وائل عصام: تفكير بالاستنزاف لا النصر


وائل عصام: القدس العربي

قبل نحو أربع سنوات، لم يبق لتنظيم «الدولة» من وجود في الرقة سوى موقع واحد هو مبنى المحافظة، إذ حوصر يومها بداخله من قبل أحرار الشام والنصرة، حينها كان التنظيم تعرض لحملة منسقة من قبل فصائل معارضة مرتبطة بالجيش الحر، أدت لإبعاد مقاتليه من كامل مناطق المعارضة غرب خط حماة حلب، لتخلوا اللاذقية وادلب والأرياف الشمالية والغربية لحلب وحماة من أي تواجد للتنظيم، الذي تراجع  لريف حلب الشرقي، وفي الرقة تمترس في هذا المبنى الوحيد، محاصرا من قبل اخوة المنهج الجهاديين، النصرة وأحرار الشام، قبل ان يتمكن وبشكل مفاجئ من استعادة الرقة كلها وتنفيذ حملة اعدامات كبيرة بصفوف عناصر أحرار الشام المنسحبين على طريق تل أبيض، واعدام قائد النصرة السابق الحضرمي.

وبعد تلك المرحلة، غدت الرقة معقل «الدولة الإسلامية»  الأول في سوريا، وشكلت تحالفات التنظيم العشائرية وانضمام كتائب محلية مسلحة، بعضها إسلامي والآخر كان ضمن الجيش الحر، شكلت عامل قوة مكن التنظيم من الهيمنة على معظم الريف الشمالي للرقة وصولا للحدود التركية، حيث طردت القوى الكردية من تل أبيض وحوصرت كوباني لثلاثة أشهر، قبل ان يتمكن الأكراد بدعم أمريكي كثيف وعلى مدى شهور من المعارك المتواصلة، من طرد التنظيم من معظم الشريط الحدودي واستعادة تل أبيض وعين عيسى ومعظم القرى المحيطة، لتستمر وتيرة التراجع العسكري وانحسار سيطرة التنظيم في محيط الرقة حتى الأسابيع الأخيرة، عندما غدت الرقة محاصرة من جميع النواحي عدا الجنوب، لتبدأ القوى الكردية المدعومة أمريكيا والمطعمة بمجموعات عربية، التوغل داخل الرقة والسيطرة على أكثر من حي شرق المدينة، في معركة قد يصمد بها التنظيم لعدة اسابيع، رغم ان فرص احتفاظه بالمدينة في نهاية المطاف تبدو ضئيلة، ما لم تحدث مفاجآت تتعلق بفتح جبهات جديدة متصلة بالرقة بغية تخفيف الحصار عنها ، وهو أمر يصعب تحقيقه في الوقت الراهن نظرا لموجة التراجع التي يعيشها التنظيم وفقدانه المطرد للأراضي، وتكالب جميع القوى المحلية المدعومة دوليا عليه في هذه العملية الجارية بالرقة، فكما ان الأكراد المدعومين أمريكيا يتقدمون شمالا وشرقا، فان النظام السوري المدعوم روسيا يتقدم من ناحية الجنوب الغربي للرقة، مضيقا الخناق حال وصوله للحدود الجنوبية للرقة، على خط الإمداد الوحيد المتبقي للتنظيم جنوب نهر الفرات. وكما في كل مرة، تروج أخبار عن اتفاقات لانسحاب التنظيم من مدنه المحاصرة في كل معركة كبرى، فقد تناقل النشطاء كالعادة أنباء عن اتفاق لانسحاب التنظيم من الرقة بوساطة عشائرية، الأمر الذي تبين لاحقا وكما في كل مرة، انه يخالف مجريات الواقع الماثل، وهكذا فان التنظيم، وعلى الأغلب، لن يترك الرقة قبل استنفاد قدرته على المقاومة حتى آخر رمق، وان اقتصرت قدرته هذه المرة على عدة اسابيع فقط، وهو لا يهدف للنصر في هذه المواجهة بل إلى الاستنزاف، كما يظهر من سياق تعامله مع المعارك السابقة. فبعيدا عن الخطاب الحماسي عن النصر الذي يروج بين أنصاره الشباب حديثي العهد بهكذا معتركات، فان القيادات العتيقة في التنظيم تدرك بلا شك ان فرص الصمود والبقاء في معاقل التنظيم الحضرية، تبدو محدودة في هذه المرحلة، فضلا عن النصر، لذلك فان ما يعملون عليه هو الاستنزاف واطالة المعارك، لتحقيق عدة مبتغيات، احداها هو ايقاع القدر الأكبر الممكن من الخسائر البشرية في صفوف القوات الكردية، على اعتبار ان قدرة تلك الميليشيات على التجنيد ليست كبيرة نظرا لمحدودية الخزين البشري للميليشيات الكردية في قرى الكرد شمال سوريا، مقارنة مثلا بالخزان البشري للمقاتلين في الميليشيات الشيعية العراقية، ولهذا تلجأ وحدات حماية الشعب الكردية في القامشلي وعفرين وغيرها من المناطق الكردية لفرض حملات تجنيد اجبارية وملاحقة الفارين من الخدمة العسكرية.

