د.حبيب حداد: أزمة معارضات سياسية أم ازمة مجتمعات مزمنة


د. حبيب حداد: كلنا شركاء

منذ أن تم إجهاض انتفاضة الشعب السوري السلمية من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة ، ولَم تكن هذه الانتفاضة ، التي كان يؤمل أن تكون مشروع ثورة تحررية مجتمعية شاملة ، قد تجاوزت بعد عامها  الأول  ، والتساؤلات المشروعة تطرح سواء من قبل الوطنيين السوريين أو من قبل كل من يعنيهم الشأن السوري حول الأسباب والعوامل التي أدت إلى إخفاق صيرورة هذه الانتفاضة والوصول ببلادنا إلى الأوضاع المأساوية الحالية  ،حيث المصير الوطني في مواجهة أخطر التحديات ، وبخاصة بعد أن أضحت الأزمة السورية في مركز الصراع الذي يشمل كل أوضاع المنطقة.

البعض منا ، كما هو معلوم ،  عزا ذلك المآل وتلك النتيجة إلى قصور العامل الذاتي ،حيث ان هذه الانتفاضة ،  من وجهة نظره،قد  تفجرت  كردة فعل شعبية عفوية ضد واقع القهر والتهميش والاستبداد، لكن لم يتوفر لها  وحتى الْيَوْمَ القادة الوطنية الكفؤة الواعية  ، القيادة مستقلة الإرادة والقرار ،التي تمتلك رؤية استراتيجية موحدة تعبر حقا عن تطلعات الشعب السوري في وضع نهاية لنظام الاستبداد وبناء دولة المواطنة الحرة المتساوية . وهذا الأمر أي قصور العامل الذاتي وعدم تدارك موجباته طوال السنوات الماضية ، هو ما يتفق بشأن تأثيره  التأسيسي السلبي  معظم أطراف المعارضة الوطنية الديمقراطية السورية ، ولكنه لم يكن السبب الوحيد أو العامل الوحيد وراء المسار الخاطئ الذي دفعت إليه الانتفاضة وأدى بمجتمعنا الى هذه الحرب الأهلية العبثية المدمرة بكل أبعادها الطائفية والإقليمية والدولية .

والبعض منا كان وما يزال يعزو الأسباب التي ساهمت في وصول بلادنا إلى هذه المِحنة  الوطنية الدامية إلى طبيعة المعارضات السورية التي تشكلت وتولدت ،ومازالت ،على امتداد السنوات الست الماضية وبخاصة منها معارضات الخارج التي ادعت لنفسها مشروعية احتكار تمثيل الشعب السوري وتجسيد إرادته والنطق باسمه .  الواقع الذي  لم يعد يجادل في صحته اثنان  ان  تلك المعارضات التي كانت في معظمها ، إن لم نقل كلها من صناعة وإدارة الأطراف الإقليمية والدولية ،  قد لعبت دور الأداة التنفيذية المباشرة في حرف انتفاضة الشعب السوري عن مسارها الصحيح ،كما لعبت  في الوقت نفسه دور الواجهة في عسكرة وأسلمة وتدويل انتفاضة الشعب السوري . وتجلى أخطر فصول ذلك الدور في تغطيتها ودفاعها المحموم  والمستمر عن المنظمات الإرهابية التكفيرية وفي مقدمتها جبهة النصرة وبقية فروع القاعدة الأخرى، والتنظيمات الاسلامية التكفيرية  المعادية للمشروع الوطني التحرري الديمقراطي  الموحد الذي كان تحقيقه على الدوام هدف الشعب السوري الاول منذ ان احرز استقلاله الوطني  . إن الدور الذي اضطلعت به تلك المعارضات السورية واقع  راهن لا يمكن لأحد يملك الحد الأدنى من الوعي العقلاني ومن يقظة الضمير الوطني إلا أن يعترف بخطورة حصاده المر  ، والادهى والامر من ذلك كله ان تلك المعارضات بدل أن تعالج واقعها المأزوم بكيفية ناجعة ،بالاعتراف بأصل  علله والأسباب التأسيسية البنيوية التي قادت إليه ، رأيناها طوال السنوات الماضية ، و مع انها كانت تعترف بين الحين والآخر بهذا الواقع ، تتجاهل تلك الأسباب التأسيسية البنيوية وتلجأ إلى معالجات سطحية وشكلية كالترقيع والتوسيع، يدفعها إلى ذلك بالدرجة الأولى حرصها على استمرار المحافظة على رضى ودعم الجهات الخارجية التي ترتبط بأجنداتها.

