فقر وحرمان.. كيف غيّرت الحرب عادات السوريين الغذائية؟


كلنا شركاء: الخليج اونلاين

تسببت الحرب التي تشهدها سوريا منذ نحو سبعة أعوام، بتغيير كثير من العادات الغذائية الموروثة التي تعود عليها السوريين، ورافقت حياتهم المعيشية لأعوام طويلة، وذلك نتيجة الظروف السيئة التي أفرزتها، وما رافقها من نقص كبير في مختلف الخدمات، إضافة للفقر الذي حل بمعظمهم وجعلهم عاجزين عن تأمين أبسط احتياجاتهم الضرورية.

عثمان الحسن (35 عاماً)، وهو خريج كلية الاقتصاد والتجارة، تحدث حول الأوضاع المعيشية، قائلاً: إن “حياة السوريين في معظم المحافظات شهدت تحولات كبيرة في عمليات الصرف والإنفاق، وباتت معظم العائلات تكتفي بالحد الأدنى من كميات الطعام والشراب، بعد أن كانت تنفق مبالغ كبيرة على المأكل والمشرب ومن دون أية حسابات”.

الحسن أكد لـ”الخليج أونلاين”، أن “الحرب، التي لم تلح في الأفق بعدُ أية ملامح لنهايتها، استهلكت جميع مدخرات العائلات السورية، سواء التي تعيش في البؤر المشتعلة، أو تلك التي تعيش في المناطق الآمنة، وهو ما جعل تلك العائلات تعيد حساباتها في الإنفاق، وتحاول ضغط نفقاتها لتستطيع الاستمرار في الحياة”.

وأشار إلى أن “الضغط في النفقات لم يكن حكراً على أصحاب الدخل المحدود بل شمل أيضاً الأسر الغنية والمتوسطة، التي باتت هي الأخرى تشكو من توقف مصادر الدخل نتيجة الأعمال العسكرية، وحالة الشلل التام التي أصابت الاقتصاد السوري بسبب توقف معظم جبهات العمل والإنتاج”.

– انتهى زمن “الموائد العامرة”

وأكدت كلامه نهى عبد الفتاح، وهي من محافظة درعا، قائلة: “كنا نعتبر من الأسر ذات الدخل الجيد؛ لكون زوجي يملك معملاً لإنتاج الكونسروة (الفاكهة المعلبة)، وكنا نصرف أموالاً كثيرة على الطعام والشراب واللباس، لكن بعد أن توقف المعمل عن الإنتاج، بسبب وقوعه في منطقة مشتعلة، غيرنا عاداتنا الغذائية؛ تحسباً للأيام القادمة التي لا نعرف فيها نهاية للحرب”.

وأردفت عبد الفتاح لـ”الخليج أونلاين” قائلةً: “كانت موائدنا دائماً عامرة بمختلف أنواع الطعام والشراب، والضيوف والمدعوين؛ بحكم علاقات زوجي التجارية، لكننا خلال الحرب قلصناها، فلم تعد تلك العزائم كما كانت، وتغيرت أنواع الطعام والأطباق، وأصبحنا نقتصد ونكتفي بطبخة أو طبختين وببعض المقبلات”.

وتابعت أنها كانت وأسرتها في كثير من الأحيان تتناول الطعام في المطاعم والأماكن العامة، لكنها الآن لم تعد تفعل ذلك، ليس لأسباب اقتصادية فحسب، بل لأسباب أمنية أيضاً، حيث لم يعد أي مكان آمناً في سوريا.

من جهته، يقول الحاج محمود الشيخ (67 عاماً) إن “أسرته أصبحت تتقيد بمبلغ يومي يجب أن تنفقه دون زيادة”، لافتاً إلى أنه “يذهب للسوق ويشتري من المواد الغذائية ما يكفيه ليوم واحد فقط، وذلك لعدم قدرته على تخزين الفائض من الطعام؛ لعدم وجود برادات، بسبب عدم وجود تيار كهربائي في منطقته”.

وأوضح الشيخ لـ”الخليج أونلاين”، أنه كان يشتري في السابق اللحم على الأقل أربع مرات في الشهر، والفروج مرتين، والحلويات بأنواعها، والمكسرات مرات عدة، لكنه حين توقف عمله التجاري قلص ذلك إلى مرة واحدة في الشهر، مشيراً إلى أن دخله من أعماله التجارية في المواد الصحية لا يكاد يكفي نفقات الأسرة على الطعام والشراب؛ بسبب ظروف الحرب التي نتج عنها ارتفاع في الأسعار وضعف في القوة الشرائية لليرة السورية التي فقدت الكثير من قيمتها.

