محمد زاهد غول: لماذا لا تتوحد المعارضة السورية المسلحة بجيش وطني؟


محمد زاهد غول: القدس العربي

تجنبت الحكومة التركية أن تتدخل في قرار المعارضة السورية قبل الثورة وبعدها، وكما سعت الحكومة التركية إلى الجمع بين المعارضة السورية المسلحة والحكومة الروسية في أنقرة عام 2016، وفي الأستانة بعدها عام 2017، دون أن تتدخل في قرارها السياسي أو العسكري.

كما سعت من قبل إلى المقاربة بين المعارضة السورية ونظام بشار الأسد قبل مارس 2011 تاريخ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في درعا وغيرها، بنصح بشار الأسد استباق وقوع الثورة، بعد اندلاعها في مصر وتونس وليبيا واليمن، ولكن بشار الأسد كان يدعي أن بلاده لديها مناعة من الثورة الشعبية، بحكم أن سوريا كانت في ذلك الوقت على قائمة الدول العشر الأولى في العالم باحترام حقوق الإنسان والتعددية السياسية وحرية تأسيس الأحزاب السياسية والانتقال السلمي السلطة، فكانت سوريا قبل الثورة متقدمة على العديد من الدول الأوروبية في الديمقراطية، بحسب رؤية بشار الأسد وحزب البعث وزعماء الأسرة الأسدية، فلا مبرر للثورة في نظرهم، فرفض النصائح التركية من رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في ذلك الوقت ووزير خارجيته داود أغلو ومدير المخابرات التركية الوطنية هاكان فيدان، وكانت تجمعهم علاقات سياسية قوية وصداقة حميمة، واستمر هذا الرفض مع وعوده الكاذبة بتقبل فكرة لقاء المعارضة السورية، لأنه كان يراهن على خوف الشعب السوري، فتربية أربعين عاما من الإرهاب القمعي لن تضيع، وبقيت المحاولات التركية نحو ستة أشهر تأخذ الوعود من بشار الأسد دون تنفيذ، رغم أنه كان يقمع ويقتل نحو مئة مواطن يومياً، وبدأت الحكومة التركية تندد بالقمع وجرائم قتل المدنيين الأبرياء، فقد تم توريط الجيش السوري في قمع الثورة بضغوط روسية وإيرانية في سبتمبر 2011.

لم تتدخل الحكومة التركية في مواقف الشعب السوري إطلاقاً، ولكنها استقبلت اللاجئين والهاربين من بطش الشبيحة، ثم من الأجهزة الأمنية، وأخيرا من قمع الجيش السوري نفسه، ورفضت إغلاق حدودها عندما طلبت الحكومة السورية منها ذلك. وبدأت الاحتجاجات الشعبية تحاول الدفاع عن نفسها بما تيسر لها من العصي والأسلحة الخفيفة، وبالأخص بعد انتشار الفرار من الأجهزة الأمنية والجيش السوري والتحول إلى صفوف المعارضة، التي تدافع عن نفسها وأهلها وقراها وأعراضها، فكانت أسلحة المعارضة من داخل سوريا لأكثر من سنة من اندلاع الثورة، ولكن مواصلة بشار محاولات القمع والقتل دفعت المعارضة السورية إلى البحث عن التسليح الخارجي، وبدأ تهريب هذه الأسلحة إلى سوريا من كافة الحدود المحاذية لها من تركيا والأردن والعراق ولبنان ومن البحر أيضاً، وفي ذلك الوقت ومع شدة القمع والقتل للمدنيين لم تمنع الحكومة التركية عمليات تهريب السلاح إلى داخل سوريا، لأن الشعب بحاجة للأسلحة لحماية نفسه، ولكن دون ان تقوم هي بنفسها بأي عمل في هذا الاتجاه.

