أحمد سعد الدين: في تحديات إعادة إعمار سورية


 أحمد سعد الدين:جيرون

(*) مراجعة ورقة العمل الصادرة عن الكادر البحثي في صندوق النقد الدولي (اقتصاد الصراع في سورية[1])

المحتويات

مقدمة 2

منهجية التقرير ومصادر المعلومات. 3

أهم ما جاء في التقرير. 4

في ما يخص سورية قبل 2011. 4

سورية في 2016: بعد 5 سنوات من الحرب. 4

تحديات إعادة الإعمار. 7

مناقشة 9

مقدمة

(اقتصاد الصراع في سورية) هو العنوان الذي اختارته الباحثتان في صندوق النقد الدولي: جان جوبا وكريستينا كوستيال، لأول ورقة عمل يصدرها الصندوق حول الصراع في سورية ومستقبل إعادة الإعمار. وإن كان التقرير لا يمثل وجهة نظر رسمية للصندوق بما هو ورقة عمل مطروحة للمناقشة بمثل ما هو مذكور في صفحة الغلاف، فهذا لا يقلل من أهميته في عكس الاتجاهات العامة داخل أكبر مؤسسة مالية في المستوى الدولي التي تنطعت منذ الخمسينيات لتقديم المساعدات المالية والقروض للدول الأوروبية في مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية، ومن ثم للدول النامية، ولا سيما في مجال ما يُسمى الاستقرار النقدي والمالي، وهي نفسها المتهمة من قطاع كبير من اقتصاديين مرموقين بالمسؤولية عن أزمات خانقات أصابت اقتصادات الدول النامية من جراء الشروط المجحفات للقروض الممنوحة، متهمين الصندوق بالخضوع لإملاءات سياسية من الدول المهيمنة عليه، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، مثله في ذلك مثل البنك الدولي على اختلاف الاخصاص. لكن ذلك بكل حال لا يقلل من الأهمية العلمية والفكرية للباحثين المشتغلين في أروقته. وإن كان هناك في الصندوق من خصص جزءًا كبيرًا من وقته لإنجاز تقرير شامل بمثل الذي بين أيدينا، فهذا لأن سورية ومستقبلها قد أصبحا في صلب اهتمام الصندوق.

نشرت (جيرون) في الشهر الماضي مقالين، أنجزهما كاتب هذه المراجعة، يستعرضان خلاصة دراسة أنجزتها منظمة الزراعة والأغذية (الفاو) ومراجعة لتقرير أصدره البنك الدولي. ومن ثمَّ تأتي هذه المراجعة في إطار سلسلة تهدف إلى تلخيص هذه التقارير، وتقديمها للجمهور السوري من المعنيين بطريقة موجزة ومبسطة عبر استعراض أهم ما فيها من نتائج وإلقاء الضوء على المغازي السياسية التي قد تهم المهتمين السوريين في الشأن السياسي عمومًا وفي شقه الاقتصادي خصوصًا.

منهجية التقرير ومصادر المعلومات

التقرير مكثف ويقع في 24 صفحة، وهو مقسوم إلى ثلاثة أجزاء رئيسة: الأول يقدم عرضًا سريعًا لأوضاع الاقتصاد السوري قبل الحرب، الثاني يتطرق فيه إلى آثار الحرب في مدى 5 سنوات بين 2011 و 2015، أما الثالث فقد خُصص للتحديات التي تواجه إعادة إعمار البلاد.

يعتمد التقرير على مصادر متعددة للمعلومات تبدأ ببيانات (الحكومة السورية) خصوصًا تلك الصادرة قبل الحرب وتشمل أيضًا بيانات وتقارير كثير من المؤسسات والمراكز البحثية القريبة من المعارضة أو الصادرة عن مراكز بحثية دولية وغربية. فالتقرير هو أشبه بمراجعة بحثية مكثفة إذ يستند إلى عرض تحليلي للمعلومات عبر مقاطعتها ببعضها بعضًا من مصادر عدة، وبخاصة في مسائل تقدير حجم الدمار والأضرار التي لحقت بالبنى التحتية والخسائر البشرية من جراء العنف والحرب.

