مازن كم الماز: ملاحظات على مقال ياسين الحاج صالح.. ملاحظات لإسلاميين حسني النية


مازن كم الماز: كلنا شركاء

علماني سوري يحاول محاورة إسلاميين حسني النية , أن يتحدث إليهم , حديثا أو حوارا يبقى من طرف واحد حتى اللحظة , و يوجه حديثه أساسا لإسلاميين حسني النية , فكما يقال : إنما الأعمال بالنيات , و طالما كان الحكم على الأفعال يعتمد على الشعارات التي ترتكب في سبيلها , و طالما قال الطغاة أنهم يقمعون و يقتلون في سبيل قضايا كبرى , و أن نواياهم كانت دائما حسنة مهما بلغت فداحة أفعالهم …..

يشرح الكاتب ما يعتبره حسن النية عندما يقسم الإسلام إلى إسلام سياسي و آخر حربي أو جهادي .. و أيضا عندما يفسر العلمانية بأنها ليست فصل الدين عن الدولة بل فصل الدين عن السيادة .. ثم يناقش الكاتب فكرة مركزية عند الإسلاميين , هي أنهم الممثلون الحقيقيون لأهل السنة و الجماعة أو للأمة عموما , فيقول أن العلمانيين “السنة” هم أيضا نتاج للاجتماع السني و التاريخ السني نفسه , مصدر شرعية الإسلاميين الذي يقر به الكاتب و يحاول أن يزاحمهم عليه , و لذلك يسمح لنفسه بالاعتراض على حكم الإبادة الذي أصدره الإسلاميون بحق العلمانيين , السنة على الأقل , ثم يحاول أيضا نقض حكم مشابه بإبادة غير السنة لأنهم مكون أصلي في مجتمعاتنا و ليسوا غرباء و لا ضيوف ..

يجري هذا الكلام بينما يدور حوار مشابه في الغرب عن الأصيل و الغريب و الوافد , حوار يكاد يستحضر نفس عبارات الإبادة و الاستئصال التي يرددها الإسلاميون لكن هذه المرة بحق أهل السنة و الجماعة أنفسهم , بل و معهم أعدائهم الشيعة , عبارات تدين الآخر لأنه آخر و تدعو لاستئصاله لم تسمع بهذه القوة منذ ألقى هتلر بملايين البشر في أفران الغاز .. و لا يوضح لنا الكاتب رأي الإسلاميين حسني النية في هذه الأحكام بإبادة من يعتبرونه وافدا و غريبا و ليس أصيلا عن مجتمعاتنا ..

و عندما يتحدث الكاتب عن موقف الإسلاميين من السلطة , يقول أنهم يريدون أن تكون لديهم أفضلية كبيرة سياسية و رمزية و حقوقية في السلطة العامة و المجال العام , لكن الإسلاميين في الواقع لا يبحثون عن أفضلية أيا تكن على غيرهم بل عن احتكار مطلق ليس فقط للسلطة و المجال العام بل أيضا لأصغر تفاصيل حياة الأفراد ..

و يحاول الكاتب أن يقنع الإسلاميين حسني النية بأن الدولة الحديثة بلا دين و أن عليها أن توفر حقوقا متساوية للجميع , و يستدرك : من الممكن تديين الدولة لكن فقط باستخدام عنف هائل , و يمكن أن نضيف : عنف دائم , عنف يقارنه الكاتب عن حق بالعنف الأسدي ضد مملوكيه ..

و يرى الكاتب في داعش إذلالا كبيرا للإسلام و المسلمين , و هذا ما يجب أن يترك التعليق عليه للإسلام نفسه ( لا شك أن إله داعش يسمع و يرى ما تفعله داعش و يستطيع أن يتحدث عن نفسه و لا يحتاجنا لذلك ) .. ثم يعتبر الكاتب أن تهرب الإسلاميين من إلغاء و إبطال نصوص أو أحكام العبودية و السبي و ملك اليمين هو مجرد تخاذل فكري و أخلاقي و حقوقي كبير من طرف الإسلاميين حتى من يعتبرهم حسني النية .. أن تستعبد أحدهم , أن تقمع و تسبي , هذا مجرد تخاذل فكري و حقوقي ؟ هل يجب أن يشعر ضحايا داعش و سباياها و رعاياها بشيء من الراحة لهذا ؟ هل الإسلاميون هم المتخاذلون هنا ؟ ..

