د. محمد حبش: السياسة بين الإسلاميين والعلمانيين…. علي عبد الرازق نموذجاً….


د. محمد حبش: كلنا شركاء

شهدت العاصمة الأردنية الأسبوع الماضي أكبر اجتماع للحركات الإسلامية السياسية في هذا العام بدعوة من المنتدى العالمي للوسطية، وشارك فيه قادة الأحزاب الإسلامية الرئيسية من سائر الدول العربية باستثناء مصر، كما شاركت فيه الحركة الإسلامية في باكستان وماليزيا وتركيا ونيجيريا.

في ورقتي للمؤتمر المذكور توقفت طويلاً عند الصراع الإسلامي العلماني في السياسة، وضرورة الخلاص من الحدود المصطنعة في هذا الصراع الموهوم، وضرورة بناء تحالف إسلامي علماني في الحياة السياسية يجعل التنافس في إطار الخدمات واختيار الأكفاء، ويوقف الصراع على المبادئ والإيديولوجيات التي تورط فيها العمل السياسي العربي، وتحولت في كثير من الاحيان إلى وقود انقسام مجتمعي رهيب ومدخلاً لتغذية خطاب التطرف والكراهية.

لقد تحقق تفارب شديد تحقق بين الحركة الإسلامية والحركة العلمانية، وبات من الواجب أن تتصالح مع المجتمع وأن ندرك أن المشترك بين الكفاح العلماني والكفاح الإسلامي لبناء الأوطان أكثر مما نعتقد، وأن الخلاف أصبح في معظم صوره مسالة شكلية تتصل بالشعارات والرموز أكثر مما تتصل بجوهر المشروع السياسي.

وحتى لا نتهم بالتمييع فالمقصود بالحركة الإسلامية هنا هو تلك الحركات الحقيقية التي تشارك اليوم في برلمانات المغرب والجزائر وتونس والكويت والسودان والعراق والأردن وفلسطين ولبنان، وليس المقصود قطعاً داعش والقاعدة وأضرابها.

قبل تسعين عاماً أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه الشهير الإسلام وأصول الحكم، تحدث فيه عن القيم العلمانية في نظام الحكم في الإسلام، وثارت عاصفة هوجاء عنيفة ضد الكتاب واتهم الرجل بالكفر والزندقة وأحيل إلى محاكمة دينية  كهنوتية حكمت عليه بالطرد من الأزهر وسحب شهادة العالمية منه، وتم منعه من الوظائف الدينية، وسرعان ما استجابت أيضا وزارة الحقانية فحكمت بفصل الشيخ المذكور من وظائفه في القضاء ومنعه من تولي اي وظيفة حكومية، وهي سابقة ليس لها قبل ولا بعد، حيث لا يجوز بحال أن يكون القضاء الرسمي المستقل ظلاً تابعاً لموقف هيئة مسلكية خاصة بإحدى المؤسسات العلمية.

ولا يعرف في تاريخ المطبوعات العربية أن كتاباً أثار من الجدل والنقد والردود مثل ما أثار هذا الكتاب على الرغم من أن صفحاته لا تتعدى 71 صفحة، نصفها يتحدث عن الراهن السياسي بلغة صحفية أخبارية.

تضمن الكتاب فيما يشبه أن يكون بيانات مباشرة ومقصودة أموراً اعتبرها الكاتب ملامح واضحة في نظام الحكم في الإسلام، ويمكن اختصار أهمها بالبنود التالية:

  • الرسول قائد إيماني وروحي، ونشاطه في بناء الدولة وحمايتها هو عمل سياسي منفصل عن دوره الروحي والإيماني.
  • الدول الإسلامية خلال التاريخ بما فيها دولة الراشدين هي دول سياسية مدنية، أعلت قيم الإسلام الروحية، ولكنها حكمت الناس بمنطق الإدارة والسياسية، فيها حكام عادلون وفيها حكام ظلمة.
  • الخلافة نظام من أنظمة الحكم السياسي قد يناسب بعض الأمم وقد لا يناسب بلاداً أخرى، وللأمة أن تختار الواقع السياسي الذي يناسبها، والخلافة وما يرتبط يها من قيادة الجيوش ونظام الدواوين وولاية العهد شؤون دنيوية محكومة بمصالح الناس.
  • الخلافة التي لا تؤمن بدور الشعب ولا تخضع لسلطانه بغي سياسي والإسلام بريء منه.
  • الحاكم رجل انعقدت بيعته بالشورى، وقيامه وسقوطه شان الناس، ولا يوجد حق إلهي يمنح أحداً سلطة في الحكم بدون إرادة الناس.