ورغم الروح القومية العالية والانتماء القوي للقضية الكردية الذي يتمتع به عناصر القوى الكردية المسلحة وحواضنهم الشعبية، إلا ان إطالة الحرب ستترك آثارها بلا شك على المجتمع الكردي محدود التعداد السكاني مقارنة بباقي مكونات سوريا، مما يدفع التنظيم مستقبلا لإدامة حرب الاستنزاف والهجمات الخاطفة، حتى بعد خروجه من الرقة.

وفي المقابل فان أعدادا قليلة من المقاتلين المدافعين المتحصنين بمدينة كالرقة، تكفي لإحداث خسائر بالقوة المهاجمة تصل لضعفي أو لثلاثة أضعاف، لذلك تبدو هذه العملية ترجح كفة القوة المدافعة بالنظر للنتيجة الاجمالية للخسائر.

 النقطة المتصلة بفائدة حرب الاستنزاف داخل المدن، بالنسبة لتنظيم يجيد قتال الشوارع كالدولة، تعود لحقيقة ان قدرة هذه الجماعات التي لا تملك غطاء جويا، تبدو معدومة في الصمود بمساحات مكشوفة، أو في قرى صغيرة، لذلك فإنها تفضل بالفعل خوض المعارك في تلك المدن الكبرى، ورمي كامل ثقلها العسكري في ساحة مهيأة ببنية عمرانية مناسبة لقتال الشوارع، لتقليل دور الغطاء الجوي المتفوق.

القضية الأخرى التي يبدو انها تشكل محور اهتمام  قيادات التنظيم، هي الحفاظ على الصورة النمطية لقوة التنظيم عسكريا، فالقدرة على البقاء في الموصل طوال هذه الأشهر، منحت التنظيم قوة دعائية كبيرة، مقابل منافسيه من القوى السنية الأخرى الذين عادة ما   ينسحبون سريعا من مواقعهم حسب تعبير التنظيم، كما حصل في مدينة حلب التي لم تطل معركة السيطرة على أحيائها الشرقية سوى بضعة أيام، رغم ان أحياء حلب الشرقية تعادل مساحة الشطر الشرقي للموصل نفسها الذي طالت معاركه لعدة شهور.

وهكذا فان حسابات الاستنزاف بمعركة الرقة هي التي تطغى على ما يبدو عليها، لا النصر، أو الحديث عن النصر، لكن العمل للاستنزاف، في مرحلة تتجه أكثر فأكثر نحو خسارة التنظيم لآخر معاقله الحضرية في دير الزور والرقة وتوجهه نحو الصحراء مجددا، لكن العمل من قبل التنظيم ينصب على إطالة المعارك، بانتظار ان تهب رياح لا تشتهيها سفن خصومهم، قد تخفف تركيز الهجمة عليهم، كما حصل عندما كانوا محاصرين في مبنى واحد في الرقة قبل أربعة أعوام!






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org