والبعض منا كان وما يزال يعزو كل تلك الأسباب ويرجع كل أصل البلاء الذي ابتلي به وطننا  ،إلى نظام الاستبداد والتخلف والفساد ، الذي ما يزال، يجثم على صدر شعبنا منذ أكثر من أربعة عقود ، والذي واجه حراكه المدني السلمي ومطالبه المشروعة ، ومنذ الْيَوْمَ الأول  ، بالأسلوب الأمني القمعي الوحشي الذي كان من نتيجته تصفية رموز هذا الحراك بين الاعتقال والاستشهاد والتهجير . والواقع أنه عدا ما لحق ببنية المجتمع السوري الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتربوية والأخلاقية طوال هذه الحقبة  من تخريب واستلاب وتراجع وتشويه ، فقد أدى استمرار هذا النظام الذي كان همه الأول من وراء كل الشعارات الوطنية التي اتقن استخدامها ،والسياسات التي انتهجها ان يعيد انتاج نفسه  ولو عن طريق التوريث . وكما رأى عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل فوكو فإن تعطل التطور الطبيعي للمجتمعات في البلدان التي تحكمها أنظمة ديكتاتورية أو فاشية التي يسودها القمع وغياب أبسط الحريات الديمقراطية وحقوق المواطن الاساسية ، فان مثل هذا المناخ إذا ما استمر فترة طويلة ،لن يؤدي غالبا إلا إلى نشوء معارضات قاصرة في رؤيتها وبرامجها وأساليب عملها لأنها تكون معارضات ردود الفعل  على سياسات النظام التسلطية ،التي ينحصر همها الأساسي إسقاط النظام والوصول إلى السلطة دون أن تكون مؤهلة سواء برؤيتها القاصرة أم بممارساتها العبثية العشوائية وغير الهادفة على العمل من أجل بناء النظام  البديل والمستقبل المنشود الذي يتطلع إليه شعبها .

وهناك طبعا البعض منا ،الذي ما يزال يحصر أسباب فشل انتفاضة الشعب السوري التحررية في عامل واحد، ليس الا ، الا وهو تخلي المجتمع الدولي عن الوقوف الى جانب شعبنا ، ونكثه العهود التي كان قد قطعها، وتجاوزه للخطوط الحمر التي كان قد وضعها،  ذلك كان موقف مختلف أطراف الوضع الدولي التي اعتبرناها صديقة للشعب السوري وطالبناها بالتدخل العسكري المباشر في بلدنا لإسقاط النظام ، كوننا نحن البديل الجاهز والموحد والمؤهل القادر على تحقيق مطالب الشعب السوري في بناء سورية الجديدة ، دولة المواطنة الحرة المتساوية ، التي تأخذ مكانها في مسار الدول الديمقراطية الحديثة في مطلع القرن الواحد والعشرين !!!!! نعم لم تنفذ الدول الكبرى الضالعة في الشأن السوري ما طلبناه منها وتبين لنا لاحقا أن ما يرسم سياسات هذه الدول في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم هو مصالحه أولا وأخيرا، أما ماكان  يكرره الآخرون على مسامعنا بأن نحدد توجهاتنا  و نصوغ خططنا وبرامجنا على أساس إدراك سليم لموضوعة تقاطع المصالح فلم نكن نقتنع بذلك ولَم نكن نعيره أي اهتمام ، بل ذهبنا في مواقفنا وتصريحاتنا اليومية الى ما هو ابعد من  ذلك عندما حكمنا على مواقف تلك الدول التي كنا نعتبرها صديقة لنا ، بالتواطؤ ضدنا والتآمر علينا ووقوفها عمليا إلى جانب النظام السوري !!!!!!

إن الوضع الصعب الذي تعيشه بلادنا الْيَوْمَ ،  والذي تواجه من خلال استمراره كل المخاطر التي تهدد وحدتها السياسية والجغرافية  والمجتمعية ، إنما تدعونا نحن السوريين على تعدد  توجهاتنا السياسية والفكرية و تنوع  انتماءاتنا القومية والدينية والثقافية  ، وقبل ضياع الفرصة ، أن نتوافق جميعا على الاعتراف والإقرار بالأسباب  الحقيقية التي أوصلت بلادنا إلى هذا المأزق المصيري ، وأن نوحد رؤيتنا وجهودنا في ضوء ذلك بإرساء قاعدة الانطلاق التي  على أساسها يمكن صياغة برنامج الإنقاذ الوطني  الذي يكفل استعادة قرارنا الوطني المستقل وتحقيق تطلعات شعبنا ، تلك هي في رأينا الخطوة الأولى التي تعيد المسألة السورية كهوية شعب عمره آلاف السنين  ،وحقوق مشروعة سلبها الاستبداد وشوهها واغتالها ، وأهداف إنسانية وحضارية إلى موقعها الصحيح.

