العميد الركن أحمد رحال: أستانا وجنيف … مسرحية بطلها الجعفري


العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء

ست سنوات مرت على بداية الثورة السورية ونحن على أعتاب العام السابع والقراءة الموضوعية للواقع الميداني تقول أن معظم أركان القيادة السياسية وبمختلف أطيافها ومعظم قادة الفصائل العسكرية وبمختلف أجنداتها لم يرتقوا إلى فهم المعادلة الدولية بما يخص قضية الشعب السوري, وأن معظم هؤلاء يدور في فلك أجندات إقليمية أو دولية بعيدة كل البعد عن مطالب وأهداف وتطلعات الشعب السوري وثورته الطاهرة.

ثورة باعتراف رأس النظام “بشار الأسد” أن أشهرها الست الأولى كانت سلمية (وهي كذلك), وأيضاً باعتراف نائبه “فاروق الشرع” بتاريخ 27-12-2012 أن النظام كان يبحث عن مسلح واحد ليرمي عليه التهمه لكنه لم يجد, ومع ذلك استطاعت أجهزة استخبارات النظام عبر الألاعيب التي تتقنها وتتفنن بها من الوصول لمبتغاها.

نظام الأسد الذي رفض ويرفض إطلاق سراح المدونة السورية “طل الملوحي” ابنة مدينة حمص ذات الـ19 ربيعاً, أطلق سراح ذوي الميول العسكرية من الأجندات الإسلامية من سجونه لأنهم يخدمون مصالحه (بالتأكيد ليس تخويناً لهم), ومع إجرام عصابات “الأسد” بشكل لا يوصف وبكافة أنواع الأسلحة, ومع الزج بميليشيات طائفية متعددة, تمت عسكرة الثورة وتحويلها لجبهات قتال حققت أجندته التي سعى إليها منذ بداية الثورة من أنه يقاتل إرهاب مسلح وليس ثورة شعب يطالب بالحرية.

عندما دعا المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة لجولات تفاوض في جنيف, ظن الشعب السوري أن الفرج قادم, وأن عدم تدخله عسكرياً سيستعيض عنه بضغوط سياسية دولية تحقق ما عجز عن تحقيقه الشعب السوري منفرداً, وأن عدالة المجتمع الدولي ستعيد له حقه الذي تم سحقه بأقدام ميليشيات إيرانية وعراقية ولبنانية وأفغانية وكل ميليشيات القتل الطائفية التي استقدمها “بشار الأسد” إلى سورية.

لكن ما حصل على أرض الواقع أن كل الجولات التفاوضية كانت عبارة عن ابر مخدرة ورخص زمنية استغلها نظام الأسد بمزيد من القتل وبمزيد من استجلاب القتلة إلى داخل الحرم السوري لإخماد ثورة شعب حر, ومع نهاية عام 2015 فشلت كل تلك الميليشيات بحماية نظام “الأسد” مع وصول “جيش الفتح” إلى أعتاب جبال الساحل وإلى أطراف محافظة “حماه”, ومع انطلاق معركة “الله غالب” التي أطلقها “جيش الإسلام” والتي طوقت العاصمة “دمشق” من الشمال وفصلتها عن محافظة “حمص” والداخل السوري, ومع وصول فصائل الجبهة الجنوبية لأبواب “دمشق” عبر محور مثلث الموت ووصولهم لأطراف بلدة “الكسوة”, كان التدخل الروسي بكل ما يملك كدولة إرهاب اعتادت القتل والإجرام بأسلحتها الصاروخية وسفنها وقاذفاتها الإستراتيجية, واستطاعت روسيا من خلال هذا التدخل من وقف تدهور الحالة العسكرية للنظام واستعادة المبادرة التي فقدها على مدار السنوات السابقة, ومع استعادة مدينة “حلب” (بعد عام تقريباً) فرضت روسيا نفسها كلاعب أول في الساحة السورية ولتسحب البساط من تحت الأرجل الأمريكية المتراجعة أصلاً تحقيقاً لأجندة إدارة الرئيس “أوباما” الذي رفض أي تدخل أمريكي أو دعم حقيقي وكبل أصدقاء الشعب السوري, وحتى خطه الأحمر المتمثل باستخدام “الأسلحة الكيماوية” تراجع عنه “أوباما” بعد أن قتل “الأسد” أكثر من (1500) طفل وامرأة في الغوطة الشرقية بأسلحته الكيماوية.

جنيف متعدد الأرقام أصبح مسرحاً تتغير شخوصه بتغير مواعيده, لكن ما يٌحسب للنظام أنه حافظ على نفس الوفد الذي يرأسه “بشار الجعفري” والذي انحصرت مهمته بتصفير عداد النقاش مع نهاية كل جولة والخروج بمحصلة “الصفر”, و”الجعفري” وبتخاذل دولي يستحق العلامة الكاملة بالوصول إلى ما يريده مشغليه من تلك الجولات, أما وفود المعارضة فكانت تتغير باستمرار, تارة لترضي تياراتها وأحزابها, وتارة لترضي أصدقائها, وتارة لترضي الضغوطات التي تمارس عليها, فشكلت أسوأ تمثيل لأشرف ثورة بالتاريخ, وطامتها الكبرى كانت في جولتها الأخيرة التي تم التنازل فيها عن بند هيئة الحكم الانتقالي ليستعاض عنها بحكم غير طائفي أي حكومة وطنية يقودها الأسد, وتم التنازل عن حصرية تمثيل المعارضة بالهيئة التفاوضية لتشترك منصات مشبوهة معظمها من رحم النظام, وتم الزج بملف الإرهاب الذي يعطى فسحة زمنية يستطيع من خلالها “الجعفري” هدر أنهار من دماء السوريين وتعطيل ومد المفاوضات لأجل غير مسمى, وختمها وفد المعارضة بالموافقة على إلغاء بند التراتبية بمناقشة جدول الأعمال.

