العميد الركن أحمد رحال: من الرابح ومن الخاسر في اتفاق الجنوب؟؟


العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء

مما لا شك فيه أن الاتفاق الذي أٌعلن عن ولادته القيصرية عقب اجتماع أستانة5 الفاشل, وقبل بدء مؤتمر جنيف7 المتعثر, وترافق مع بدء اجتماعات قادة دول العشرين, وكان يٌراد من مهندسي هذا الاتفاق تقديمه كقطعة حلوى تزين طاولة الرئيسين “ترامب وبوتين” وكانجاز يمكن أن يشكل نقطة تلاقي الخصمين اللدودين الأمريكي والروسي.

وأمام الفشل الذريع لكل المساعي الدولية الخاصة بالشأن السوري, وأمام الاحتقان المرافق لهذا الفشل وانعكاساته على جبهات القتال, كان هناك من يريد جعله ملهاة جديدة تقلل من ارتدادات إهمال السياسات المتبعة دولياً على ردود أفعال قادة الداخل التي تتسم بالعاطفة أكثر الأحيان وعلى حاضنتهم الشعبية من خلفهم.

وقبل الخوض ببنود ومآلات الاتفاق كانت هناك عدة نقاط لافتة أبرزها هذا الاتفاق:

النقطة الأولى: أنه عندما توجد إرادة أمريكية وانغماس أمريكي أكبر لتحقيق إنجاز فالأمر قابل للنجاح, وتلك السياسات الأمريكية عكست خيبة أمل للسوريين بأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت ولا زالت قادرة على حسم تلك الحرب المجنونة التي تخوضها أطراف متعددة ضد الشعب السوري ومع ذلك تكتفي الإدارات الأمريكية المتعاقبة بالمراقبة والتدخل فقط لأهداف أمريكية داخلية أو عندما تتهدد مصالح بعض حلفائها دون اتخاذ أي خطوة حقيقية تكون غايتها إنهاء هذا الصراع أو البحث عن حل دائم يبعد الأسد ويوقف القتل.

النقطة الثانية: اتضح أيضاً أن أي حل بسورية يشترط حتماً وجود الطرفين الأمريكي والروسي, وأنه لا داعي لتلك الاجتماعات ذات الأرقام المتعددة والماراتونية التي تٌعقد في أستانا وجنيف, وأنه لنجاح أي حل في سورية يكفي فقط إرادة وتوافق أمريكي_روسي على أي حل ليجد طريقه للتنفيذ بعيداً عن كل السوريين وبضفتيهم المؤيدة والمعارضة بعد أن تخلى بشار الأسد عن كل ما يٌسمى سيادة, وكذلك المعارضة التي أصبحت خارج إطار النقاش وحتى التشاور.

النقطة الثالثة: أن هذا الاتفاق الذي عملت عليه قيادات عسكرية وسياسية, أمريكية وروسية على مدار أكثر من ثلاثة أشهر في العاصمة الأردنية “عمان” كان يٌراد منه أن يكون شمعة تنير اجتماع “ترامب_بوتين” الذي تٌرك دون جدول أعمال, وأمام إرادة مسبقة بإنجاح هذا اللقاء وخشية أن يخرج الطرفان خاويي الوفاض دون أي توافق حول الملفات الشائكة فقد تم تجهيز هذا الاتفاق ليكون المظلة السحرية التي تظلل الاجتماع.

