المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: النظام السوري قد يسعى للضرب مرةً واحدة


كلنا شركاء: المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية- ترجمة مجد أندورة-  ساسة بوست

في دراسةٍ قام بها «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية» في لندن، ونشرتها مجلة «فوربس» الأمريكية، صُنِّفَ الشرق الأوسط باعتباره: «أخطر وأكثر منطقة دمويةً وفتكًا في العالم». حازت سوريا على المرتبة الأولى بصفتها أكثر منطقة مُميتة في الشرق الأوسط للعام الخامس على التوالي، إذ سجَّلت الإحصائيات 50 ألف حالة وفاة في عام 2016، لتبلغ حصيلة القتلى منذ اندلاع الانتفاضة في سوريا عام 2011 حوالي 290 ألف شخص.

لكنّ هذا ليس إلا معلمًا واحدًا من معالم الكارثة الإنسانية في سوريا؛ بل يوجد ما هو أسوأ من هذا، ولكنّ آثاره لا تتَّضِح إلا على المدى الطويل. لم يعد غريبًا على السوريين مشهد الباصات الخضراء، فقد أصبح التهجير ونقل أهل تلك المناطق قسريًّا مشهدًا اعتياديًّا في الساحة السورية خلال الآونة الأخيرة.

لماذا يُهجّرنا إلى إدلب؟ هل سيجمعنا في مكانٍ واحد ويقضي علينا جميعًا بالكيماوي؟ أم يخرجنا من بلداتنا ليجلب الإيرانيين بدلًا عنّا؟!

 

هذه التساؤلات التي انطلقت من ذهن «عبد الرحمن عقبة» أحد الشباب الذين هُجّروا من حي برزة في دمشق إلى محافظة إدلب شمال سوريا، ولم يجد لها جوابًا واضحًا أو غاياتٍ معلنة حتى الآن.

السكان المدنيون في حي برزة أثناء عملية إجلائهم

 

التهجير القسري حسبما يعرّفه القانون الدولي هو: ممارسات تنفِّذها حكومات وقوى شبه عسكريّة أو مجموعات متعصّبة تجاه جماعات أخرى دينيّة، أو عرقية، أو مذهبية بهدف إخلاء أرض معيّنة، أو إحلال مجموعات سكّانية أخرى بدلًا عنها. ويعتبر هذا النشاط جريمة حرب وفقًا للمواد 6 – 7- 8 من نظام روما الأساسي.

طرائق النظام السوري المتّبعة في التهجير

يقول مراقبون من داخل الساحة السورية إنّ النظام يعتمد في سياسة التهجير على عزل المناطق الثائرة عن بعضها، وتنفيذ سياسة الأرض المحروقة، إضافةً إلى حصاراتٍ خانقة، وقطع كافة طرق الإمداد الإنسانية والعسكرية عن المدينة المستهدفة على حدٍّ سواء، كما حصل في أغلب المناطق الثائرة المراد تهجير أهلها، فلم يكن ترتيب اختيارها عشوائيًّا، الأمثلة على هذه الطرائق كثيرة ومنها «داريّا» عندما نجح النظام في عزلها عن «معضمية الشام» وباقي بلدات «الغوطة الشرقية» بدمشق التي تخضع لسيطرة المعارضة السورية المسلحة، وفي ظل الهجمات الهستيرية جوًا وأرضًا عليها، وحصارها لمدَّة 4 سنوات، وقطع كافة الحاجات الإنسانية عنها من غذاء وأدوية ومستشفيات، اضطر المقاتلون فيها إلى التسليم لرغبات النظام السوري بالخروج منها إلى محافظة إدلب في شمال سوريا بعد تسليم المدينة إليه.

تهجير المدن قسريًّا بثوب مصالحاتٍ وطنية

أراد النظام السوري ألا يظهر وقحًا بتنفيذه «التهجير القسري» على الشعب، فألبسه حلّة «مصالحاتٍ وطنية» مشروطة، أي أن يقترح على مقاتلي المعارضة النشطة في المدينة المراد تهجيرها وأهلها تنفيذ مصالحات مع الحكومة السورية، وتسوية أوضاع المطلوبين لديها، والجدير بالذكر أن أهم شرط في هذه «المصالحات» هي التحاق المقاتلين التابعين للمعارضة السورية بصفوف الجيش السوري النظامي، أو إلى قوات الدفاع الوطني، وعند التحاق هؤلاء الشباب بصفوف النظام يتمّ الزج بهم في الجبهات النشطة الطاحنة ليقاتلوا من كان بالأمس حليفهم، وليصبح عدو الأمس صديق اليوم، وصديق الأمس عدو اليوم.