أهم ما جاء في التقرير في ما يخص سورية قبل 2011

في الفصل الأول يستعرض التقرير أهم ملامح الاقتصاد السوري منذ بداية الـ 2000 مشيدًا بخطوات الانفتاح الاقتصادي ومعدل الاستقرار الاقتصادي لكنه في المقابل يشير إلى تنامي اللامساواة الذي ترافق مع النمو الذي شهدته الفترة 2000-2010 مما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر وزيادة التفاوت في التنمية بين المناطق السورية المختلفة. ويشير التقرير إلى استمرار ضعف البيئة الاستثمارية وغياب الشفافية وحكم القانون. ويلمح في ذلك إلى أن غياب العدالة في توزيع الثروة وانتشار الفساد كانا من الأسباب العميقة للأزمة الحالية.

سورية في 2016: بعد 5 سنوات من الحرب

يكرر التقرير ما جاء في تقارير دولية سابقة عن حجم الدمار والخسائر البشرية التي أصبح من المستحيل تقديرها كلًّيا، نظرًا إلى استمرار الحرب، وحجم الدمار غير المسبوق في أي بلد منذ الحرب العالمية الثانية[2]، ومن أهم ما ذكره في هذا الصدد هو وصول معدل البطالة إلى حوالى 60 في المئة من قوة العمل مع خسارة نحو 3 ملايين وظيفة، وارتفاع معدل الفقر إلى 83 في المئة مقارنة بـ 12في المئة في 2007[3].

لكن الجديد في هذا التقرير هو التقديرات التي يقدمها لحجم الخسارات في القطاعات الإنتاجية، إذ انخفض الناتج الإجمالي المحلي بنسبة 57 في المئة بين عامي 2010 و 2015، وقد نتج هذا الانكماش من الخسارات في قطاعي النفط والغاز اللذين انخفضا بمعدل 28 في المئة سنويًا طوال المدة المذكورة، بينما كان الانخفاض وسطيًا في باقي القطاعات بمعدل 14 في المئة سنويًا، وقد لحق البنى التحتية لقطاعي النفط والغاز دمار كبير لعله الأكبر بين القطاعات المختلفة. ومع الاعتراف بمشكلة الحصول على بيانات دقيقة، فإن التقرير يقدر أن إنتاج النفط الخام انخفض انخفاضًا حادًا، إذ لم يتجاوز في سنة 2015 نسبة 10 في المئة مما كان عليه في 2015، بما في ذلك إنتاج النفط في المناطق التي تسيطر عليها داعش. أما في مناطق سيطرة النظام فإنتاج النفط لا يتجاوز 2 في المئة مما كان عليه في 2010. وفي المرحلة نفسها انخفض إنتاج الغاز إلى النصف أو أكثر خصوصًا بعد استيلاء داعش على حقول الغاز قرب تدمر.

بالتأكيد تأثر كل من قطاع الخدمات وقطاع التصنيع ثأثرًا كبيرًا، ليس بسبب الدمار واستهداف المنشآت فحسب، بل بسبب نقص المواد الأولية اللازمة للتصنيع، بخاصة نقص الطاقة. ويشير التقرير إشارة صريحة إلى التدمير الذي لحق بالمنشآت الصناعية، والسرقات التي تعرضت لها نتيجة غياب الأمن، وغياب مقومات الدولة بخاصة في محافظة حلب، ما دفع كثيرًا من الصناعيين السوريين إلى نقل أعمالهم إلى خارج البلاد. فالصناعة الدوائية انخفض إنتاجها بمعدل 90 في المئة. بالمقابل نقل كثير من الصناعيين السوريين نشاطهم إلى تركيا، بينما استمروا في تسويق إنتاجهم في الشمال السوري. في النتيجة كانت حصة المستثمرين السوريين الصغار والمتوسطين نحو 40 في المئة من إجمالي الشركات التي سجلت ترخيصها في تركيا سنة 2014.

