لبنان: من منبج إلى شاتيلا… معاناة أسرة سورية لاجئة باحثة عن الأمل


كلنا شركاء: مهاجر نيوز

الكثير من العائلات السورية اللاجئة في مخيم شاتيلا تعاني من ظروف معيشية صعبة، بينها أسرة كفاءة غازي الحجي، التي غادرت منبج نحو هذا المخيم اللبناني مرورا بمجموعة من المحطات. موفد مهاجر نيوز زارها وأنجز الريبورتاج التالي:

أثناء التجول في أزقة مخيم شاتيلا، يكاد المشاهد لا يصدق أن تلك البقعة بكل بؤسها وفقرها تستقبل ذلك العدد الهائل من السكان من اللاجئين الذين تقطعت بهم سبل الحياة، فوجدوا أنفسهم ضيوفا على أناس يعتبرون أنفسهم بدورهم ضيوفا في بلد تكثر فيه التناقضات والتعقيدات السياسية.

كفاءة غازي الحجي، امرأة سورية من منبج، إحدى مدن ريف حلب، هربت من مدينتها مع اشتداد المعارك بين الأطراف المتنازعة. تقول كفاءة أن الحياة في منبج كانت “كالجنة”، لم تفكر من قبل بمغادرة المدينة، فخلال بداية الأزمة لم يشعر سكان تلك المدينة بوجوب المغادرة.

لدى كفاءة 5 أولاد، إبراهيم، 17 سنة، وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة، إذ ولد وهو يعاني من مشكلة ضمور بعظام القدمين أثرت على قدرته على الحركة، ونهاد 14 سنة ومنير 12 سنة وصهيب 10 سنوات. ابنة كفاءة دلال، عمرها 18 سنة، زوجها قتل خلال إحدى الغارات على منبج ولديها طفلة واحدة، وجميعهم يقيمون في منزل واحد لا تتعدى مساحته 40 مترا.

محطات قبل الوصول إلى شاتيلا

“بداية رمضان الماضي تركنا المدينة، لم نعد نتحمل اشتداد وتيرة القصف والعمليات العسكرية. توجهنا بداية إلى أعزاز حيث مكثنا لشهرين في المخيم التركي، كانوا يهتمون بنا بشكل جيد، إلا أن المعارك لاحقتنا إلى هناك، فكرت بالعودة إلى منبج خاصة بعد خروج داعش منها وسيطرة قوات سوريا الديمقراطية”، تسرد كفاءة أحداثا وأرقاما وتواريخ حول رحلتها المتعددة الوجهات والأسماء، وتعود دائما إلى فكرة أنها تريد العودة إلى منبج.

لم تسمح الظروف لكفاءة، كما لغيرها من عشرات الآلاف من سكان تلك المنطقة، العودة إلى منبج، فأكملت رحلتها مع أولادها الأربعة وابنتها إلى الحدود الأردنية. “أردنا البحث عن مكان آمن بعيد عن القصف والغارات والاشتباكات، إبراهيم لم يعد يتحمل الوضع، فوضعه الصحي يحتاج عناية خاصة لم أتمكن من توفيرها له”، تشرح كفاءة الظروف التي دفعتها لمغادرة منطقتها.

ذهبت كفاءة وعائلتها إلى مخيم الأزرق في الأردن القريب من الحدود مع السعودية، “الخدمات في المخيم كانت رائعة، لم ينقصنا شيء، إلا أننا كنا نعيش في سجن كبير، كان ممنوعا علينا مغادرة حدود المخيم”، حيث تقوم السلطات الأردنية والمنظمات الإنسانية بتأمين كافة مستلزمات الحياة للاجئين في ذلك المخيم شرط أن لا يتخطوا حدوده.

أسرة كفاءة تتحدث لموفد مهاجر نيوز

لم تمكث العائلة طويلا في مخيم الأزرق، إذ أنها لاحقا طردت بعد أن تسلل ابن كفاءة نهاد إلى خارج المخيم. “طفل أحب أن يلعب خارج المخيم، لم أكن أعلم بمكان تواجده، بحثت عنه نهارا كاملا إلى أن علمت أن الشرطة ضبطته خارج المخيم واعتقلته لتسعة أيام، كان هذا السبب كفيلا بطردنا من هناك. نقلونا بشاحنة إلى داخل الحدود السورية، إلى درعا، حيث تركونا هناك”، تقول كفاءة.

