ابراهيم سارة: مقال (يا بابا شيلني، ودين الفطرة)


ابراهيم سارة: كلنا شركاء

فجّر مقال “يا بابا شيلني” الذي نشرته مجلة “طلعنا عالحرية” في عددها رقم /86/ ازمةً قضائيةً وشرعيةً وامنية في دوما، وسجالاً على صفحات التواصل الاجتماعي، استُخدمت فيه كافة صنوف الاقلام والكلمات الخفيفة والمتوسطة والثقيلة.

الازمة التي تبدو في نهايتها بعد الصورة التذكارية التي جمعت المختلفين امام مقر المجلة و “جاراتها”، تستحق نظرات تأمل هادئة:

فهل يستحق المقال المساءلة القانونية فعلاً؟

وهل يبرر الدعاوى الدينية للتضييق على الاقلام؟

قد تكون الاجابة على السؤال الأول اكثر حيادية وبعد عن التوظيف والادلجة، عندما تستند الى القوانين العالمية الحديثة “العلمانية” كالقانون الفرنسي، الذي حاكم المفكر العالمي “روجيه غارودي” وحكمه بالسجن تسعة شهور بسبب مقال ايضاً.

الغارودي درس المحارق الالمانية النازية للإبادة الجماعية “الهولوكوست”، واعترض على الدعاوى التي زعمت ان ضحاياها وصلت الى ستة ملايين يهودي خلال الحرب العالمية الثانية، وقام بإجراء بحث علمي يشكك بعدد الضحايا، فسجنه القضاء الفرنسي “مع وقف التنفيذ”.

وفقاً للقضاء “العلماني” الفرنسي، فإن مقال الغارودي لم يكن معاداة للسامية فقط، ولكنه تشكيك في واقعة تاريخية يؤمن بها الفرنسيون، ما يمكن ان يؤدي الى شرخ في الثوابت المشتركة للشعب الفرنسي.

في مقال “يا بابا شيلني” الذي يبدو كدراسة فلسفية نفسية رديئة، اكثر منه مقالاً صحفياً، يشن الكاتب حرباً على ثنائية الحضارة/الثقافة في مجتمعنا، مستثمراً حادثة طفل تقطعت ساقاه، لكسب تعاطف القارئ وقيادته للقبول بتفسيرات فلسفية تربط عجز الاب عن حماية ابنه بعجز الدولة والله، الذي ينعته بأقذع العبارات بدءاً من عدم الرحمة، الى الانحطاط، ثم الارهاب!!.

الربط السطحي وغير المنطقي الذي يسوقه الكاتب بعبارات مقعّرة تحاول حمايته، ختمه بـ “البصق” على “حضارتنا/ثقافتنا” بلسان حال الطفل الذي تقطعت ساقاه!!.

من الممكن تفهّم نقد ثقافتنا فكرياً، وقد يكون ذلك مطلوباً احياناً، لكن “البصق” على حضارتنا قد يرتقي الى محاولة نزع الثقة بمصدر عزة الامة وكبريائها، ما يدعو للعجب والتفكر في مرامي هذه الدعوة!! فبينما تسعى امم الارض للنبش في التاريخ بحثاً عن اي منحوتة او اثر يرفعها ويُعلي شأنها الحضاري، يأتي الكاتب لـ “يبصق” على حضارتنا!! التي “تقوم على سلطات اولها سلطة الله”!!. الذي لا يفتأ ينعته بمختلف الصفات السيئة بشكل ينتقل بالمقال من خانة الثقافي الى الايديولوجي المتطرف الحاقد على الله اولاً واخيراً فيما يبدو.

وفقاً لأكثر القوانين العالمية علمانيةً، واقصد بها الفرنسية، يستحق كاتب المقال المحاكمة، كما تستحق المجلة المساءلة ايضاً.

ولكن ما هو القانون الذي ستتم محاكمتهم بمقتضاه؟ هل توجد في دوما ونيابتها وقضاءها قوانين للصحافة والاعلام؟ او اي كرّاس يشرح المناهج والاسس التي تعمل بمقتضاها المؤسسة القضائية؟. ام ان الامر يعود لمجموعة فتاوى ذهب ضحيتها مئات الشباب في اقتتال فصائل الغوطة قبل اشهر، وكان يمكن ان توقع ضحايا جديدة في ازمة المقال، بعدما تم تكريس المنابر الدينية لتصعيد الكره وتوجيهه ضد المجلة والمقال والعاملين والمقتنعين والمتسائلين؟!. ما يستحضر تساؤلنا الثاني عن مدى قانونية الحملات الدينية التي تبنّت فكرة “الدفاع عن الله” كخطاب الشيخ الدكتور “اسامة الرفاعي” الذي يحظى بكثير من الاحترام في الاوساط المُحافِظة السورية. والذي سجل كلمة مصورة للتعليق على المقال الإلحادي.