ونتيجة لانهيار قطاع النفط ازداد العجز في الميزان التجاري، إذ وصل في سنة 2015 إلى نحو 13 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي مقابل أقل من 0.6 في المئة في سنة 2010، أي إنه زاد بنحو 40. وكان ذلك نتيجة انخفاض الصادرات بمعدل 70 في المئة، بينما انخفضت الواردات بمعدل 40 في المئة فقط، في حين إن الناتج المحلي انخفض إلى النصف تقريبًا كما ذكرنا أعلاه. هذا الانخفاض في التجارة الخارجية كانت أسبابه الرئيسة وفق التقرير العقوبات الاقتصادية، وانخفاض الإنتاج نتيجة الصراع، وانهيار التجارة البرية العابرة للحدود. وبسبب ذلك تعاني البلاد أزمة في تأمين العملة الصعبة، إذ يقدر التقرير أن مخزون البلاد منها قد انخفض إلى نحو 1 مليار دولار، وهي كمية تكفي لتمويل حاجة البلاد من الاستيراد لمدة شهر واحد، في مقابل 14 مليار دولار في نهاية 2011.

من اللافت للانتباه في التقرير التطرق إلى موضوع غسيل الأموال والحديث عن سورية بوصفها دولة تعاني منذ ما قبل الحرب غياب الآليات لمحاربة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وبينما كانت تتحسن في هذا الإطار في سنوات 2005-2010، فقد ساءت كثيرًا بسبب الحرب. ويورد التقرير دخول حكومة النظام في اتفاق مع داعش بهدف شراء النفط في السوق السوداء أو الاتفاق الخاص باستمرار عمل سد الفرات، وكيف تحصل داعش بموجب هذه الاتفاقات على تمويلها إضافة إلى أعمال أخر بمثل النهب والسطو.

تحديات إعادة الإعمار

على الرغم من أن عوامل كثيرات ستؤدي دورًا في طريقة إعادة الإعمار وسرعتها، إلا أن التقرير يحدد أن العامل الأساس في ذلك يكمن في موعد انتهاء الصراع وكيفية إنهائه، إذ إن ذلك سيحدد الأهداف المرجوات من الإصلاحات السياسية والاقتصادية، والسرعة التي ستُنفَّذ بها هذه الإصلاحات، وهذا ما سينعكس على حجم المساعدات الخارجية، وقدرة البلاد على استقطاب الاستثمار الخاص. فمثلًا إن استطاعت البلاد تحقيق قفزات في ترميم قطاعي الطاقة والزراعة في مراحل مبكرة، سيؤسس بذلك أرضية جيدة للنمو في الصناعات النسيجية والغذائية التي تشغّل كثيرًا من اليد العاملة التي يمكن أن تتحول إلى أقطاب للتنمية اللاحقة بالترافق مع قطاع البناء.

هذ يعني أن عملية إعادة البناء ستتطلب وقتًا طويلًا، فلبنان لم يستطع العودة إلى المستوى نفسه من الناتج المحلي إلا بعد مرور 20 سنة أما في الكويت فقد تطلب ذلك 7 سنوات. لكن حجم الدمار في سورية غير مسبوق، وهو مرشح للزيادة إن لم تتوقف الحرب قريبًا. ويضع التقرير سيناريو يفترض انتهاء الصراع في سنة 2018 تليه مرحلة نمو بمعدل 4.5 في المئة سنويًا. إن تحقق ذلك فإن سورية ستحتاج 20 سنة للعودة إلى ناتجها المحلي سنة 2010. هذا يعني إمكان تقليل المدة الزمنية إن كانت معدلات النمو أعلى، لكن هذا السيناريو يقوم على فرضيتين رئيستين، وهما قدرة البلاد على حشد التمويل المطلوب لبناء البنية التحتية، والمقدر في التقرير بمبلغ يتراوح بين 100 و 200 مليار دولار، والثاني أن تستطيع البلاد في مدة قصيرة ترميم قدرتها الإنتاجية، ورأسمالها البشري، وهنا سيكمن التحدي الأكبر وفق التقرير.