وفضلًا عن عدم التزامه بالقرارات والشروط الموضوعة من قبله بحق الأهالي المدنيين، وزج أعداد كبيرة منهم في المعتقلات حتى بعد تسوية أوضاعهم لدى الحكومة السورية والأفرع الأمنية التابعة لها، كل هذه الأمور تجعل أهالي المدينة المستهدفة يعيدون النظر في أمور «المصالحة الوطنية»، واختيار الهجرة إلى إدلب ليظهر النظام خلال هذه العملية بريئًا بعيون المجتمع الدولي، وأن أهالي المدينة قد اختاروا الخروج طوعًا، وهذه هي رغبتهم.

التهجير تباعًا وبشكلٍ متسلسل

لم يكن سيناريو التهجير جديدًا ومرتبطًا فقط باسم المصالحات الوطنية؛ بل في كثير من المناطق كان التهجير تحت ضغط القوة العسكرية من قبل النظام السوري.

الزوجان صالح ومروة يودّعان حيّ السكري في حلب بطريقتهما الخاصة، المصدر: هافينغتون بوست

 

ومن المعروف ضمن القانون الدولي أن التهجير القسري يقسم لنوعين؛ الأول تهجير غير مباشر: ويتم من خلال تضييق الظروف المعيشية، وافتعال تخبط أمني، وانعدام الأمان، ونشر الفوضى اللامنطقية في مدينة معينة يضطر سكانها إلى الفرار والنزوح منها إلى مناطق أو دول مجاورة، وهذا النوع بدأ بالحدوث من أول فترات الثورة، ويتم التعامل معه على أنه عملية فرار من الحرب ليس إلا. والثاني تهجير مباشر: ويتمّ بفرض قوة عسكرية لإجبار أهالي المدينة على الخروج منها ونقلهم إلى مناطق أخرى، وهذا النوع بدأ في عام 2013، وما زال مستمرًا حتى هذا اليوم وبتسلسل أحداث كالتالي:

  • القصير: بعد معارك طاحنة بين قوّات المعارضة المسلحة وقوات النظام المدعومة بشكلٍ كبير ومكثّف بميليشيا «حزب الله» اللبناني على المدينة التي تشكّل نقطة التحام مع الحدود اللبنانية في ريف حمص الغربي في مايو/ أيار 2013، انتهت هذه المعارك بتهجير أهل هذه المدينة ومنعهم من العودة إليها، كما أفادت بعض المصادر للمعارضة أنه تم توطين سكّان جدد – من الشيعة وممن يعود أصلهم إلى الضاحية الجنوبية اللبنانية– في المدينة.

شابٌ ينشد لحيّه «حيّ الوعر»: «والله ما اخترت الفراق»

  • حمص المدينة: بعد تعرّض مدينة حمص التي تعد مهد الثورة السورية للقصف بشكل همجي وعنيف أدى إلى دمار واسع وكبير في أحياء هذه المدينة؛ مما دفع غالبية أهلها للنزوح منها إلى دول ومناطق مجاورة، وبعد حصار خانق دام مدة عامين، تم عقد اتفاق بين النظام والمعارضة تحت غطاء روسي في 4 أبريل/ نيسان 2014، يقضي بإخراج المقاتلين وعائلاتهم إلى محافظة إدلب، وآخر هذه العمليات ضمن مدينة حمص تمت في حي الوعر.
  • داريا: تعدُّ داريا مركز الثورة في ريف دمشق الغربي، وأحد أهم المدن الثائرة، وقعت تحت حصار خانق نحو أربع سنوات، بالإضافة للقصف المستمر طوال هذه الفترة؛ مما أجبر مقاتليها على التفاوض مع النظام في أغسطس/ آب 2016، والقبول بالتهجير القسري – الذي تمّ فرضه من قبل الأخير- إلى محافظة إدلب، أو أن «تتم إبادتهم جميعا».