في تلك الظروف تشكل المجلس الوطني السوري برئاسة الدكتور برهان غليون، بهدف تنسيق مواقف المعارضة السورية السياسية والعسكرية وتمثيلها أمام المجتمع الدولي، وقد بدا أن هناك تباينا بين المعارضة السورية في الخارج والمعارضة المسلحة في الداخل، فبقيت جهود المجلس الوطني السوري ضعيفة التأثير على الداخل أولاً، ولم يحصل على الاعتراف الدولي والعربي المتوقع، لأن إدارة أوباما الأمريكية تدخلت لإمساك مفاصل الصراع السوري واستثماره وفق مخططاتها في رسم مستقبل سوريا والمنطقة من وجهة نظر امريكية وإسرائيلية، ولذلك رفضت أمريكا الاعتراف بالمجلس الوطني، وسعت إلى تأسيس قيادة جديدة للثورة السورية، وقد ساعدتها على ذلك دول عربية كبيرة مهتمة بالشأن السوري، وكانت تخشى من نجاح الثورة كما تخشى من فشلها، ولكنها شأنها شأن تركيا لم تعارض الخطة الأمريكية بتشيكل الائتلاف الوطني للمعارضة الذي أشرفت عليه وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، وجرى إعداده لتمثيل الثورة السورية في مؤتمر جنيف1، ومن ذلك الوقت وحتى الآن لا تزال كل المشاريع السياسية والمؤتمرات الدولية، سواء لأصدقاء سوريا، أو مؤتمرات جنيف 1ـ3 ، تتم بإشراف ودهاء أمريكي من جون كيري وزير الخارجية الأمريكي السابق. وحتى التدخل الروسي السياسي والعسكري كان ضمن الإشراف الأمريكي، بل بتحريض أمريكي لعرقلة المسارات السياسية والعسكرية، ولذلك وضعت السياسة التركية والعربية القطرية والسعودية والأردنية واللبنانية تحت الأوامر الأمريكية بمنع إدخال السلاح النوعي للثورة السورية، بحجة الا تنفلت الأمور وتقع الفوضى في كل سوريا، ولذلك كان الفيتو الأمريكي لمنع تسليح الثورة هو السبب الأول والرئيسي لعدم سقوط بشار الأسد وسلطته حتى الآن، وهذا امر تعهدت به الحكومة الإسرائيلية لبشار الأسد، بأن تضغط على امريكا بعدم السماح بسقوط بشار الأسد، ولذلك لم تتم مهاجمة قصر واحد لبشار الأسد طوال الست سنوات، لأنها مناطق محرمة على الثورة السورية، مع انها تملك الصواريخ والأسلحة التي تستهدفها، ولكنها ممنوعة عن ذلك، ومن أجل ذلك فرضت إدارة أوباما فيتو آخر على توحيد الفصائل السورية المقاتلة في الداخل، فبقيت جبهات الشمال منفصلة عن جبهات الجنوب، ومنفصلة عن بعضها أيضاً، ولضمان ذلك تكفلت دول عربية وإسلامية وأحزاب عربية وإسلامية بدعم فصائل معينة بالتمويل والسلاح والرجال ورسم خطط عسكرية متباينة ومتناقضة أيضاً.

لذلك لم يكن بإمكان تركيا ولا غيرها توحيد فصائل الثورة السورية الداخلية والخارجية، وهي تنتمي أصلا إلى دول مختلفة وأجندات غير متوافقة، وتظن كل دولة أنها من خلال هذا الفصيل أو ذاك تضمن شروط تدخلها وضمان مصالحها في سوريا، فضلا عن وجود فيتو أمريكي على توحيدها، فكل فصيل يحمل اجندة لا يستطيع ان يخالفها، وإلا فقد التمويل والتسليح، ولذلك وجدت تجارة السلاح بين فصائل الثورة الداخلية، كما وجدت تجارة تغيير المواقف والولاء بأثمان يتم التفاوض عليها، عبر مفاوضات بين قادة الفصائل وكبار القادة والمسؤولين.

في هذه الأثناء وبعد أن أنجزت أمريكا أهدافها من جنيف1، ومن أهم أهدافها في ذلك الوقت إعطاء الفرصة الزمنية والضوء الأخضر لإيران بإدخال جيشها وحرسها الثوري وميليشياتها العراقية واللبنانية إلى سوريا، بهدف تغيير موازين القوى العسكرية داخل سوريا، وبعد ان حققت أمريكا ذلك استنزفت سنة أخرى إلى جنيف 2، وسنة أخرى أو اكثر إلى جنيف 3، وسنة أخرى أو أكثر إلى جنيف 4، دون ان تمانع روسيا وتركيا بمحاولة الخروج عن المسار الأمريكي باصطناع مؤتمر جانبي في أستانة عاصمة كازاخستان بتاريخ 23/1/2017، فالاستياء من الموقف الأمريكي في آخر عهد اوباما هو الذي دفع السياسة التركية والروسية للبحث عن مسار خارج إدارة جون كيري، ولذلك لم تمثل الإدارة الأمريكية في استانة إلا بالسفير الأمريكي في كازاخستان وهو يجلس في الصفوف الخلفية، فلم يكن طرفا مشاركا في المؤتمر، وإنما طرف متهكم من محاولة الروس والأتراك الانفراد عن أمريكا وجنيف وديمستورا، ولذلك بدأت المناوشات بين لافروف وديمستورا على موعد جنيف4.