قررت كفاءة الذهاب بعائلتها إلى لبنان، حيث وصلوا في تشرين الأول/أكتوبر 2016، “دخلنا خلسة الأراضي اللبنانية بمساعدة سائق سيارة أجرة يعمل على الخط بين بيروت ودمشق، دفعت له 400 دولار، لقد وعدنا بإيصالنا إلى مخيم شاتيلا”.

“أنزلنا السائق عند جسر المطار بمحاذاة المخيم، كثيرون قالوا لي أن المخيم يوفر مساعدات، كما أن استئجار المنازل غير مكلف، إضافة إلى أننا دخلنا البلاد خلسة والمكوث داخل المخيم يبعد عنا شبح الترحيل إن انكشف أمرنا”، تسرد كفاءة قصة وصول أسرتها إلى المخيم.

ظروف معيشية صعبة

تعاني كفاءة من نقص في الكثير من الاحتياجات وعدم القدرة على الوصول إلى المساعدات الضرورية، “بالنسبة للأمم (مفوضية شؤون اللاجئين) يتعاملون معنا وكأننا لسنا لاجئين، أغلب الأوقات لا يجيبون على الرقم الساخن الذي زودونا به عندما تسجلنا لديهم”.

مع تفاقم أزمة اللجوء السوري في لبنان، خصصت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة رقما هاتفيا خاصا للاستجابة لحالات الطوارئ التي قد يمر بها اللاجئون، إلا أن الأعداد الهائلة أثرت بشكل مباشر على سرعة الاستجابة وتأمين الاحتياجات اللازمة.

لدى معاينتنا للمنزل، وجدنا أن العائلة لا تملك أدوات مطبخية، حتى أن أفرشة المنزل، وهو عبارة عن مجموعة من المفروشات الإسفنجية مع بعض الأغطية، وكنبة قديمة مخصصة لإبراهيم، لا تكفي لإجلاس الجميع.

يبلغ إيجار منزل كفاءة حوالي 180 دولار أمريكي، يضاف إليها حوالي 250 دولارا للمصاريف الأخرى وعلى رأسها الأكل ومياه الشرب واشتراك الكهرباء. لدى سؤالنا عن طريقة تدبر أمورها المالية في المخيم، تجيبب كفاءة “ابني نهاد، ذو الـ14 عاما، يبيع قناني المياه للسيارات على طريق المطار، أعلم أن هذا الأمر بمثابة جريمة بحق مستقبله، ولكن لا مجال آخر لنا، بعض أقربائي هنا يساعدونني أيضا”.

مطبخ أسرة كفاءة غازي الحجي

“أبحث عن الهدوء الذي كنت أشعر به في منبج..”

“طبعا أريد العودة إلى سوريا”، تقول كفاءة، “هناك موطني وأهلي وحياتي، لكني إذا ما استطعت أريد أن أغادر، أسافر إلى أي مكان أستطيع فيه أن أؤمن مستقبلا أفضل لعائلتي، حتى هذه الأمنية غير قادرة عليها، لا أملك المال الكافي لأدفعه لمهرب ليخرجنا من ها”.

يبدي ابنها الكبير إبراهيم تململه بطريقة توحي برغبته بالحديث، سألناه عما يبحث عنه، فقال: “أبحث عن الهدوء”، جاء الجواب كبيرا من شاب صغير متكوم على كنبة متهالكة غير قادر على الحراك وحده، “أبحث عن الهدوء الذي كنت أشعر به في منبج، لا أريد أن أبقى بعيدا عن مدينتي إلا أن العودة الآن مستحيلة… أفكر كثيرا بالسفر إلى كندا لأتعالج هناك وأعود، لكنني لن أركب قوارب الموت إلى أوروبا، لن أتمكن من إكمال الرحلة”. يتدخل صهيب ذو السنوات العشر: “نحن هنا مسجونين، منبج هي الجنة”.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org