صورة توضح عزل مدينة داريا عن معضمية الشام والغوطة الشرقية لاجبارها على التسليم

 

 

قلوب أهل داريا تتعلق بالطيور المهاجرة آملين أنهم مثلهم سيعودون يومًا

  • معضمية الشام: التحقت معضمية الشام أيضًا بركب التهجير – أو المصالحات كما يطلق عليها النظام السوري– بعد عدة سنوات من الحصار أيضًا والقصف الهستيري، إذ تم إخراج المئات من المقاتلين مع ذويهم وعائلاتهم إلى محافظة إدلب شمال سوريا.
  • الزبداني: نفَّذ «حزب الله» اللبناني سياسة تهجير أيضًا في منطقة الزبداني بعد حصارها، وذلك بعد مفاوضاتٍ جرت في أغسطس (آب) بين وفد إيراني وحركة أحرار الشام، بعد مطالبة الوفد الإيراني بمبادلة السكان الشيعة في «كفريا والفوعة» – الواقعتين في محافظة إدلب والخاضعتين لحصار المعارضة المسلحة- بسكان الزبداني الذين هم من الطائفة السنية.
  • قدسيا والهامة: اضطرت المعارضة السورية المسلحة في منطقتي قدسيا والهامة في ضواحي دمشق الغربية إلى الموافقة على المصالحة مع النظام في أكتوبر/ تشرين الأول 2016، أُخرج فيها عدد من المسلحين والمدنيين من البلدتين إلى محافظة إدلب شمال سوريا.
  • التل وخان الشيح: أيضًا كان القصف العنيف والحصار الخانق لهاتين البلدتين أحد أهم الأسباب التي أدت إلى موافقة المعارضة المسلحة فيهما على المصالحة مع النظام، والتي بدورها أدَّت إلى إخراج المسلحين مع عائلاتهم والمدنيين غير الموافقين على المصالحة إلى محافظة إدلب في نوفمبر/ كانون الثاني 2016.
  • حلب: شهدت مدينة حلب أكبر عملية عسكرية وعملية تهجير خلال الثورة السورية، إذ أمطر النظام هذه المدينة بالصواريخ والبراميل المتفجرة، إضافةً إلى زحف أرضي عسكري واسع أدى إلى حصار الآلاف من المدنيين والمقاتلين التابعين للمعارضة فيها.

وفي اتفاق تدخلت فيه روسيا وتركيا في ديسمبر (كانون الأول) 2016، قضى بإخراج عشرات الآلاف من السكان والمقاتلين منها إلى محافظة إدلب المجاورة، ليسيطر النظام بعدها على المدينة بالكامل.

مراسل قناة العالم الإيرانية ساخرًا من المهجّرين: «ما حترجعوا، هي الأرض إلنا، نحن أخدناها».

وادي بردى وسرغايا: بعد عدة عمليات عسكرية عنيفة على أحياء وادي بردى شمال غرب العاصمة السورية دمشق، أدت إلى خروج نبع الفيجة المغذّي لدمشق وضواحيها بالمياه عن الخدمة، مما هدد بحصول كارثة إنسانية على 8 ملايين نسمة يقطنون في العاصمة دمشق، اتفقت المعارضة المسلحة في المنطقة مع النظام على إخلاء المنطقة بالكامل، والخروج إلى محافظة إدلب.

  • برزة: بعد معارك عنيفة وحصار خانق استمر مدّة 60 يومًا على آلاف من السكان المدنيين والمقاتلين المعارضين، توصل كل من النظام والمعارضة إلى اتفاق المصالحة الذي قضى أيضًا بتهجير معظم أهالي المنطقة إلى محافظة إدلب ومدينة جرابلس شمالي سوريا في بداية الشهر الحالي، وهذا التهجير سيستمر على مدى 6 أشهر. الجدير بالذكر أن برزة قد وقعت على مصالحة وطنية في نهاية 2013 – بعد معارك عنيفة فيها وحصار استمر 11 شهرًا – لم تفرض عليها خروج المسلحين مع ذويهم إلى مناطق أخرى.
  • القابون : بعد حصار ترافق مع حصار برزة في دمشق الذي استمر لمدة شهرين ، اضطرت الفصائل المعارضة في حي القابون على توقيع مصالحة مع النظام ينسحب فيها مقاتلو الحي من القابون باتجاه إدلب في الشمال السوري .

