د. محمد حبش: شعب الله المختار


د. محمد حبش: كلنا شركاء

ليس هذا المقال جدلاً في اللاهوت، ولكنه جدل في واقع العقل المسلم الذي بات أسيراً لأوهام الغرور، وبات يقرأ العالم من منصة احتقار سوداء على الرغم من أنه بات يسكن في أردى الحفر قتامة ووحلاً…

والدعوى بالطبع يهودية معروفة، لا يزال يعيش في عقدتها كثير من يهود العالم، وهي بالضبط ما يدفعهم لسلوك معاد للإنسانية الذين باتوا يرونهم مجرد غوييم خلقهم الله ليخدموا الشعب المختار…..

ولا بأس ببعض الاستطراد فالقوم باتوا يستدلون أيضاً لتصورهم العنصري هذا بنصوص من القرآن والسنة، ألم أقل لكم إن القرآن حمَّال أوجه؟ وتفسيرهم لها يطابق للأسف ظاهر النص، فالله فضلهم على العالمين، والأنبياء كانوا يبعثون منهم، والأرض المقدسة كتبها الله لهم… ونظائر ذلك من القرآن الكريم وهو في السنة والإسرائيليات أكثر بكثير، حتى إن الإمام الثعلبي قال بوضوح وهو يفسر الآية الكريمة: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين قال: هذا دليل نصي لا ينازع فيه أن بني إسرائيل هم أفضل الأمم.

ومع ذلك فقد كتب المفسرون أسفاراً في صرف الآية عن ظاهرها وأنها خاصة بجماعة منهم في زمان محدد ومكان محدد، وهو اجتهاد في مورد النص، ومن وجهة نظري فهو اجتهاد مقبول حميد ولا بد منه ليستقيم النص مع عدالة الله وحكمته.

عقيدة شعب الله المختار أكبر أسباب الغرور الإسرائيلي وسبب خصامه مع العالم، وهو ما حذر منه بنيامين فرانكلين أشهر الآباء المؤسسين لأمريكا في وثيقته الشهيرة بأن اليهود يحملون اعتقاداً عنصرياً خطيراً، يعتقدون أنهم شعب الله المختار وأن العالم ليس إلا عبيدا وخدماً لهم، وقال فيها: أنا أحذر أمريكا من المستقبل إذا استمر هؤلاء مسكونين بالأوهام الأسطورية التي يتوهمون، ويصدقهم فيها بعض قراء العهد القديم، وإذا استمر الأمر كذلك فإننا سنجد ذات يوم أبناءنا يعملون في حقول اليهود ومزارعهم بينما هم يفركون أيديهم بشماتة!!…

ولم يفلح اليهود في طمأنة العالم حول نواياهم فازداد الحقد الدولي عليهم وانفجر في  الحرب العالمية على يد هتلر الذي رأى أن المحارق هي أفضل طريقة لتقويم هذا العقل الأعوج، وقدم صورة عنصرية متوحشة أشد بؤساً وقتامة.

ولكن هذه العقيدة البائسة المرفوضة إنسانياً ودولياً، والمرفوضة أيضاً بروح القرآن ومقاصده هي التي بات يعتنقها تيار عريض في طول الشارع الإسلامي، بعد أن أدمن خطباء المنابر الحديث عن شعب الله المسلم المختار تحت عنوان: الأمة المرحومة والأمة المعصومة والأمة الناجية وخير أمة أخرجت للناس وأمة الشفاعة وغير ذلك من التسميات التي نرددها كل يوم دون أن نشعر بتطابقها في التفكير والسلوك مع الفكرة الملعونة لشعب الله المختار.

قد تكون هذه النتيجة صادمة لكثير من القراء وبشكل خاص للذين لم يتخصصوا في العلم الشرعي، فالمعلوم بداهة أن الأمم كلها شعب الله والخلق كلهم عياله وأن الدنيا كلها أرض مقدسة وأن الله ليس أقرب إلى شعب من شعب وأن ليس للإنسان إلا ما سعى.

ولكنها يا سيدي الحقيقة التي تعلمناها على مقاعد الدرس الشرعي، فالعالم هذا غارق في جاهلية سوداء يعيش حياة بائسة مرذولة، وأنه لا خلاص لهذا العالم إلا بترك ما هو فيه والبراءة من كل ما انجزه من حكمة ونور وتمزيق صحائف حكمائه وأنبيائه والانخراط في صفوفنا نحن معاشر خير أمة أخرجت للناس.

والغريب أن الفقهاء الذين تأولوا آية بني إسرائيل وقيدوها بأن المقصود بالعالمين عالمي زمانهم وليس عالمي كل زمان ومكان، فشلوا في تقييد آية أمة محمد أو تأويلها، وظلت الآية أن المسلمين هم خير أمة أخرجت للناس، ولم يقل المفسرون المحترمون إن الآية عن زمان دون زمان، بل ظلت في الفهم السائد نصاً عابراً للزمان والمكان، وظل المسلمون هم أفضل الأمم في كل زمان ومكان، ولم يقبل أحد أن نضيف إلى هذا النص القرآني من التأويل والاقتضاء ما أضفناه إلى النص اليهودي مع أن النص على فضل الشعب اليهودي أوضح وأجلى: فضلتكم على العالمين.