 

مناقشة

مثل ما هو دأب التقارير الاقتصادية التي تصدر عن المنظمات والمراكز الدولية، فإن هذا التقرير مفرط في (الاقتصادوية)، وهو نزوع غالبًا ما يُسوَّغ بحجة الاختصاص. لكن اقتصاد الحرب أو الصراع، وما ينتجه هو موضوع سياسي بامتياز بقدر ما يمكن عدّ الاقتصاد تكثيفًا للسياسة أو ببساطة أكثر حصيلة لخيارات سياسية. في العرض الذي تستهل به الباحثتان هذا التقرير نجد مديحًا للاستقرار الاقتصادي والانفتاح في بداية الألفية أي بعد استلام الأسد الابن لمقاليد الحكم، بعد ذلك نجد عرضًا غير مترابط لارتفاع معدلات الفقر والبطالة الأمر الذي يجعل قارئ التقرير يستغرب المديح الذي أورده التقرير بخصوص سياسة الانفتاح مع غياب أي إشارة في التقرير تربط (سياسة الانفتاح) المحمودة بالنتائج التي جاءت بها من تنام في الفقر وزيادة في التفاوت. ولم تناقش الباحثتان الآليات التي كانت تلجأ إليها (الحكومة) في تحقيق الاستقرار الاقتصادي. هذه الاقتصادوية تصل إلى مستوى مبتذل، إذ يذكر التقرير مثلًا أن الإنفاق الحكومي قد أسهم في دفع النمو في سنوات الصراع الأولى بسبب ارتفاع الإنفاق في القطاع العسكري بين عامي 2011 و 2013، أي بسبب ارتفاع الإنفاق في القطاع العسكري الذي تسبب بالتدمير غير المسبوق للمدن والبلدات والبنى التحتية التي يقدر التقرير تكلفة إعادة بنائها بـ 100 -200 مليار دولار.

هذه الاقتصادوية تتجلى تجليًا أكبر في التوصيات الأخيرة التي يقترحها التقرير للدفع قدما بعملية إعادة الإعمار، إذ يقسم التقرير التغيرات المطلوبة إلى مرحلتين؛ المرحلة الأولى وهي مرحلة المدى القصير، إذ يجب التركيز فيها على المساعدة الإنسانية، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، والأمن، بوصفها مرحلة تحضيرية للبدء بإعادة الإعمار. في المرحلة الثانية: تكون قد بدأت عملية إعادة الإعمار، وأصبح من الممكن المضي قدُمًا في إصلاحات عميقة. لكن التقرير لا يفصل فيها بل يكتفي بذكر الأهداف الاقتصادية المرجو تحقيقها من هذه الإصلاحات، وهنا يقع القارئ في حيرةٍ إن تساءل عن الجهة التي ستقوم بهذه الإصلاحات، إذ تغيب أي مناقشة في موضوعة هيئة الحكم والدولة المقبلة في سورية، فيبقى التقرير في إطار العموميات في ما يخص الأهداف مثل خلق فرص عمل وتحقيق العدالة في التوزيع المالي والاستقرار ولا ينسى مسألة البيئة ومحدودية الموارد الطبيعية في سورية، فخاتمة التقرير لا تبدو أبدًا متناسبة مع التحليل والنتائج التي توصل إليها التقرير في متنه حتى في الجانب الاقتصادي البحت.

وخاتمة؛ ننبه بأنه على الرغم من نقاط الضعف في هذه التقارير الدولية يبقى من الضروري متابعتها من النخب الاقتصادية والسياسية السورية بهدف الإلمام والمتابعة، مقدمةً للتفاعل معها الآن أو في مراحل لاحقات، على أن يكون هذا التفاعل نقديًا من موقع التمركز على الذات، فسورية بالنسبة إلينا وطن لا مشروع للبحث أو الاستثمار.

[1] – حُمِّلت الورقة من الرابط الآتي في الأول من أيار/ مايو، 2017: https://www.imf.org/external/pubs/ft/wp/2016/wp16123.pdf.

[2]  لتفاصيل يمكن إحالة القارئ على المراجعتين المنشورتين في الرابطين الآتيين: http://www.geroun.net/archives/author/ahmed-saed-aldeen.

[3]  لم يحدد التقرير أي تعريف لخط الفقر المعتمد بحساب نسبة الفقراء في عام 2016، لكن ما يعرفه الكاتب أن 12في المئة تشير إلى نسبة عدد السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع أو الحاد. أما نسبة السكان الذين كانوا يعيشون تحت خط الفقر العادي فكانت نسبتهم نحو 30 في المئة في 2007 مع العلم أن نحو 30 في المئة آخرين كان متوسط دخلهم أعلى من خط الفقر بقليل.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org