أثارت هذه الكلمات غضب المشايخ، وفي دراستنا الشرعية كان علي عبد الرازق يقدم لنا كمرتد مارق، يمثل أعداء الدين ويمارس مؤامرة مقصودة لإخراج الدين من الحياة، وأنه رجل أضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة!!

ولكن تطور الوعي في المؤسسة الإسلامية والعلمانية على السواء جاء اليوم بنتائج مختلفة تماماً، وبات من غير المفهوم أن تثير هذه الكلمات غضب المؤسسة الدينية وأن تعتبر هرطقة في الدين تخرج صاحبها من الملة وتجرده من حقوقه المدنية، ولو كتبتها لك اليوم بدون ذكر قائلها لحسبت أنها فقرة من البرنامج السياسي للأحزاب الإسلامية من حمس إلى النهضة وما بينهما.

بعد تسعين عاماً من محاكمة علي عبد الرازق تبدو هذه الأفكار اليوم جزءاً من بديهيات العمل السياسي في العالم الإسلامي، الذي تبنى بوضوح أن الدولة الإسلامية دولة مدنية وأنها لا تحكم بسلطان الله وإنما تحكم بسلطان الشعب، وأن الشعب هو من يختار حكامه وهو من يحاسبهم ويعزلهم، وأن الامتيازات الموهومة للخلفاء المستبدين لا تعكس روح الإسلام في شيء.

وقبل سنوات أصدر الدكتور الجليل محمد عمارة أبرز علماء الأزهر المعاصرين طبعة جديدة لكتاب علي عبد الرازق وأضاف إليها كل وثائق المحاكمة وقرارات العقاب التي اتخذت ضد الشيخ وأثبت بما لا يقبل الشك أن المحاكمات كلها كانت سياسية بامتياز وأنها كانت تستهدف إرضاء الملك فؤاد وولي عرشه فاروق الذي رأى الكتاب هجوماً مباشراً على استبداده بحكم مصر، ورغبته بتسمية ابنه فاروق ملكاً تالياً لمصر.

ومنذ سنوات قمت بإدراج كتاب علي عبد الرازق كمصدر أساسي لطلابي في كلية القانون في مساق نظام الحكم في الإسلام، باعتباره أكثر الكتب تعبيراً عن الحركة الإسلامية السياسية المعاصرة.

لقد قلت لهم في لقاء عمان: إن الأفكار التي قدمها علي عبد الرازق وأغضبت مشايخ الأزهر والسلطات الدينية في مصر هي في الواقع اليوم جوهر الخطاب السياسي الذي تستخدمونه اليوم في برلماناتكم للتعبير عن الحركة الإسلامية.

إنني آمل أن يكون في بنية مشروعنا التنويري وقف الصراع الموهوم بين الإسلامي والعلماني في السياسة، وهذا الأمر في حقيقته قد تحقق بنجاح على مستوى الحركات الإسلامية الديمقراطية والأحزاب الوطنية.

يبقى خارج دائرة اللقاء الإسلامي العلماني حركات السلفية الجهادية المؤمنة بالعنف، والأحزاب القومية أو الماركسية الثورية التي تتبنى نهجاً انقلابياً شاملاً.

يجب أن يلتقي الإسلاميون والعلمانيون على بناء الأوطان ومواجهة تحديات المرحلة الرهيبة، أما ما يتبقى من خلاف في الإدارة والسياسية فهو حيوي وضروري يتم في إطار المشروع الوطني الجامع، وتحكمه قاعدة: بوارق الحقائق تنبع من مصادمة الأفكار.





Tags:

للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org