د. وليد البني: وجهة نظر حول تطورات المأساة السورية المستمرة


د. وليد البني: كلنا شركاء

سنوات قاسية مرت على سوريا وشعبها، مآسي ومرارات، دمار ودماء، لا أعتقد أن سوريا وشعبها تعرضا لها منذ الاجتياح المغولي للمنطقة.

بدأت القصة في آذار 2011 عندما قرر شعب عاش عقودا تحت حكم مافيا عائلية اضطهدت أبناءه وجرفت ثرواته أن يقول كفى، فخرج في تظاهرات سلمية عمت جميع المدن السورية وصلت اعداد المشاركين فيها أحيانا الى مئات الآلاف، واجهها الاسد بأطلاق نار قتل المئات من الشباب دون ان يستطع اخمادها، وعندما بدأ الراي العام الدولي يضغط على سياسية ليقفوا الى جانب شعب أراد الحرية بكل هذا الإصرار، قرر الطاغية بالتشاور مع إيران ونصر الله تحويل هذه الانتفاضة الى حرب أهلية بطايع مذهبي كحل وحيد ممكن ان يؤجل سقوطه.

لقد أراد الطاغية ذلك بناءً على نصيحة حلفاءه، من أجل تشويه ثورة قامت من أجل الحرية والكرامة الإنسانية أشعلها شعب مضطهد ضد مافيا قاتلة، فوصمها بالتطرف الديني يسهل عليه خوض الحرب الإعلامية ضدها وتضليل الرأي العالم الدولي الذي كان قد بدأ يتفهم مطالب الشعب السوري, وأيضا إخافة جزء مهم من الشعب السوري وابعاده عنها  ، بينما ارادتها إيران وبقوة كي تستطيع جلب الشباب الشيعي اللبناني والعراقي والافغاني الى الموت في سوريا من أجل تحقيق طموحاتها التوسعية القائمة على الخرافة الدينية.

أطلق النظام معتقلي السلفية الجهادية الذين كان قد ارسلهم الى العراق لتخريب سلمه الأهلي، بينما اعطى خامنئي أوامره لمرتزقه اللبناني كي يرسل افراد عصابته الى سورية تحت رايتها الطائفية ويحتل القصير ويشرد أهلها ويرفع هذه الراية فوق مساجدها.

في الجهة الأخرى سيطر الإسلام السياسي السوري المتمثل بالإخوان المسلمين المدعومين سياسيا وماليا من بعض الدول الإقليمية على مؤسسات الثورة التي رعتها تلك الدول واختارت أعضاءها بطريقتها ، ثم تواصل مع الخارجين من سجن  صيدنايا المفرج عنهم بعفو رئاسي مثير لآلاف الأسئلة  ومدهم بالمال والسلاح وتعاون معهم لأنشاء تنظيماتهم الأصولية ذات الفكر الأحادي الطائفي، ليكتمل مشهد الحرب المذهبية التي خططت لها ايران ومافيا الأسد والتي حمت الاسد من السقوط السريع وحولته من مجرم حرب يستحق المحاكمة،  الى أحد المجرمين في حرب أهلية، صورة جميع المشاركين فيها على نفس الدرجة من البشاعة في نظر صناع الراي والقرار في العالم، حربا مذهبية قذرة بين ميليشيات دينية  قرووسطية ممقوتة، تبدو فيها مافيا الأسد الأقل سوأً وظلامية، وتضمن للأسد  مقعدا حول أي طاولة مفاوضات يجري الاتفاق دوليا على عقدها رغم كل ما ارتكب من جرائم.

لقد توافقت مصالح الاسد وداعميه مع مصالح الاخوان وداعميهم في ازكاء نار هذه الحرب، ظناً من كل منهما أنه سيقضي على الاخر ويسيطر على سوريا بجغرافيتها السياسية التي تجعل من المُتحكم بها قادرا على التحكم بالمنطقة برمتها، بينما وجدت إسرائيل في ذلك فرصتها لإضعاف سوريا واشغال شعبها عقودا في ترميم جراحه، عسى ان تتمكن من ابتلاع الجولان السوري دون ان يتواجد من يطالب باسترجاعه، ولتوريط ايران وميليشياتها اللبنانية في حرب مذهبية تجعلها العدو الأول لأغلبية سكان الشرق الأوسط وتنسيهم عدائهم لإسرائيل واحتلالها للجولان والضفة وحصارها لغزة، وتحولت بهذا سوريا الى ساحة لحرب مجنونة السوريون ادواتها وضحاياها.

قد تستمر هذه الحرب طويلاً وخاصة بعد أن تورطت كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر فيها، وبعد أن تحول طرفي النزاع السوريين الى مجرد أدوات بيد المتصارعين على سوريا والمنطقة. لقد أصبح تقرير مصير سوريا يتحدد حسب موازين القوى بين الجيوش والقوى التي تحتل أراضيها، فبالإضافة الى عشرات المليشيات الطائفية السنية والشيعية المتواجد على الأرض السورية، هناك جيوش لأربعة دول على الأقل تتواجد هناك، مما يجعل أي حل سياسي أو حتى عسكري في منتهى التعقيد فمصالح الدول الأربعة متناقضة ومتضاربة بحيث تجعل الاتفاق فيما بينها على حل سياسي أشبه بالمعجزة، ودخولها في حرب مباشرة بين جيوشها لحسم الصراع في منتهى الخطورة وذو تكلفة عالية جدا اقتصاديا وبشرياً.

على كل الأحوال أي حل من أي نوع لن يوضع على نار حامية قبل القضاء على التنظيمات التكفيرية المتمثلة بالقاعدة وداعش وشبيهاتها على الأرض السورية، وهو الامر الذي تتفق عليه (ظاهريا على الأقل) كل من تركيا وروسيا وإيران والولايات المتحدة.

الى ذلك الحين لابد للسوريين أن يفكروا جديا في أن يكونوا جزءً من صُنًّاع هذا الحل كي لا يكون على حسابهم، مما يتطلب استعادة الروح الوطنية السورية بعيدا عن التعصبات الطائفية او المذهبية او القومية وتأسيس مجموعة عمل سورية مستقلة عن إرادة أي من اطراف الصراع ووضع تصور واقعي  لحل يحيد سوريا عن الصراعات الإقليمية والدولية , ويحفظ وحدتها وحرية شعبها،  ويطمئن جميع السوريين على مستقبلهم في دولة لا تميز بينهم على أساس دين او مذهب او انتماء قومي .





Tags:

للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org