لهذه الأسباب وغيرها لم يكن ممكنا توحيد فصائل الثورة السورية من قبل تركيا ولا غيرها، فالفيتو الأمريكي قائم، ولم تستطع تركيا ولا السعودية ولا قطر ولا غيرها تجاوزه، إضافة إلى أن مخابرات بشار الأسد عملت في أوساط الثورة السورية، وكانت على اطلاع على بعض أسرارها ومؤتمراتها العسكرية السرية، فكانت تستهدف بعض القادة لفصائل الثورة بهدف بث الفتنة بينهم، وجاء المتطوعون من الخارج بعد تدخل إيران الطائفي وارتكابها لمجازر طائفية، عاملاً إضافيا لصناعة تنظيمات جاءت للانتقام من المليشيات الإيرانية في الظاهر، وبحجة الدفاع عن اهل السنة، ولكن سلوكها غير النظرة إليها، وتبين أن إيران لم تكن بعيدة عن تشكيل فصائل من جنسها، سواء باسم «القاعدة» او «داعش» أو غيرها، وهذه اخذت بالتنسيق مع قوات الحرس الثوري وقوات بشار الأسد في السيطرة على أماكن معينة، فأخذت تحارب فصائل الثورة السورية أكثر من محاربتها لقوات بشار وميليشيات إيران، بل اخذت تقايضها المواقع، كما يجري الآن في منطقة الباب، فهي تحاول ان تقبض ثمن بقائها أو خروجها من الباب، وكان دخولها وخروجها من تدمر ودير الزور اكثر من مرة مناورات من هذا القبيل، هذه النوعية من الفصائل مهما كان تصنيفها الدولي إرهابية أو غير إرهابية غير معنية بتوحيد الفصائل السورية، ولا سلطة لتركيا ولا لغيرها من الدول العربية على عملها، لأن لها تمويلها الخاص، ولها ولاؤها الخاص، وهي جزء من مشاريع دولية خارج سوريا والوطن العربي بل وخارج العالم الإسلامي أيضاً.

كل ذلك على صعوبته لا يمنع العمل على توحيد هذه الفصائل، وقد حاولت بعض الأطراف في تركيا وغيرها إحداث تقارب إن تعذرت الوحدة، رحمة بالملايين التائهة داخل سوريا وخارجها، ورحمة بالضحايا والاسرى والمحاصرين المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ، الذين بقوا في سوريا أو الذين تشردوا في مخيمات اللجوء خارجها، أو الذين أصبحوا سلعة في سوق العبيد في أوروبا وغيرها، أو على قوائم الارهاب لهذه الدولة أو تلك لمجرد كونهم سوريين. ورغم كل هذه المظالم يخرج شذاذ الأفاق يحتفلون بانتصارهم في حلب، ويرسلون برقيات التهنئة على قتل المسلمين، وقد جعلوا من حضارة حلب ركاما من الحجارة ومهجورة من اهلها، ويحاولون تغيير سكانها من السوريين العرب إلى الايرانيين المستعربيين الطائفيين، الذين يتم توطينهم في دولة «سوريا المفيدة» بحسب التقسيم الأمريكي، الذي تهدد إيران وروسيا بالموافقة عليه إذا لم توافق المعارضة السورية بالحل السياسي الإيراني والروسي، لذلك وبعد تأكد السياسة التركية بأن تجميع المعارضة السورية مستحيل بسبب تعدد ولاءاتها الخارجية، عملت على دعم الجيش السوري الحر في المدن والقرى والأرياف التي يستطيع السيطرة عليها، فدعمته في عملية «درع الفرات» حتى لا تصبح الحدود التركية السورية خالية من سكانها السوريين العرب الأصليين لصالح الأحزاب الإرهابية الكردية او الإيرانية، وهي تأمل، أي تركيا، أن تحذو الدول العربية حذوها بحماية الحدود الأردنية السورية من المليشيات الإيرانية أو غيرها من الأحزاب الارهابية، لأن ذلك نذير خطر على الدول العربية جنوب سوريا أيضاً، وهذا أمر ضروري حتى تتضح رؤية الرئيس الأمريكي الجديد ترامب، إن كان جاد بإخراج الاحتلال الإيراني من سوريا والعراق، أو إن كان جاداً بإعادة روسيا إلى حدودها الجغرافية كلاعب دولي سياسي فقط، أما تركيا فلا مصلحة لها ولا رغبة عندها بإبقاء جندي تركي واحد داخل الحدود السورية أو العراقية إذا تم تأمين هذه الحدود بما لا يهدد الأمن القومي التركي.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org