وكي يمكننا تحقيق ذلك لا بد لنا جميعا ان نتجاوز  البرامج والوسائل والأساليب واللغة التي استخدمناها طوال السنوات الماضية وأن نعود إلى ذواتنا الفردية والجماعية ونعترف بكل قناعة أن الأسباب التي أتينا على ذكرها ، كانت بلا ريب في رأس الأسباب التي قادت إلى أوضاعنا الحالية وأوضاع البلدان العربية الأخرى التي شهدت انتفاضات مماثلة في سياق ما سمي بالربيع العربي . لكن تلك الأسباب والعوامل ليست هي العامل الرئيس في فشل خططنا ومشاريعنا النهضوية لأن تلك الخطط والمشاريع السابقة والبرامج والمهمات التي طرحتها معارضاتنا منذ ست سنوات لم تنطلق من الاعتراف بالحقيقة الموضوعية التي مازالت مغيبة عن واقع الفعل حتى الآن وهي أزمة مجتمعاتنا المزمنة  والشاملة لكل جوانب تلك المجتمعات والتي جاءت تلك الانتفاضات لتكسر قيود الاستبداد والتخلف والتهميش والتبعية ، وتطلق مسارها نحو آفاق التنمية والتقدم والحداثة،

علينا أن ننطلق في كل برامجنا التحررية من التشخيص السليم لمعطيات الواقع الراهن  وهي تخلف بنيات مجتمعنا السوري السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والفكرية المزمنة  ،ذلك أن مجتمعنا كان ضحية استهداف وتعطل تطوره الطبيعي في شتى المجالات ،  حيث أنه لم تتح له مثل  هذه الفرصة من الحياة الديمقراطية النسبية إلا فترة وجيزة بعد الاستقلال وفي خمسينات القرن الماضي، . لقد كانت سورية في مقدمة البلدان التي أحرزت استقلالها الوطني من بين دول العالم الثالث ، والتي نجدها الْيَوْمَ قد قطعت أشواطا واسعة في مضمار التنمية والتقدم وفي مختلف الميادين.

إن أزمة مجتمعاتنا المزمنة التي لم نتصرف حتى الآن ، نحن القوى السياسية ،على أساس وعيها الوعي الصحيح سواء على  صعيد الفكر والتنظير أم على صعيد الممارسة والتدبير . إنما يرجع أساسها إلى فشل بلداننا حتى الآن في  بناء  الدولة الديمقراطية  ،أي الدولة – الأمة ، إذ لا يمكن بالتالي لأي مشروع إصلاحي نهضوي

أن يجد سبيله إلى التحقق والنجاح إلا إذا توجه الى معالجة  جذور الخلل العميق في بنية مجتمعاتنا وإلا إذا طرحنا جانبا كل المواقف والشعارات الدوغمائية الخلبية مثل سياسات حرق المراحل ، أو الإصلاحات الفوقية التي يمكن  أن يقوم بها مستبد عادل أو حزب واحد قايد ،!!!!

عمليا كي ننتقل من الحديث عن المنطلقات العامة التي حاولنا من خلالها شرح وجهة نظرنا في مواجهة الأزمة الوجودية التي تعيشها سورية الْيَوْمَ والانتقال إلى سورية التي نريدها ، سورية التي تشبهنا كما يعبر البعض عن ذلك ، والتي سنتناولها في مقال لاحق ، فإننا نكتفي الآن بالتأكيد على ثلاث دعامات لا بد من توفرها الْيَوْمَ قبل الغد من أجل السير الجاد في برنامج الإنقاذ الوطني: وأول تلك الدعامات أن نعود نحن السوريين للتمسك بهويتنا الوطنية التي ينبغي أن تعلو وتستوعب كل الروابط والانتماءات الأخرى ، وثاني تلك الدعامات أن يكون همنا الأول الْيَوْمَ و قبل الحديث

عن اي برنامج اداري او سياسي او اقتصادي ، ان نستعيد
وحدتنا الوطنية الممزقة وان نعمل على صيانتها وتصليبها باعتبارها تمثل العروة الوثقى لحيوية وقدرة شعبنا على التطور والتقدم والإبداع . وثالث تلك الدعامات التي نرى أنها تسهم في توحيد قاعدة الانطلاق المطلوبة هي أن يلتقي السوريون في مؤتمر وطني شامل يمثل كل توجهاتهم السياسية وقواهم المجتمعية دون اي احتكار او اقصاء او تهميش ،مؤتمر ينعقد تحت رعاية الأمم المتحدة ، يتدارس فيه السوريون الأوضاع الخطيرة و المأساوية

التي يمر بها بلدهم بكل أبعادها الدولية والإقليمية ، والذي سيوفر لهم في ضوء تجارب السنوات الست الماضية الفرصة المناسبة لوضع برنامج الإنقاذ الوطني والتحول الديمقراطي بالاستناد إلى قرارات الشرعية الدولية ذات الصِّلة ،





Tags:

للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org