفر) من حيث التقدم أو الخوض بأي بنود يمكن أن تٌنتج حلاً في طريق إنهاء الاقتتال في سورية أو الوصول لحلول سياسية تتجاوب مع القرارات الدولية التي وقعها رعاة تلك الجولات من التفاوض.

إذا كان المجتمع الدولي أو بعض أطرافه يظن أن إطالة زمن الحل يمكن أن يٌضعف قوى الثورة أو يصيبها بالفتور والملل واليأس فمن الواضح أن أصحاب تلك الرؤية يمتازون بقصر النظر والجهل التام بطبيعة وإمكانيات وقدرات وتصميم الشعب السوري الحر, بل على هؤلاء أن يعلموا أن كل إطالة تحمل في طياتها تعقيداً جديداً يضاف إلى التعقيدات المتواجدة في طرق الحل السياسي, وكل إطالة بالحل تدفع بالأطراف المعتدلة لتكون أضعف لكن ليس في مواجهة “النظام” بل في مواجهة التطرف الذي يمكن أن يشكل طوفاناً لمواجهة التطرف الذي تدفع إليه الأجندة الإجرامية والطائفية لميليشيات إيران وحزب الله والميليشيات العراقية وكل القتلة (الشيعة) الذين استقدمهم “بشار الأسد” من أفغانستان وباكستان والشيشان لقتل الشعب السوري.

الواضح من القراءة السياسية لأجواء مفاوضات “أستانة” و”جنيف” أنها تبحث عن حلول تعيد إنتاج وتصنيع نظام “الأسد” بقوالب جديدة تغير من الشكل وتٌبقي على المضمون حتى أنها قد تٌبقي مجرم سورية “بشار الأسد”, وتلك القراءة وبكل بساطة لا يمكن أن تجد طريقها إلى أي حل دائم في سورية, وبالتالي فتلك المفاوضات لا تبحث عن سلاماً بقدر ما تبحث عن استسلاماً لقوى الثورة التي ضحت بأكثر من (600) ألف شهيد ومثلهم معاق ومثلهم من المعتقلين والمغيبين والمفقودين في سجون “الأسد” وأكثر من (14) مليون سوري مهجر ونازح ولاجئ ومشرد.

لكل خطة بديل, ولكل أمر مستجد هناك حالة رد, وما يسوقه المجتمع الدولي أو روسيا بالتحديد يدفع الشعب السوري وعبر فصائله المسلحة إلى إيجاد البدائل التي تحقق مطالبه بعيداً عن المفاوضات وبعيداً عن أي تفكير بحلول سياسية, ومن يهدد الفصائل بوقف التسليح والإمداد فالرد جاهز وموجود بأن فصائل الثورة ستقاتل بما تملك وما تغنم وما تٌصنع لكنها لن ترفع راية الاستسلام, ولن تضيع دماء شهدائها ولن تسامح بعذابات أهلها ولن تقايض بحقوقها, فإما عيشة بكرامة فوق الأرض وإما شهادة شريفة يواجهون بها ربهم يوم العرض.

العميد الركن أحمد رحال

محلل عسكري واستراتيجي






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org