د. يحيى العريضي: الدولتان المارقتان


د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

بالنسبة للقضية السورية، ذهبت أيام /أوباما-كيري/ إلى غير رجعة؛ واكثر مَن يستشعر ذلك /بوتين- لافروف/. لسنوات كاد “كيري” وزير خارجية “أوباما” أن يكون ظلاً لـ “لافروف” وزير خارجية بوتين والخامنيئي والأسد؛ فكان يلهث وراءه إلى موسكو وأماكن أخرى للحفاظ على بعض ماء الوجه الرخو، وكان لافروف يتصرف كالطاووس المتغطرس صاحب الكلمة الأعلى والحاسمة في قضية شعب فريدة في مأساويتها. بعد سنين يجد لافروف هذا نفسه يهرول إلى واشنطن لتسويق “تكتيكات” سقيمة استقر إسمها أخيراً على ” De-escalation of tension/ عدم تصعيد التوتر ” ، ليعود من واشنطن بخفي حنين.

لا بد ان لافروف كان  يعرف أن المشروع الإيراني – الروسي، الذي أُقر في “أستانة”، لن يمر إلا بغطاء أمريكي- أوروبي؛ وأن نتائجه الكارثية، التي لا تقلقه؛ طالما خدمت نظام الإجرام الذي يحميه في دمشق، أقلها تقسيم سورية وأكثرها نهاية سورية. ولا بد أنه كان مضطراً لأعادة تشغيل الاسطوانة المشروخة في واشنطن للدفاع عن نظام الإجرام في دمشق بالتذكير بمصير العراق وليبيا بعد إزالة نظاميهما. ولسوء طالعه أيضاً وجد الرجل نفسه يدافع ويرافع عن إيران في واشنطن؛ والعين عليها حمراء في واشنطن وغيرها.

فات السيد كيري بتذاكي أو عن غير قصد أن رأس الإدارة الأمريكية تحدث عن “مناطق آمنة” لحماية المدنيين في سورية، متصوراً ان مناطق “عدم تصعيد التوتر” قد تكون بديلاً يمكن تسويقه لدى امريكا؛ ومن خلالها يمكن إعادة تكرار النظام في دمشق. ومن هنا نجد أنه ما أن خرج من واشنطن حتى فُتحت أبواب جهنم على طروحاته آخذة شكلاً تصعيدياً لا مس ليس فقط إيران، التي لا يمكن ان تكون ضامناً لعدم اهليتها، بل ربما روسيا ذاتها التي شخّص وزير خارجية أوباما معالجتها للمسالة السورية بالفاشلة. وقد يصل الكلام إلى اعتبارهما لا ضامنين ولا وسطاء ولا محايدين، بل قوى احتلال ومشاركين في الجريمة في سورية.

يتصرف السيد لافروف، وكأن العالم حوله لا يدرك بأنه وإيران والنظام الأسدي ياخذون سورية رهينة عبر الحصار والتجويع والقصف؛ وأن الهدف من الخطة الروسية-الإيرانية تكمن بتقوية منظومة الأسد عسكرياً حيث هي في “المناطق مخففة التصعيد” ليقوموا من خلالها باستهداف المناطق المحررة بحجة “الإرهاب”، منتظرين إنشغال العالم بقضاياه الكثيرة؛ ليصار عبر غطاء سياسي خلبي إلى إعادة تاهيل او تكرير منظومة الأسد في آخر المطاف.

من هنا وفي وجه تلك الاستراتيجية، توهّم البعض بأن مقاومة المشروع الإيراني-الروسي يمكن أن تكون بدق إسفين بين إيران وروسيا ناسين أن القيصر الروسي الجديد ليس له إلا دولة مارقة كإيران كي يتحالف معها لممارسة عبثه وتحقيق طموحاته، وأن إيران الخمينية ليس لها إلا التحالف مع هكذا طموح بلطجي لإنجاز مشروعها العبثي التخريبي أكان في لبنان او العراق أو سورية أو اليمن التي اعتبرها مسئوول إيراني يوماً تحت السيطرة الإيرانية.

إدارة ترامب تتحدث إعلامياً عن فك هذا الإرتباط غير المقدس. ظهر ذلك في تصريحات وزير الخارجية الأمريكية “تلرسون” خلال زيارته لموسكو عندما دعاها إلى الوقوف على ضفة العالم المتحضر والابتعاد عن عبثية إيران والسعي لإيجاد حل سياسي حقيقي في سورية لا يكون لمنظومة الأسد دور فيه. بالمختصر الوقوف في وجه إيران. ولكن بعد “أستانة” الأخير ورغم الحضور الأمريكي الباهت فعلياً، المهم إعلامياً؛ وبعد زيارة “لافروف” إلى واشنطن ورغبته في “تبلور سياسة خارجية أمريكية” قدّمت له واشنطن الجرعة الصادمة: لا بد أن واشنطن حسمت امرها بحصر كل من روسيا وإيران بسلة واحدة وبتقديم “ultimatum / إنذار” جديد معدّل عن ذاك الذي قُدِّم في الثاني عشر من أبريل/نيسان؛ وفيه أن على الروس والإيرانيين بالجملة أن يتوقفوا عن الحالة العبثية التي يمارسونها ليس فقط في سورية وإنما في ليبيا واليمن والعراق. فروسيا في اليمن تدعم إيران وتؤزم الأمور وتلهب حرب العصابات؛ وفي ليبيا تدعمان جهة ضد اخرى مما يفاقم الأزمة الليبية؛ وفي العراق، إيران تأيرن الجنوب، وتدعشن الشمال بمساعدة إرهابيي المالكي، وتلعب بالحالة الكردية؛ وتلقى التنغيم والمرافعة الروسية؛ وفي سورية ما تسميانه “تخفيف التصعيد” ليس إلا محاولة أولية للتقسيم، والتفاف وتحدٍ “للمناطق الآمنة” التي تحدث عنها ترامب. ومن هنا وبناء على كل تلك المعطيات هناك تصنيف مزدوج لكل من إيران وروسيا مجتمعتين بأن عليهما الامتثال للإرادة الدولية “الأمريكية” تحديداً وإلا. و “إلا” هنا تعني ثبوت تصنيفهما بالدول المارقة؛ وما يترتب على ذلك من تبعات.

يوماً بعد يوم تثبت صفة “الدولة المارقة” على كل من روسيا وإيران؛ فتراكم الملفات القديمة على كاهل السيد بوتين إضافة إلى استخدامه “الفيتو” ثمان مرات لحماية الإجرام، يُضاف إليه تحالف غير مقدس مع إيران بتاريخ مساحته ثلاثة عقود من العبث في مصير منطقة غاية في الحساسية لمصالح العالم، كل ذلك، يحتّم على العالم أن يقف على ضفة، والمارقين على ضفة أخرى.

لن يفيد بوتين ابتزازيته لترامب؛ هناك منظومة امريكية عميقة تحصّن أي مسئوول أمريكي تجاه بهلوانيات الآخرين، ربما يصعب على السيد بوتين استيعابها؛ ولن يفيد الملالي التراقص الابتزازي بين “النووي ” و”الشيطان الأكبر” و”المقاومة والممانعة” و”التقيّة”.





Tags:

للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org