ماجد حمدون: أشعلوا الجبهة السياسية …


ماجد حمدون* : كلنا شركاء

المعركة التاريخية الكبرى التي يخوضها الشعب السوري المغوار ضد المحتل الروسي الفارسي وأداته العميلة في دمشق ليست معركة عسكرية وحسب . وإنما هي معركة شاملة على جميع الجبهات السياسية والعسكرية والأمنية والاعلامية والثقافية والديموغرافية .. والتي يجب إشعالها جميعاً في المواجهة . ومن الخطأ التعصب لجبهة واحدة دون الجبهات الأخرى والمراهنة عليها وحدها إذا تراجعت أو تقدمتها جبهة أخرى في مضمار الثورة . ومن الطبيعي في الثورات الشعبية أن يتقدم نشاط داعم لها على غيره من النشاطات الأخرى المستخدمة في المواجهة ، وذلك تبعاً للمعطيات الداخلية والإقليمية والدولية المؤثرة في الثورة كونها لا تعمل في فراغ وإنما ضمن بيئة متغيرة باستمرار تؤثر وتتأثر بها خصوصاً وأن سورية تمتاز بأنها مربط جغرافي دولي  . والتاريخ السياسي للعديد من الثورات الشعبية في العالم أثبتت صحة ذلك . ومنها ثورات السوريين طوال ربع قرنٍ ضد الانتداب الفرنسي حيث استخدموا فيها تارة السلاح السياسي المتمثل بالعصيان والإضرابات وتارة أخرى السلاح العسكري العنفي بشكل متناوب وباتساق  مع معطيات المرحلة إلى أن أنجزوا استقلالهم عبر المزاوجة بينهما .

إن ثورة الكرامة السورية ومنذ اندلاعها المبكر حققت هدفها الرئيس وأسقطت العديد من مرتكزات أعتى نظام شمولي من خلال استخدام الشعب لذراعه السياسي ممثلاً بالتظاهرات والعصيان المدني التي نظمتها التنسيقيات وتم وفقه تحرير ثلاثة أرباع مساحة البلد من سطوة الاستبداد ، واستخدام الذراع العسكري في المواجهة لَمْ يكن خيار الشعب أصلاً وإنما كان واقعاً إكراهياً مفروضاً عليه رداً على استخدام النظام لفائض القوة ضد المدنيين العُزَّل . وستبقى هذه الثورة مشتعلة طالما توفرت شروطها الموضوعية ، ولا مبرر للإحباط الذي تنشره القوى الغير مؤمنة بالثورة أصلاً بعد الذي جرى في حلب خاصة كون ما حصل فيها لَمْ يكن نتاج مواجهات عسكرية وإنما حصيلة تفاهمات سياسية خارجية والتي يمكن تعويضها في أماكن أخرى كون الثورة تشتعل هنا وتنطفئ هناك مثل أكوام القش .

وإذا كنا في حال توافق على هدف التحرير فإنه من الطبيعي أن تتباين وسائلنا وأدواتنا واجتهاداتنا الموصلة إلى الهدف ، وهذا التباين أمر صحي ناجم عن اختلاف الرؤى كون صاحب كل وسيلة يرى أن وسيلته هي الأنجع أو الأقل كلفة أو الأقصر وقتاً في الوصول إلى الهدف المنشود .

إننا مع فتح كافة الجبهات السياسية والعسكرية والمدنية والأهلية مع العدو واستخدام كافة الوسائل المتاحة في آنٍ واحد . غير أن الواقع الموضوعي الذي تعيشه الثورة اليوم بات يدفع بالعمل السياسي الثوري المنظم إلى صدارة الوسائل الذي يُمكن الاعتماد عليه في المواجهة عبر سلوك سبيل الاستنفار التنظيمي لجميع فئات المجتمع من الخزان الشعبي الذي لا ينضب في المناطق المحررة ومخيمات النزوح واللجوء والشتات وزجهم في المعركة الكبرى وفق أسلوب المقاومة الشعبية الشاملة ( حرب التحرير الشعبية ) الذي يجعل كلفة بقاء الاحتلال وأداته في دمشق مكلفة جداً الأمر الذي يدفعه للتفاوض على رحيله عبر قيام الشعب الثائر بما يرفضه الاحتلال والنظام والإتيان بِمَا لا يريداه من خلال التظاهرات والإضرابات والوقفات الاحتجاجية والعصيانات بشتى مسمياتها .  والجهاد الوطني عموماً لا يمكن احتكاره من قِبل حامل البندقية وحده على الجبهة العسكرية . وإنما هناك جهادٌ من نوع آخر على الجبهات الأخرى السياسية والإعلامية والحقوقية والثقافية والديموغرافية . وتراجع جبهة ما في مرحلة ما عن الجبهات الأخرى قد تعود إلى تقدمها مرة ثانية في ظروف أخرى ، ومن طبائع الثورات الشعبية أنها لا تموت بالضربة القاضية على عكس الثورات الايديولوجية التي يقودها وكر حزبي إما أن تنجح مرة واحدة أو تفشل دفعة واحدة وتُهزم  .

إن الثورة في جانبها العسكري قد تم اعتقالها بشكل متدرج نتيجة إمساك القوى الاقليمية والدولية بقرار أغلب الفصائل العسكرية الرئيسية من حيث التذخير والتمويل وحتى التأسيس . وانتقال هذه الفصائل من أسلوب الدفاع الثابت المٌكْلِف جداً إلى أسلوب الهجوم المتحرك الأقل كلفة والذي يمكن تدبر أموره من خلال إمكانات وطنية ذاتية بات يفرض نفسه على الساحة العسكرية حتى لا تكون فصائلنا مجرد بيادق بيد الخارج . خصوصاً في ظل التدخلات الاقليمية والدولية التي تعامت عن رؤية الاحتلال الخارجي وإجرام النظام الأسدي والتي لَمْ تعد ترى إلا التطرف الديني الأبيض وتجاهلت الأسود منه الذي يرعاه ملالي طهران واللذان يدمران المنطقة .

وتبقى الجبهة السياسية الثورية هي الأطول نفساً والأقل كلفةً والأكثر زخماً والأدْوَمُ عمراً من جميع الجبهات الاخرى ، كون السياسة تحدد الهدف وتعيد تصويبه أحياناً هذا من جهة .. وهي الوسيلة التي يمكن من خلالها تحشيد الطاقات الشعبية ضمن أوعية سياسية ثورية من جهةٍ أخرى . والتنظيمات السياسية الثورية الجامعة للأحرار على هدف التحرير هِي أكثر ما يخيف الاحتلال وأدواته كونها وقود الثورة الذي لا ينضب والمستمد مباشرة من الخزان الشعبي الذي لا يساوم ويُقَدِمُ دون مقابل ولا يلتزم بخطوطٍ خارجية حمراء إقليمية أو دولية .

إن العمل السياسي المُنَظَم بطبيعته فعل إرادي ومسار استراتيجي يحتاج النفس الطويل والعمل الدؤوب ، والتنظيم والعمل المؤسساتي يمثل أعلى مراحل العمل الثوري ومقياس تقدم الثورة ونضجها ووعيها لذاتها ، والذي يجب أن يسبق الانتصار النهائي بالضرورة ولا يأتي بعده ، وتزداد الحاجة له كلما تعرض البلد للمخاطر والمحن الشديدة … (( السياسة بندقية وطنية )) .

*رئيس الكتلة الوطنية الجامعة






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org