العميد الركن أحمد رحال: القتال في الرقة والعين على دير الزور


العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء

تكتيكات القتال الاستراتيجية التي اعتمدتها واشنطن لقتال تنظيم “داعش” في مدينة “الرقة” تميزت بعدة ملامح:

الأول: أنها أعطت حرية القرار وهامش كبير من المناورة للقادة العسكريين الأمريكيين بعيداً عن ضرورة العودة لأصحاب الشأن السياسي.

الثاني: أنها مررت عن سبق علم ومعرفة الصفقات التي تعقدها ميليشيات سورية الديمقراطية “قسد” مع تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” والتي سمحت بتحرير جهد قتالي كبير لداعش وسمحت له بالخروج من الرقة ومحيطها دون قتال, بل الأمر تعدى ذلك بتأمين خروجهم مرة أولى بأسلحتهم الفردية كما حصل في أحياء الطبقة الجديدة, ومرة أخرى بأسلحتهم الثقيلة كما حصل في بلدة “المنصورة” وقرية “هنيدة” وبعض أحياء مدينة “الرقة”.

الثالث: أن الإدارة الأمريكية وقادتها العسكر وتحت ذريعة سرعة الحسم وسرعة الإنجاز سمحت باستخدام الأسلحة المحرمة دولياً “الفوسفور الأبيض” المصنف تحت عنوان “الأسلحة الحارقة” والممنوع استخدامه ضد المدنيين وحتى ضد الأعداء المتواجدين في المناطق المدنية كما نصت اتفاقية “جنيف 1980” الناظمة لاستخدام تلك الأسلحة والتي صنفته كجريمة حرب.

في الميدانيات وبعد تكشف تفاصيل المعارك الحاصلة ضمن حدود مدينة “الرقة” برز بشكل واضح أننا أمام معركة أخطأت واشنطن بتوصيفها وأن قراءتها العسكرية لم تعكس المجريات الحقيقية على الأرض (قد تكون القراءة الخاطئة من قبل واشنطن مقصودة لغايات عسكرية) عندما توقعت حرباً طويلة في مدينة الرقة بينما الواقع يقول أنه تم حسم مصير المعركة تقريباً خلال أيام والباقي من غير المسيطر عليه قد يتم بصفقة أخرى يخرج بموجبها التنظيم من كل أحياء المدينة.

بالقراءة العسكرية لتفاصيل مجريات المعركة نجد أن “قوات النخبة” التابعة للشيخ أحمد الجربا رئيس تيار الغد السوري والتي تقاتل في القطاع الشرقي قد أحدثت خرقاً كبيراً عندما سيطرت على حي “المشلب” وحي “الصناعة” ووصلت لمقام الشيخ “أويس القرني” وبات القتال على مقربة من “الحائط الأثري” و”باب بغداد” وحي “الأندلس” و”الحارة المختلطة” بعد مقتلة وقعت بها تلك “قوات النخبة” على يد “داعش” في “الفرقة 17 ومعمل السكر” واضطرت للخروج منها مع معمل السكر, لكن بعد عملية إنزال مظلي أمريكية في مساكن شركة “ساريكو” عادت “النخبة” لتسيطر على المعمل وبعض الأجزاء من منشآت الفرقة 17.

في القطاع الغربي تقدم حلفاء البي واي دي من ميليشيات “قسد” للسيطرة على مفرق حيي “السباهية_ الجزرة” و تنهي القتال في المناطق العشوائية وتقترب من الأحياء الداخلية لمدينة “الرقة”.

ومع إبقاء القطاع الجنوبي مفتوحاً “بشكل مقصود” يصبح تموضع ميليشيات البغدادي ضمن مستطيل ضلعه الكبير (شرق غرب) بطول 10كم والصغير (جنوب شمال) بطول 6كم.

مستطيل الحصار (ناقص ضلع) لمليشيات “داعش” داخل المدينة ساهم بشكل كبير في تحجيم استخدام تنظيم “داعش” للأسلحة الثقيلة من مدفعية وصواريخ وحتى سلاح الهاونات والعربات والدراجات المفخخة, أما ترك الضلع الجنوبي مفتوحاً فقد بات معروفاً أنه يهدف لترك ممر آمن لعناصر وقادة “داعش” للهروب عبره باتجاه البادية السورية أو باتجاه دير الزور, وهذا ما أغضب القيادة الروسية التي اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف من أنها تتقصد ذلك لإضعاف جهود “موسكو” وحلفائها في محيط “تدمر” وفي جبهة “دير الزور” ودفع السفن والغواصات الروسية المتواجدة قبالة السواحل السورية لاطلاق رشقة من صواريخ “الكاليبر” طويلة المدى ضد أرتال داعشية خارجة من محيط “الرقة”  كما قالت غرفة عمليات “حميميم” والناطق باسم وزارة الدفاع الروسية.

