واشنطن بوست: السوري المنشق الذي وثّق جرائم بشار الأسد الوحشية يعود إلى واشنطن


كلنا شركاء: واشنطن بوست- ترجمة ريما قداد- السوري الجديد

المصوّر السوري المنشق المعروف بـ “قيصر”، والذي قدّم للعالم أكبر كنز من الأدلة على الجرائم الجماعية التي ارتكبها نظام بشار الأسد، يعود إلى واشنطن نهاية هذا الأسبوع. وبعد 3 أعوام من تقديمه المساعدة في عرض بعض أسوأ جرائم الحروب في عصرنا، ما تزال ضحايا تلك الجرائم بعدة عن تحصيل العدالة.

وقد عمل القيصر، منذ عام 2011 وحتى 2013، مصوّراً عسكرياً في الجيش السوري، وأُرغم على التوثيق الدقيق لتعذيب وقتل آلاف الرجال والنساء والأطفال داخل سجون الأسد. وعندما هرب من سوريا عام 2013، أحضر معه ما يزيد عن 55 ألف صورة تظهر مقتل 11 ألف مدني في المعتقل، إلى جانب وثائق ّ عن نظام الحكومة السورية شديد التنظيم للقتل الجماعي.

وتُظهر الصور، التي نُشر بعضها في العلن، جثثاً تعرّضت للتجويع والتعذيب والتشويه. وقال “ستيفن راب”، سفير وزارة الخارجية المتجول لشؤون جرائم الحرب أن “آلة القتل” التي يستخدمها الأسد كانت الأسوأ منذ عهد النازية.

وكان القيصر قد أدلى بشهادته أمام الكونغرس في صيف عام 2014، وأوضح لأعضاء الكونغرس وقتها أن الأدلة التي هرّبها من سوريا لا تُظهر سوى جزء بسيط من العملية الحكومية الشاملة وأن مئات الآلاف من المدنيين ما زالوا يتعرضون للتعذيب والقتل في سجون الأسد.

وقد أولى متحف الهولوكست التذكاري في الولايات المتحدة قضية القيصر اهتماماً بالغاً وأسهم في حشد الجهود لرفع مستوى الوعي العام حول الأعمال الوحشية التي ترتكبها الحكومة السورية، وذلك بالتنسيق مع بعض أفراد المعارضة السورية. وقد عُرضت الصور التي أحضرها القيصر في أروقة الكونغرس والأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي. وفي عام 2015، تحقّق مكتب التحقيقات الفيدرالي من صحة الصور بعد تحقيقات جنائية واسعة النطاق.

والآن يعود القيصر إلى الولايات المتحدة وفي جعبته سؤال بسيط: ما هو التقدم الذي تم تحقيقه؟ بالنسبة لأولئك الذين يطالبون بالحساب والعدالة ووقف المجازر، فالجواب البائس ليس بكافٍ.

وقال “كاميرون هودسن”، مدير مركز متحف الهولوكست للحيلولة دون الإبادة الجماعية: “أعتقد أنه قادم إلى واشنطن لأنه يريد أجوبة عن السبب في عدم تقديمنا المزيد والسبب في عدم دفع الأدلة التي قدّمها إلى حشد الدعم لمساعدة الشعب السوري”. ويضيف هودسن: “وهذه هي الإجابات ذاتها التي كنا نبحث عنها، ولا أعتقد انه سيحصل عليها”.

ومما لا شك فيه هو أن زيارة القيصر الثانية إلى واشنطن لن تكون تعريفية وشخصية كسابقتها؛ إذ سيستضيف متحف الهولوكست الأسبوع القادم حدثاً صغيراً وخاصاً يضم القيصر، بالإضافة إلى حدث آخر أكثر عمومية في الكابيتول هيل يتحدث عن ملف القيصر والذي لن يحضره الأخير. وكان قد دُعي القيصر في الأصل إلى الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في جلسة استماع في 15 مارس/ آذار، وهي الذكرى السنوية السادسة لبدء الأزمة السورية. ولكن نظراً لصعوبات السفر، لن يتمكن القيصر من الوصول إلى واشنطن في الوقت المناسب.

في الواقع، في حال أصبح الأمر التنفيذي الجديد لإدارة ترامب، والذي يحظر الهجرة من 6 دول مسلمة في معظمها، في حال أصبح ساري المفعول في 16 مارس/ آذار، كما كان من المتوقع، قد لا يتمكن القيصر من الحصول على تأشيرته البتة.

وسيضم حدث متحف الهولوكست في الكابيتول هيل مشاركات من العديد من قادة الكونغرس. أخبرني “بوب كوركير”، الجمهوري من تنيسي، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ: “بعد 6 أعوام من الصراع، ما تزال الخسائر البشرية لذلك الصراع تؤثّر في جميع أنحاء المنطقة، عبر أوروبا وخارجها”.