ثم يدعو الكاتب الإسلاميين للتفكير “مليا” في جرائمهم و انصراف الكثيرين عنهم وصولا إلى النفور من دين الإسلام نفسه في حالات تتكاثر , و أخيرا و ليس آخرا يقترح عليهم أن يتصرفوا بانفتاح و تواضع و تحمل للمسؤولية .. يقول الكاتب أن زعم الجهاديين و غيرهم من الإسلاميين بأن كل ما هو حق يوجد عندهم “فقط” قد يكون تعريفا للظلامية , و هكذا نجد أنفسنا داخل لعبة لغوية تقوم على الإبهام و التورية : عن الفرق بين تعريف الظلامية و الظلامية نفسها …

و رغم وضوح الإسلاميين الفاقع لا يساعدنا الكاتب في فهمهم : لا ظلاميتهم ظلامية و لا استبدادهم استبداد , أما استعباد الناس و الرغبة في قمعهم و ذبح كل من يعارضهم أو يختلف معهم فكل ذلك مجرد إشارات أو مخاطر قد تقود لا سمح الله , إلى الظلامية و الاستبداد , لكن الأمل ما زال معقودا بأن يبدأ الإسلاميين , حسني النية , بالتصرف بمسؤولية و تواضع .. قد يكون من سوء النية تشبيه مثل هذا النقد مثلا بنقد قدري جميل قبل الثورة السورية لسياسات نظام الأسد النيوليبرالية بعد أن نسبها جميعا لموظف تافه في النظام كعبدالله الدردري ..

قد يبدو من حيث الظاهر أن نقد الإسلاميين يصب في دعاية ديكتاتوريات كنظام الأسد , لكن تزييف حقيقة الإسلاميين و تجميلهم في محاولة لدحض هذه الدعاية ليس في الواقع أفضل من محاولة تزيين نظام الأسد و أشباهه .. الناس أذكى من أن تستغبى .. يدرك كل من يستمع إلى دعاية الإسلاميين و إلى نقدهم المتردد الذي يبرئهم جزئيا و هو يستخدم بوفرة كلمات الحرية و العدالة أن حديث الإسلاميين , السادة الجدد , و حلفائهم عن حرية الناس و حقوقهم ليس سوى تورية جديدة لاستبداد جديد , قديما قيل : السيف أصدق أنباءا من الكتب ..

أهم ملاحظة هنا هو أن هذا الحديث لم يوجه للسوريين أنفسهم , بل لأسيادهم الجدد .. لم يعد أحد يشغل نفسه بمخاطبة السوريين أنفسهم , كل ما يحصلون عليه هو أن يذكروا في دعاية هذه القوة السلطوية أو تلك على أنها الممثل الشرعي و المدافع الحقيقي عنهم .. و اللافت للنظر أن هذا الحديث قد صيغ بنفس اللهجة الرسمية المعتمدة , في كل زمان و مكان , عند مخاطبة السادة : أكثر ما يمكن من تهذيب و احترام لحق السادة في قمع و اضطهاد الجميع و محاولة نصحهم بأن يكونوا أقل سلطوية و استهتارا بحياة و حرية البشر ..

لقد أساء البلاشفة لقضية انعتاق العمال أكثر بكثير من أسوأ الفاشيين , كانوا هم بالتحديد من مسخ حلم الانعتاق هذا ليس فقط إلى وهم بل إلى كابوس .. و يبدو أن الحرية التي طغت كشعار رئيسي لثورات الربيع العربي ستشهد نفس المصير اليوم على يد بلاشفة اليوم , الإسلاميين , وسط صمت أو تورية من يفترض أن ينتقدهم انطلاقا من شعارات الحرية و العدالة نفسها ..

أخيرا ,  لا نعرف كم سنحتاج من وقت للوصول أخيرا إلى خلق بديل آخر , جماهيري حقا , لا سلطوي , تحرري حقا , لكل هذا الجنون و الهراء السلطوي .. عندما سيمسك الناس بمصيرهم , أخيرا , دون جلادين أو سجون أو قضاة .. دون أن يعتبر أي شخص أن واجبه أو حقه أن يقمع الآخرين و يسرقهم أو يذبحهم , و أن واجبهم الطبيعي جدا هو أن يخضعوا له دون تردد …

دون أن يحتاج أي إنسان للدفاع عن حقه في النقد و الفعل و التفكير بحرية      






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org