المعارك الدائرة بالبادية السورية بين فصائل الجيش الحر وميليشيات إيرانية أسدية من جهة, وبين تلك الميليشيات وتنظيم داعش من جهة أخرى لم تخرج عن تفاصيل معركة “الرقة” ولا عن التحضيرات لمعركة “دير الزور”.

فالمشروع الإيراني الذي يمني النفس بخلق “كوريدور” يصل طهران ببيروت هو ما تعمل عليه ميليشياتها وعميلها الأسد وتسعى لتحقيقه, وتساندها من داخل العراق ميليشيات الحشد الشيعي التابعة لطهران عملياً وللحكومة العراقية إسمياً, وروسيا وميليشيات إيران مارست الخديعة والمناورة المكشوفة عندما تقدمت باتجاه معبر “التنف” بعملة عسكرية مقصودة تحت عنوان “جس النبض” فلاقت هجوماً أمريكياً عبر طائراتها ولثلاث مرات متتالية, بينما الاتجاه الحقيقي الذي كانت تعمل عليه برز من خلال تحرك الأرتال العسكرية على قوس من دائرة مركزها معبر “التنف” ونصف قطرها 55 كم وبما يلبي طموحات واشنطن لكنه بنفس الوقت ومع وصوله للحدود السورية العراقية كان قد قطع كل منافذ الوصول للـ”بوكمال” أو محافظة “دير الزور” عن فصائل الجيش الحر المتواجدة في محيط معبر “التنف”.

المتابع لتحركات أرتال داعش المنسحبة والهاربة من معركتي “الموصل” و”الرقة” يجد أنها جميعاً تتجه نحو مثلث “البوكمال, الميادين, دير الزور” مع بعض الدعم لعناصر “داعش” في البادية السورية, وإن دلت تلك التحركات فهي تؤكد أن المعركة الأساسية لاستئصال “داعش” لم تبدأ بعد وأن المعركة الحاسمة والأقوى ستدور رحاها مستقبلاً في محافظة “دير الزور”, وهذا الأمر ليس ببعيداً عن أنظار الولايات المتحدة الأمريكية ولا ببعيد عن توجسات موسكو, فالنفط المتواجد بغزارة في تلك المحافظة والمرتبط بآبار الحسكة “الرميلان وكراتشوك والحمزة وسازابا وليلاك” يدفع بواشنطن وعبر تسهيل مرور أرتال “داعش” نحو المدينة لإضعاف قدرات التحالف الروسي الذي يدعي أنه يٌقاتل الإرهاب, وإذا ما فشل هذا التحالف وهو أمر بات متوقعاً فإنه يعطي الذريعة والحجة للولايات المتحدة الأمريكية ببناء تحالف جديد أو الاعتماد على نفس شركاء معركة “الرقة” والزج بهم في معركة “دير الزور” والسيطرة عليها وضمها لمناطق النفوذ الأمريكي.

وأمام تلك الصراعات وأمام تصادم الاستراتيجية الأمريكية الإيرانية من جهة والإستراتيجية الأمريكية الروسية من جهة أخرى يغيب بشكل كامل حال المواطن السوري الذي يدفع فواتير كل تلك التصادمات و التنافرات والاقتتال.

فاستخدام الفوسفور الأبيض من قبل طيران التحالف في “الرقة” والقصف الجوي الروسي والأسدي لأحياء دير الزور والميادين تسبب بمجازر كثيرة تناوب على تهميشها وإخفائها الجانبين الروسي والأمريكي.

لكن من المؤكد أن التصفيات النهائية في سورية قد بدأت وأن قطار الحل السوري قد وٌضع على السكة لكنه ينسف كل التصريحات السابقة عن حتمية الحل السياسي, فالحصار والقصف والأرتال المتحركة تقول وبما يدع مجالاً للشك أن تفاصيل خريطة الحل تتم بأدوات عسكرية عبر الحصار والقصف والقتل والسيطرة على الحدود وتضييق الخناق على المناطق المحررة, أي بمعنى أن الحل المفترض واضح أنه لا يلبي أدنى متطلبات الشعب الذي ثار على ديكتاتورية “الأسد”, وبالتالي يتم العمل على خلق واقع ميداني يٌجبر أهل الثورة على القبول بما يريده أصحاب الشأن وأصحاب القرار.

لكن من يعرف طبيعة الشعب السوري ومن يعلم بحقيقة التضحيات التي قدمها وما زال مصراً على تقديمها يٌدرك تماماً أن أي حل لا يلبي طموحاته فمن المؤكد أنه لن يجد طريقه نحو التطبيق.

الشعب السوري الثائر يقول:

ليس مهماً كيف ومتى تنتهي معركة الرقة.

وليس مهماً أيضاً متى تبداً أو من هم أطراف وحلفاء معركة دير الزور.

المهم أن يكون هناك حل يوقف الاقتتال وينهي حكم آل الأسد ويمهد لاستقرار يطال كل السوريين وإلا فنحن في بداية حرب قد تمتد لعشرات السنوات.

العميد الركن أحمد رحال

محلل عسكري واستراتيجي





Tags:

للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org