وما تزال إدارة ترامب تطوّر من سياستها تجاه سوريا ولم تذكر سوى القليل عن خططها، عدا عن الوعود بدراسة إقامة مناطق آمنة وملاحقة تنظيم الدولة الإسلامية بكل قوة. ويوجد هناك بعض الأشخاص داخل البيت الأبيض ممن يؤيدون التعاون الوثيق مع روسيا، على الرغم من تورّط روسيا في جرائم الحرب التي يرتكبها  الأسد. وكان جدل مماثل قد تبدى داخل إدارة أوباما.

وقال هودسن: “إنه الحدث الأبرز للمجازر الجماعية في عصرنا هذا وفي عهد رئاسة أوباما. وسننتظر لنرى ما إذا كان هذا هو الحدث الأبرز للفظائع الجماعية لإدارة ترامب كذلك”.

فقد كانت إدارة أوباما قد أحجمت عن مواجهة  الأسد لارتكابه جرائم الحرب، إذ اعتقد كبار المسؤولين أن ذلك قد يعقّد الجهود لإيجاد حل سياسي يقوم على التفاوض للأزمة. كما إن الأسد لن يغادر السلطة على الإطلاق في حال اعتقد أن ذلك سيؤدي إلى اعتقاله أو مثوله أمام محكمة دولية، حسب وجهة نظرهم.

أما بالنسبة لترامب، فالحسابات مختلفة كلياً. فالأسد يتعرّض لضغوط أقل لمغادرة السلطة، أقل مما كان عليه منذ بدء الحرب. وكانت إدارة ترامب قد سنت سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، بالإضافة إلى أن الرئيس ترامب قد أعرب مراراً وتكراراً عن رأيه في أن الأسد أفضل من البديل.

وقد أخبرني راب أن المشكلة تكمن في أن آثار جرائم الحرب التي يرتكبها الأسد ضد شعبه ليست مقتصرة على الداخل السوري. وبعد تقاعده من الخدمة الحكومية، ينشغل راب حالياً إلى حد كبير في الجهود الرامية إلى توثيق المجموعات المختلفة للأدلة على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، والتأكد منها ومن ثم استخدامها لمحاسبة نظام الأسد. وقال أن أعمال الأسد الوحشية تُغذّي التطرف وتدفع بالمدنيين ليصبحوا لاجئين كما تشجّع العناصر السيئة الأخرى لتشعر بالأمان أثناء ممارستها للتصرفات ذاتها، أو حتى ما هو أسوأ منها.

وأضاف راب: “هناك جرائم معينة مريعة للغاية ولا يمكن أن ننظر إليها على أنها شؤون داخلية. فأنت عندما تمارس تعذيباً جماعياً وقتلاً جماعياً، فهذه ليست شؤوناً داخلية، هذه قضايا يُعنى بها العالم أجمع. هذه ليست شؤوناً داخلية على الإطلاق، كما إن الإرهاب ليس شأناً داخلياً عندما ينتشر في بلد ما”.

وقد أعاقت روسيا المحكمة الجنائية الدولية من اتخاذ الإجراءات اللازمة، عن طريق الاعتراض على الإحالات في مجلس الأمن. إلا أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت قراراً في ديسمبر/ كانون الأول الماضي يقتضي إنشاء آلية لدعم التحقيقات وتوثيق سلسلة من جرائم الحرب في سوريا. بالإضافة إلى ذلك، يملك العديد من الضحايا الذين تم التعرف عليهم في ملف القيصر جنسيات أوروبية، وذلك يعطي بدوره لكل من تلك البلدان الاختصاص القضائي لملاحقة القضايا حسب قوانين كل بلد.

ويوجد في الكونغرس مشروع قانون سُمي اقتداءً بالقيصر ينص على تشديد العقوبات على نظام الأسد وشركائه الروس والإيرانيين لتورطهم في جرائم حرب في سوريا. وكان مجلس النواب قد مشروع القرار العام الماضي، غير أن مجلس الشيوخ لم ينجح في تطبيقه. وقد تمنح تلك العقوبات النفوذ لإدارة ترامب لاستخدامها في وقف بعض عمليات القتل.

وبالنسبة للقيصر، فيأمل ألا تذهب جهوده وتضحياته هباءً. فهو يعيش الآن في المنفى في بلد أوروبي دون أي وسيلة لكسب العيش، ويعيش في خوف مستمر من أن يقوم نظام الأسد بالاقتصاص من عائلته وأصدقائه. وإن أقل ما يمكن أن تفعله واشنطن في هذا الشأن هو أن تبذل ما في وسعها للتأكيد على أهمية أدلته.

وقال راب: “يجب على الإدارة الجديدة دعم هذه الجهود. هذه جرائم هائلة، ولم يفت الأوان بعد على تحقيق العدالة طالما أنه يوجد هناك شهود ناجون وأشخاص لتتم ملاحقتهم ومن ثم مقاضاتهم. وهذا هو السبب في أهمية زيارة القيصر في الوقت الراهن”.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org