الاتفاق الذي تم الإعلان عنه حول الجنوب والذي ينص على وقف إطلاق النار والابتعاد عن خطوط الاشتباك للطرفين وعودة جيش “الأسد” للثكنات, وانسحاب ميليشيات إيران لما يزيد عن 50كم (هناك من قال 30كم فقط) عن الحدود مع الأردن جنوباً وعن الحدود مع الجولان المحتل في الجنوب الغربي من سورية واحتمالية عودة المهجرين من الأردن, والبصمات الإسرائيلية لم تغب عن الاتفاق وكانت واضحة على معالمه وعلى بنوده وخفاياه, وإن كان الأردن يشاطر إسرائيل نفس المخاوف من الوجود الإيراني على حدوده, فـ أيضاً الشعب السوري يتلاقى معهما بنفس الهواجس والمخاوف لكن ليس بإبعاد إيران وميليشياتها عن الجنوب والجنوب الغربي من سورية فقط بل عن كامل الأراضي السورية, وتبقى هناك نقطة غاية بالأهمية أخفاها الطرفان وبدأ كلاً منهما بالشروع بالتحقق منها وهي أن هذا التوافق يعتبر بمثابة اتفاق اختبار النوايا لكل من موسكو وواشنطن.

فموسكو تريد انغماساً أمريكياً أكبر ليس فقط بالملف السوري بل بكافة الملفات العالقة بين العاصمتين, وتريد أن تفتح (وتبازر) على كافة الملفات الشائكة التي تقلق ساسة الكرملين بدءاً بالعقوبات الاقتصادية مروراً بشبه جزيرة القرم وأوكرايينا, عبوراً إلى الدرع الصاروخي وانتهاءً بمصير نظام الأسد ومستقبل سورية, وبالتالي فتلك الملفات جعلت من هذا الاتفاق نقطة البداية لاختبار موسكو لنوايا واشنطن المستقبلية.

أما واشنطن فتريد أيضاً أن تختبر مدى قدرة موسكو على ضبط الإيقاع العسكري لحلفائها المنخرطين بالقتال في سورية, ومدى قدرتها بشكل خاص على لجم “قاسم سليماني” قائد فيلق القدس, وكذلك ضبط تحركات وانتشار ميليشيات “حزب الله” التي أصبحت تقاتل على كل الجبهات وبأوامر إيرانية مباشرة, وبالتالي فمن بوابة هذا الاتفاق تراقب موسكو قدرة شريكها بالاتفاق على الضبط والتنفيذ والتطبيق والمراقبة أيضاً.

الرئيس الروسي “بوتين” يدرك تماماً أن لقائه الأول مع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” سيزيد من ثقل حجم الضغوط المطبقة عليه, واللقاء الأول بين الزعيمين هو فرصة للرئيس “بوتين” لفك العزلة الدولية عنه وعن اقتصاد موسكو المرهق, وبالتالي عليه الضغط بأقصى ما يستطيع لضمان نجاح المهمة الحالية الموكلة إليه, التصريحات الإيرانية الأخيرة حول الاتفاق والتي تعتبر فيها طهران نفسها بحل من أي التزام ما لم تشارك بصياغته مع وضع شروط إضافية لتطبيقه, هذا الأمر يقلق ويعري القيصر البوتيني ويكشف خلو جعبته من أي سيطرة على إيران ويفضح ادعاءاته ليتضح أن قرار بشار الأسد ما زال بالخزانة الإيرانية وليس في موسكو.

موسكو أرادت وكعادتها أن تتلاعب بأهداف ونوعية هذا الاتفاق بأن تقوم بتجييره وبما يتوافق مع أجنداتها وإعلامها وحتى أنها استخدمت نفس المصطلحات كالقول منطقة خفض التصعيد وكأن هذا الاتفاق هو أحد منجزات اجتماع أستانا الفاشل, أو القول أن الشرطة العسكرية الروسية منفردة هي من ستتولى مهمة المراقبة والتحكم بتطبيق بنود الاتفاق, لكن الخارجية الأمريكية كانت على دراية بتلك الألاعيب والفبركات فسارعت لإصدار توضيحات نفت فيها علاقة هذا الاتفاق بأي من مفردات اجتماع أستانا وحددت أن هناك مركزاً أمنياً_ عسكرياً سينشئ في عمان لضبط مراقبة الاتفاق وأن منظومة الاستطلاع الجوية الأمريكية ستشارك بمراقبة خطوط وقف إطلاق النار, وأنه قد تكون هناك قوى أممية تساهم بمراقبة دقة الالتزام وحتى قد يشمل الاتفاق دخول قطعات ووحدات عسكرية من الجيش الأردني لتأمين حسن الرقابة والتنفيذ.