سياسة التهجير القسري.. الغايات المحتملة

نظرًا لعدم وجود غايات معلنة في ما يخص تهجير المناطق الثائرة ونقل أهلها إلى محافظة إدلب، انقسمت تحليلات هذه السياسة المتبعة من قبل النظام، إلى سببين:

الأول: تجميع المعارضة للقضاء عليهم بضربة واحدة

يتفق أغلب الناشطين والمراقبين للشأن السوري على أن جمع المعارضة في محافظة إدلب سيكون له نتائج كارثية على المحافظة و«الثورة» على حدٍّ سواء، فهو يتمثل بـ«تجميع أكبر عدد من المعارضين لنظام الحكم في مكان واحد، ومن ثم القضاء عليهم دفعة واحدة»، حسبما يرى شريحة كبيرة من الناشطين السوريين، جاء هذا الاستنتاج من أن إدلب في الأساس ليست آمنةً تمامًا، وحدودها مع تركيا مغلقة نسبيًّا أيضًا، ومحاصرة من جهاتها الباقية الثلاث، فالمنطقة الغربية للمحافظة تتمثل بمخزون بشري للنظام، وشمالها مع محافظة حماة تحت سيطرة النظام أيضًا، والجهة الشرقية باتجاه خناصر يقبع بها جيش النظام وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ولم يبق إلا الجهة الشمالية مع الحدود التركيّة بحيث أن إغلاقها بشكلٍ كامل سيكون خدمة كبيرة للنظام السوري ليحقق أكبر حصار في تاريخه، لتتحقق بالتالي كارثة بشرية.

الثاني: تهجير السكان الأصليين لتحقيق تغيير ديموغرافي في المنطقة

ذهب عددٌ من الناشطين والمهتمين بالشأن السوري إلى أن عمليات التهجير القسري هذه استخدمها النظام السوري لتفكيك خريطة المنطقة وإعادة رسمها من جديد، فيهجّر معارضيه من الطائفة السنّية من بلداتهم ليوطِّن بدلًا عنهم سكانًا جددًا من الطائفة الشيعية ومن الأشخاص المتجنسين بالجنسية السورية حديثًا من الإيرانيين والعراقيين واللبنانيين، وكان رأي بعض الناشطين أن سوريا ستشهد فصلًا «مذهبيًّا» جديدًا في تاريخها، ورأى البعض الآخر منهم أنّ هذا التهجير يحقق وصل المناطق الخاضعة للنظام ببعضها البعض، ويعطي لكلّ طرف من أطراف النزاع في سوريا – إضافةً للمدنيين- قسمًا خاصًا من البلاد لينشئ حكمه الذاتي فيه، لتشكل فيما بعد سوريا الفيدرالية التي تحوي عدّة دويلات صغيرة.

لباصات الخضراء التابعة للنظام والمستخدمة في تهجير السكان

 

نتائج محتملة من التهجير القسري للسكان

الأحداث الدائرة في سوريا ضمن تواطؤ دولي، وربما «غطاء أمريكي» بثوب المصالحات يحول التهجير القسري من جريمة حرب إلى أداة سياسية مقبولة نوعًا ما، تحت شعاراتٍ  يطلقها المجتمع الدولي من قبيل: «معابر إنسانية»، و«إنقاذ ما تبقى من الشعب السوري». هذه الشعارات جعلت عملية التهجير أمرًا مشروعًا لحصوله تحت غطاء الأمم المتحدة، وسكوتها عنه جعل من تكراره على عدة مناطق أمرًا مألوفًا بل ومقبولًا.

فضلًا عن القراءات المتعددة لناشطي الثورة السورية والمطلعين على الشأن السوري حول عملية التهجير القسري، توجد قراءات أخرى من شريحة المثقفين السوريين التي تفيد بأن مأساة هذا التهجير لا تكمن فقط في إخلاء المدن من سكانها وتوطينهم في محافظة إدلب؛ بل تكمن في أن سواد هؤلاء الناس تقصد الدول المجاورة مثل لبنان وتركيا لتكون محطة ثانية بعد المحطة التي نقلتهم إليها قافلة التهجير، الأمر الذي سينعكس سلبًا على مستقبل البلاد بشكلٍ عام، ومستقبل الطائفة السنية، والتي تشكّل الأكثرية من أهل سوريا والذين سيصبحون أقلّية إذا استمر هذا النزوح والتهجير، لتصبح سوريا مرتعًا للإيرانيين والعراقيين الشيعة المتجنسين حديثًا في سوريا، وتحويل البلاد إلى دويلات صغيرة تابعة إلى إيران. لا يمكن أن نجزم بالطبع بهذه التحليلات والآراء، لكنها تظلُّ تحليلات مطروحة بقوة في ظلّ التكتم المقصود على سبب هذا التهجير.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org