يهاجم الشيخ تيار الالحاد ويعتبره شريكاً لنظام البعث الملحد، ومُعيناً له على كبت الحريات منذ عام /1963/ على عكس الحكم “المتديّن” في فترة ما بعد الاستقلال، وهي مغالطة تاريخية هائلة، فالكل يعلم ان أهم عدوين لنظام البعث/الاسد خلال خمسين سنة هما الاخوان المسلمين والحزب الشيوعي السوري اليساري “الملحد”، والتاريخ يشهد ايضاً ان اهم فترات نشاط الفكر الشيوعي في سورية، انما كانت خلال سنوات ما بعد الاستقلال، ولا ادري إن كان وصف شخصيات تلك الفترة كالأتاسي والقوتلي والخوري بأنها دينية بالمعنى السياسي، اقرب للأمانة التاريخية، ام وصفها بانها ديمقراطية.

لا ينسى الاستاذ “الرفاعي” ان يُذكّر ببطولات المؤسسة الدينية -وهو منها- وموقفهم من مقال ملحد في ستينيات القرن الماضي بقيادة الشيخ “حسن حبنكه” رحمه الله، ونحن لا نشكك بالشيخ “حبنكه”، الرمز الوطني والديني، ولكن هل كانت المؤسسة الدينية معارضة لنظام البعث/الاسد فعلاً، ام انها كانت في كثير من الاحيان دعامة من دعائمه؟!، استثمرها من حيث تدري او لا تدري لتمرير مخططاته؟.

عام /1971/ ثارت ثائرة رجال الدين حين صاغ الاسد الاب دستوره، وذهب الشيخ “حبنكه” لمقابلة الرئيس طالباً اليه ان يعدّل مادة من الدستور لم تشترط ان يكون رئيس الجمهورية مسلماً.

يومها وافق الاسد على التعديل، فانتصر “الحبنكه”، ونجح الاسد في المقابل بتمرير مادة: ان البعث –الملحد وفق رؤية الرفاعي– هو الحزب القائد للدولة والمجتمع، ما أسس –بموافقة الحبنكه– للطغيان، وشرّعه، وجعل له مؤسسات وانظمة عانينا وما زلنا نعاني منها حتى اليوم.

يدعو الاستاذ “اسامة” في كلمته الى ان “لا يُسمح لهؤلاء الملاحدة بالظهور او التصدّر في المجالس” ويدعو “الفصائل” للتنبه والدفاع عن دين الفطرة، في اشارة خطيرة تتجاوز مساءلة مجلة عن مقال، فـ “الملاحدة” يمكن متابعتهم على شاشات التلفزة وأثير الإذاعات وصفحات التواصل الاجتماعي والصحف الالكترونية، ولا ارى سبيلاً لاتّباع نصح الشيخ سوى بحظر التلفزيونات والاذاعات، ومنع الناس من اقتناء الموبايلات والكومبيوترات وغيره من ادوات التواصل، دون اغفال ضرورة الرقابة على الهواتف والمنازل والمدارس والجامعات لمنع انتشار افكار اولئك الملاحدة!!.

ان كان الشيخ “اسامة” خائفاً على الامة من تسلل الإلحاد، فقد كان الاجدى الإجابة على افكار المقال (وما اسهل ذلك) واستثمار الفرصة للدفاع عن الفكر الاسلامي الذي يتعرض لمحنة شديدة لدى السوريين الذين يدفعون الغالي والرخيص للهجرة الى بلاد “الالحاد” والاستقرار فيها والانعتاق عن هويتهم.

وان كان الشيخ “اسامة” يحاول ان يؤسس للسلطة الدينية -التي يمثلها- لدى “الفصائل”، فذلك يتطلب وجوده مع الفصائل على الارض، بدلاً من إلقاء المواعظ من بعيد، حيث يقيم هو وعائلته واقاربه ومن والاه.

اما إن كان شيخنا يغار على دين الله ويخاف على “فطرة” اهل الشام، فاعتقد انه يجب ان يكون اكثر حذراً من خطاب يُبعد الناس عن دينهم، فما ذكره عن اقبال الناس على التدين كرد فعل على حكم الاسد، حصل ما يماثله ايام حكم الشاه في ايران، عندما كان 70% من شباب طهران يرتادون المساجد، الا ان هذه النسبة انخفضت الى 2% وفق احصائية محافظ طهران عام /2002/ وخلال حكم الولي الفقيه، بسبب ممارسات يبدو انها خيبت امل الشعب بثورته الاسلامية.

لقد اخطأ كاتب مقال “يا بابا شيلني” واستخدم عبارات واساليب استثمارية تثير الاشمئزاز، وتجاوزه هو ومجلته يستحق إجراءً قانونياً عقابياً بلا شك، ولكن جعل ذلك تبريراً لتكميم الافواه والتضييق على الحريات هو وحده ما يمكن ان يهدد دين “الفطرة” في بلدنا.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org