ولكي تكتمل الصورة بتمييع المفاوضات وتشتيتها كان الطرح الروسي بإنشاء اجتماع “أستانا” في العاصمة الكازاخية والذي كانت مهمته مناقشة تطبيق وقف إطلاق النار الذي أٌعلن في 30-12-2016 في العاصمة التركية “أنقرة”, وضم إليه تطبيق البنود 12و13و14 من القرار 2254.

الفصائل العسكرية التي كانت تشكل نقطة القوة بيد الهيئة التفاوضية تم جرها إلى “أستانا” وبذلك تم إضعاف الهيئة التفاوضية, ومع فرض وجودها في جنيف تحول القادة لنجوم شاشات وتناسى الجميع أن حجمه على طاولة المفاوضات يتناسب طرداً مع مساحات السيطرة على جبهات القتال, ظناً من هؤلاء القادة أن تصريحاتهم النارية على شاشات الفضائيات ستحقق لهم أهداف وتطلعات الشعب السوري الذي يدفع من دمائه ثمن استهتار كل القيادة السياسية والعسكرية, وبعد ثلاث جولات خلبية من “أستانا” عاد الوفد العسكري المفاوض وحاشيته بخفي حنين دون تحقيق أي من الملفات المطروحة وزاد عليها باعتبار “إيران” طرفاً ضامناً وأن عاصمتها “طهران” ستكون مسرحاً لاجتماع عسكري يتعلق بأستانا بعد منتصف الشهر القادم.

الواضح من اجتماعات “جنيف” أنها وصلت لمرحلة غايتها إنشاء حكومة وحدة وطنية يقودها “الأسد”, تٌعطى من خلالها بعض الحقائب اللاسيادية لبعض الطامعين والمهرولين للمناصب من أعضاء المعارضة السورية.

والمؤكد من اجتماعات “أستانا” أنها تسعى للوصول إلى إنشاء “مجلس عسكري” مشترك بين النظام وفصائل المعارضة المسلحة من أجل الحرب على الإرهاب الذي يزعمه نظام “الأسد”.

أمام هذا الواقع يبقى هناك من رفض كل تلك الأطروحات السياسية والعسكرية, ويبقى هناك قادة يدركون خطورة وأبعاد المخطط الدولي الذي يسير عليه المفاوضون بعلم أو بغفلة منهم, ولكن حتى هؤلاء القادة الذين يرفضون الخيار السياسي أو يرفضون طريقة التفاوض لم نجد خيارهم الآخر, ولم نرَ تفعيل الجبهات بما يخدم خياراتهم, وهم أمام فرصة ذهبية لإثبات حسن قراءتهم للأحداث, تنشيط الجبهات وفتحها وهز أركان النظام وحلفائه يقدم أفضل دليل على صواب توجهاتكم من أن هذا النظام لا يفهم إلا بلغة القوة, وأن إيران وحزب الله ومن خلفهم “الأسد” ومن أمامهم روسيا, جميعهم يمارسون التقية السياسية بإظهار عكس ما يريدون.

على الجميع أن يوقن أن ست سنوات الثورة جعلت من الشعب السوري قارئ جيد للأحداث, يقيم بشكل موضوعي, ويفهم بالسياسة التي ما غابت عنه يوماً, وهو يقرأ الأحداث العسكرية بعيون احترفت القتال, وهذا الشعب لا يمكن خداعه, ولا يمكن التلاعب به, والمعارضة قبل النظام مدعوين جميعاً لإعادة ترتيب أوراقهم وإعادة حساباتهم, ولتتذكروا أنكم أمام شعب لم يعد لديه ما يخسره, وأنه قادر بأي لحظة بقلب الطاولة على الجميع, ولديه من الخيارات ما تحقق له أمنياته وتطلعاته.

مفاوضات “أستانا” و”جنيف” اتضحت معالمها, ووفق خطواتها الحالية فهي مفاوضات العودة إلى حضن “الأسد”, فهل تلك هي نهاية تضحيات هذا الشعب؟؟؟

الخطب الرنانة على شاشات الفضائيات, والتصريحات الخنفشارية التي لا تعكس ما يحصل في غرف التفاوض, وصورة البطل التي بدأت تظهر على بعض أعضاء الوفود التفاوضية العسكرية والسياسية, كلها أصبحت مكشوفة لعامة الشعب.

الشعب السوري لا يبحث عن طواوييس تتراقص على أنغام الغرب, بل يبحث عن رجال شرفاء يحققون له أمنياته وأهدافه وثمن تضحياته.

الشعب السوري الحر لم يحمل السلاح طواعية, بل أٌجبر على حمله, والشعب السوري الحر ما زال يتطلع لحل سياسي عادل يحقق له أهدافه ومتطلباته ويتناسب مع التضحيات التي قدمها من دماء أبنائه وفلذات كبده, وليتحقق له ما يريد يحتاج لأبنائه الحقيقيين.

فهل يتراجع اللاهثين وراء المناصب, ليتقدم أصحاب الشأن وأصحاب القضية؟؟؟

العميد الركن أحمد رحال

محلل عسكري واستراتيجي   





Tags:

للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org