الاتفاق الجنوبي انقسم السوريون على تقييمه بين ممتعض ومشكك وموافق بحذر وأدى نوعاً ما لحصول شقاق وبعض التراشق الإعلامي بين قادة فصائل الشمال والجنوب, بين باحث عن نقطة بداية يمكن تعميمها لكامل الأراضي السورية (الجنوبيين) وبين باحث عن حل كامل لا يستثنى أي بقعة جغرافية من الأرض السورية (الشماليين).

لكن بنظره إنسانية لا تخلو من التفاؤل الحذر يمكن القول أن هذا الاتفاق وبالدعم الدولي الذي يحظى به يمكن أن يشكل حالة إنسانية تخفف من معاناة أهلنا السوريين المهجرين بالأراضي الأردنية والذين يعانون من الغربة وتقصير من المجتمع الدولي بتأمين أبسط مقومات العيش الإنساني, أيضاً يمكن لتلك التجربة أن تٌعمم على بقية المناطق إذا ما وجدت طريقها للتنفيذ الصحيح والالتزام بها بعد مراعاة عدة شروط أساسية:

1- ألا يكون هذا الاتفاق نقطة التفاف أسدية إيرانية بتثبيت القتال على الجبهة الجنوبية مقابل التفرد ببقية الجبهات, أي بمعنى لا يمكن لمقاتل أو لإبن الجنوب السوري أن يقبل بالاستقرار والأمان وتوقف القتال في مناطقه على حساب نقل جهود القتل الأسدية والإيرانية لجبهات الغوطة وبادية السويداء أو أي جبهة أخرى على البقاع السورية, وبالتالي يجب المسارعة لإنجاز اتفاقات مماثلة تشمل الجميع وبما يتوافق مع مصالح الشعب السوري وليس عبر خدعة المصالحات التي تنشدها موسكو ويتمناها الأسد.

2-أيضاً وبمقارنة وعبرة من كل تجارب الهدن السابقة يظهر بشكل جلي أن أي هدنة أو وقف إطلاق نار لا تترافق مع مشروع حل سياسي ينهي معاناة السوريين ويحقق أهدافهم وتطلعاتهم التي خرجوا بثورتهم من أجلها فمصيره الفشل, وأيضاً يجب أن يحقق هذا الحل العدالة الانتقالية عبر محاسبة كل من أجرم بحق السوريين ويٌخرج كل المرتزقة والقتلة والإرهاب العابر للحدود الذي استقدمه بشار الأسد وبوتين إلى الأراضي السورية.

3- يجب مراقبة بنود الاتفاق وتطبيقها بحزم مع إنشاء قوة عسكرية تتمتع بسلطة الرقابة والحساب لمنع نظام الأسد وإيران وحلفائهم الذين اعتادوا نقض كل التعهدات في اللحظة التي تنتفي فيها مرابحهم من أي اتفاق أو هدنة أو وقف إطلاق نار.

في ميزان الربح والخسارة فبشار الأسد يعتبر أي اتفاق أو حل لا يقتلعه من كرسي السلطة هو انتصار له ولزمرته السلطوية الحاكمة بعيداً عن تشدقه بالسيادة المخترقة من عشرات الدول والميليشيات, أما الثوار فيجدون أي توقف للقتل يخفف معاناة أهلهم المهجرين هو انتصار أيضاً على مشاريع القتل التصفوية التي تنتظرهم عبر أجندات الأسد وبوتين وملالي طهران وحسن نصر الله وقاسم سليماني.

العميد الركن أحمد رحال

محلل عسكري واستراتيجي





Tags:

للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org