– المطبخ السوري

وعن المطبخ السوري، تقول (أم عمار)، وهي مختصة غذائية من ريف دمشق: إن “المطبخ السوري شهير بالأطباق الفاخرة والمتنوعة، التي كانت تعتبر من الأساسيات في حياة السوريين، لكن الحرب، وضعف الإمكانيات المادية، غيبتها عن الموائد”، لافتة إلى أن “المقلوبة مثلاً من الأكلات الشهيرة التي يدخل في أساسياتها الرز واللحوم الحمراء أو البيضاء والبطاطا والباذنجان، وهي من الأكلات الرمضانية المعروفة، لكننا وبسبب غلاء اللحوم صرنا نكتفي بالبطاطا والباذنجان مع الرز دون لحوم”.

وأضافت المختصة الغذائية لـ”الخليج أونلاين”: “كانت موائدنا تشهد في العادة نوعين من الحلويات الرمضانية على الأقل؛ كالبقلاوة أو الكنافة أو المبرومة أو القطايف بالجوز أو بالقشدة، لكن الآن تم الاستغناء عنها بنوع شعبي كالمشبك أو العوامة، أو بأحدهما إن وجد”، مشيرة إلى أن “سعر الكيلوغرام من اللحم أصبح ما بين 8 و10 دولارات أمريكية أو أكثر، وهو ما يشكل 12% من دخل الموظف، ويفوق إمكانيات ذوي الدخل المحدود كالموظفين الذين تصل رواتبهم في أفضل الأحوال إلى 90 دولاراً شهرياً”.

وعن أشهر الأطباق الغذائية المفتقدة على المائدة السورية، تضيف أم عمار: “من أشهر الأطباق الغائبة عن موائد السوريين هي الأسماك البحرية والنهرية؛ لعدم إمكانية نقلها من أماكن الصيد إلى أماكن الاستهلاك، بسبب الظروف الأمنية السائدة، وارتفاع أسعارها، وعدم القدرة على الحفاظ عليها طازجة، لعدم وجود البرادات والثلاجات، لانقطاع التيار الكهربائي عن معظم المناطق”.

وأوضحت أن “المحاشي باتت تقتصر على الرز، وفي أحسن الأحوال مع قليل من اللحمة”، مشيرة إلى “غياب الكثير من الأكلات التراثية المعروفة؛ كالمنسف والصاجية والأوزي والكبب بأنواعها؛ كل ذلك بسبب رداءة الأحوال الاقتصادية لمعظم السكان، الذين بات نحو 80% منهم تحت خط الفقر، وفقاً لإحصائيات الهيئات الدولية المختصة”.

سماح الأحمد، مختصة التدبير المنزلي من ريف القنيطرة، قالت: إن “أغلبية السوريين باتوا يعيشون على البقوليات؛ من البرغل والعدس والحمص والرز، وأصبحت المجدرة وشوربة العدس وبعض المعلبات التي يحصلون عليها مساعدات، من الأطباق الأساسية لمعظم الأسر؛ نتيجة الظروف الاقتصادية السيئة”، مشيرة إلى أن المؤونة المنزلية التي كانت تحضر في كل بيت سوري “أصبحت نوعاً من الترف نتيجة ما حل بالشعب السوري من فقر”.

وأضافت الأحمد لـ”الخليج أونلاين”: “كنا نحضر مئات الكيلوغرامات من المكدوس (الباذنجان الصغير المحشو بالجوز والرمان)، لكننا الآن بتنا نكتفي بعشرات الكيلوغرامات، ونحشوها بالفستق بدل الجوز، لأننا لا نملك الأموال الكافية لشراء الزيوت التي باتت العبوة البالغة 16 كيلوغراماً منها تستهلك أكثر من نصف مرتب الموظف الشهري”.

وبينت أن “خزائن الأسر السورية كانت مليئة باللبنة والمكدوس والجبنة البلدية والزيتون والمربيات المختلفة المحضرة منزلياً، لكنك الآن لن تجدها في معظم المنازل”، لافتة إلى أن “كثيراً من الأسر اكتفت بمؤونة الخضراوات المجففة كالبامية والملوخية والكوسا والباذنجان وغيرها من الخضار المتوفرة والتي يمكن تجفيفها”.

وقالت الأحمد: إن “الكثير من الأسر السورية باتت تكتفي بوجبة أو وجبتين من الطعام في أحسن الأحوال، لضيق ذات اليد، وقلة المواد الغذائية المتوفرة، وعدم وجود الأموال لشرائها، ولا سيما في المناطق المحاصرة”، مؤكدة أن “هناك أسراً لم تذق طعم اللحوم منذ عيد الأضحى الماضي”.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org