وحين عجز مشايخنا عن إقناعنا بأن حالنا التعيس لا يناسب أن نكون خير أمة أخرجت للناس راحوا يرجمون الأمم الأخرى بالحجارة ويشوهون فيها كل جميل، لإظهار أنها متهافتة فاشلة مائعة منحلة.

وبات الشعور العام اليوم لدى شبابنا أن العالم مستنقع للرذيلة والفحشاء وأننا وحدنا بين الأمم نقيم للفضيلة وزناً وأن العالم ماخور كبير، وأن الأسرة هي واقع شرقي فقط أما الغرب فقد صار أطفال أنابيب!! وأن العالم نبذ الأسرة وتحول إلى الشذوذ!! وبات يعبد ربه بالخمر والمخدرات!!!

لقد بت أشعر بالعار وأنا أقرأ صورة العالم كما يصورها كتابنا الأشاوس من حراس باب الحارة، الذين يرسمون الفضيلة كلها في ضفة الشرق والرذيلة كلها في ضفة الغرب، وفي أحسن الأحوال يتحدثون عن تفوق الغرب المادي وتفوقنا الأخلاقي…..

وفي الواقع فإن معايير التفوق الأخلاقي باتت واضحة ومعيارية ويمكن التأكد منها بالوسائل العلمية، للتأكد من مكان العدل والرحمة والتكافل والنظام والمساواة وغيرها من القيم الأخلاقية وللأسف لا تصب أبداً في صالح الأمة الإسلامية الغارقة في الحروب والشتات والتشرد والتوحش الطبقي بين الفقراء والأغنياء.

هناك طريقتان لبناء أعلى برج في المدينة: الأولى أن تبني برجاً أعلى من غيرك، والثانية أن تهدمَ الأبراج التي تزيد على برجك وللأسف فقد لجأ واعظونا إلى الخيار الثاني وباتت أفضل طريقة للدفاع عن الإسلام هي تهشيم الحضارة والسخرية من منجزاتها…

لقد صار نمط التفكير المتدين عن العالم هو منطق جاهلية القرن العشرين، وصار كل إحصاء نقدمه للسقوط الأخلاقي في أي مكان في العالم مهما كانت مصادره تافهةً أو متهالكةً أو ضعيفة فهو وسيلة ضرورية للدعوة إلى الله ولحماية الفضيلة والبراءة من المشركين.

وفي غمار هذا التشويه الذي نتعمده في سبيل الله ونمارسه دفاعاً عن الأمة وغيرة على منزلتها ومكانتها فإن التشويه لم يعد ضد الغرب الرأسمالي أو الشرق الاشتراكي… لقد صار تشويهاً للإنسانية كلها، فالأديان جميعا في النار من يهودية ومسيحية فما بالك بالبوذية والهندوكية واللادينية، وصار من واجبنا أن نرسم أشد الصور قتامة وسواداً لهذا العالم حتى يظهر في ثناياها جمال الإسلام كصورة بيضاء ندية….

وفي السنوات الأخيرة حين أظهرت المجتمعات الغربية مستوى مذهلاً من الأخلاق والإنسانية في احتضان السوريين ورعايتهم، فإننا أظهرنا أيضاً مستوى مذهلاً من قلة التربية والأخلاق ليس فقط حين أغلقت حدود البلاد العربية بالشمع الأحمر في وجه السوريين فقط بل حين راح واعظونا يحذرون من هذا الخير الموهوم، ويفترضون وراءه المؤامرات والمكائد والشر، وجوهر استدلالهم أنهم كافرون وهيهات للكافر أن يكون فيه ذرة من خير، إنهم حصب جهنم هم لها واردون….

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه …… وصدق ما يعتاده من توهم

بكل مرارة … إن عقيدة شعب الله المختار تسري في كل عروقنا وتنطق بها منابرنا وترتلها محاريبنا ويتعلمها أطفالنا على مقاعد الدرس، وفتياننا في دروس الغزو والفتح، وشبابنا في ثقافة الولاء والبراء…..

متى ندرك أن نبينا الرائع نفسه لم يشأ أبداً أن يكون نبياً فوق الأنبياء وإنما قدم نفسه نبياً بين الأنبياء، واختار أضعفهم مكانة وهو النبي الهارب من رسالته فقال للناس بكل تواضع جم: لا تخيروني على يونس بن متى!!

أراد أن يقول: إنني نبي بين الأنبياء ولست نبياً فوق الأنبياء.

لا يوجد شعب مختار… يوجد شعب يختار..

أمة بين الأمم………. وليس أمة فوق الأمم………





Tags:

للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org