د. محمد حبش: سقطت داعش فهل سقطت أفكارها ومناهجها؟


د. محمد حبش: كلنا شركاء

تبخر البغدادي !! ولكن هل تبخرت أفكاره من مدارسنا؟

لا توجد نهاية للتحليللات التي فصلت القول في قيام داعش وسقوطها، ومن اليقين ان نقول إن قيامها وسقوطها كان مؤامرة دنيئة فاجرة، وأنها أبشع أشكال فجور السياسية العالمية ومكرها وتوحشها، وفي هذا السياق يرد كل ما قاله الخبراء والمحللون عن المؤامرة العالمية في ولادة وأفول داعش….

ولكن التسليم بألف مؤامرة لا يلغي مسؤوليتنا المباشرة عن الكارثة، ولا يعفينا من الموقف المسؤول عن المناهج التي تسببت في ولادة داعش والتي لا تزال مستعدة لتشكيل داعش من جديد.

الدواعش لم يهبطوا من السماء ولم ينبعوا من الأرض، إنهم بصراحة أبناء خيباتنا وثقافاتنا الداشرة، ومهما كان حجم الكيد الدولي فلا يمكن لأحد ان ينكر أن معظم أفراد المجموعات المتطرفة محليون، وهو توحش مارسه الأفغاني في أفغانستان والجزائري في الجزائر والسوري في سوريا والليبي في ليبيا والعراقي في العراق، ولا فائدة منهاجياً أن نتحدث عن السوبر فايزر العابر للجنسيات فالموضوع محلّي بواقع أكثر من ثمانين بالمائة على أقل تقدير.

ومع أنني أرد سبب ظهور داعش أساساً إلى الظلم الذي مارسته انظمة الاستبداد، وأكدتُ مراراً أن الأفكار المتطرفة وحدها لم تكن لتخلق هذا العنف المتوحش لو كان في البلاد قدر مقبول من العدالة والديمقراطية، ولكنني لا أزال أعتقد ان المناهج التعليمية خاصة في المدارس الدينية لا زالت تكرس ثقافة العنف والرق والتكفير باشكال متعددة لا بد من مواجهتها بصراحة وشجاعة.

لن أزيد في هذا المقال الموجع عن مثال واحد لمسؤوليتنا الحقيقية المباشرة في ولادة التطرف وهو ممارسة السبي المتوحش.

مارس داعش السبي علانية، وزودت وكالة أعماق المجتمع الدولي بصور موثقة للغنائم الشرعية التي غنمها المجاهدون، وفيها مال وأطفال ونساء، وقد أدى هذا الفعل المتوحش إلى خروج الناس من دين الله أفواجاً، ومع ذلك فلم نسمع أن مؤسسة إسلامية تجرأت أن تقول إن هذا الفعل المتوحش ليس من الإسلام، بل ظلت المدارس الشرعية تدرسه على أنه فعل حكيم يشتمل على رحمة عظيمة بالنساء!!  وأن ملك اليمين ممارسة حكيمة مذكورة في القرآن الكريم 22 مرة، وأنها موجودة في بيت النبوة وفي تراث السلف الصالح، وأن السبي له دور عظيم في نشر الفصيلة ومنع الفاحشة!! وأنه من مظاهر رحمة الله بالمؤمنين!

كل المواقف التي صدرت عن المؤسسات الشرعية الكبرى تحدثت عن سوء تطبيق داعش للسبي، وعدم أهليتهم لتطبيق الأحكام الشرعية!! ولكنها ظلت تتخفظ على القول بالتحريم أو النسخ، وتكرر القول إن السبي من محاسن الإسلام ولكنهم يسيئون تطبيقه!!

وحتى لا أتهم بالمبالغة فإنني أقدم لكم هذا النص الحرفي لفتوى الشيخ  صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء في السعودية وهي فتوى أعيد نشرها على قطاع واسع بعد ارتكاب داعش للفظائع، وتمت طباعتها ونشرها وتوزيعها باموال المتقين ومن مصارف الزكاة وفي سبيل الله!!

وفيه يقول: السبي مرتبط بالقرآن ولا يمكن إلغاؤه طالما استمر الجهاد في سبيل الله، وهو حكم الله، لا محاباة ولا مجاملة لأحد ولو كان الرق باطلا لكان الإسلام قد صرح بذلك كما فعل في الربا والزنا، فالإسلام شجاع ولا يجامل الناس.

ولا يذهب بك الظن اننا نتحدث عن فتوى شاردة، بل الرجل يكرر ما تلقنه المدارس الدينية التقليدية، التي لا تزال تدرس احكام السبايا بتفاصيل مخجلة، وأنا أتحدى أن تكون مدرسة شرعية واحدة أو أن معهداً أزهرياً واحداً من مدارسنا قد أحدثت فصلاً بعنوان: تحريم السبي وملك اليمين والاتجار بالبشر!!

ولعلك تسألني سؤالاً منهاجياً: كيف يسوغ أن تتحدث عن تحريم ما أحله الله، وكيف يمكن لمدرسة شرعية ان تعلم طلابها خلاف ما تدل له نصوص الشريعة القاطعة؟ إنك تحملهم ما لا يطيقون، وما معنى أن تكون مدارس إسلامية إذا كانت ستدرس المناهج العصرية؟

ومع أننا لسنا في صفحة حوار فقهي ولكن الوصول إلى هذه الغاية النبيلة المنطقية لا يستلزم أبداً الانقلاب على قيم التعليم الشرعي بل هو هدف حقيقي للفقه الإسلامي، وسأقدم في هذه العجالة بعض وسائل الفقهاء الكرام لتحقيق ذلك:

التحريم بالقرآن: باعتبار النص الأخير الذي نزل في الأسارى وهو ينص على منع الاسترقاق كله، وهو قول الله تعالى: فإما مناً بعد وإنما فداء حتى تضع الحرب أوزارها، وقد قيدت الآية خيارات الدولة المسلمة في أمر الأشارة بواحد من خيارين اثنين ليس إلا، وهما المنُّ أي الإطلاق بلا عوض، أو الفداء وهو الإطلاق بعوض، وهو المعمول به اليوم في كل الاتفاقيات الدولية، وهو نص ناسخ يستوفي شروط النسخ على كل استرقاق مزعوم.

التحريم بالسنة: استناداً إلى سلوك النبي الكريم يوم حنين، فهو آخر عهده بالسباء، وقد وقع في يده 6500 امرأة أسيرة يوم حنين ولكنه منع السبي بشكل قاطع، ولم يأذن لأحد بسبي أية امرأة على الرغم من التهديدات الجدية التي واجهها من الأعراب والطلقاء الذين كانوا يريدون السبايا وأوشكوا أن يرتكبوا تمرداً عسكريا ضد الرسول، وأنصح بشدة دراسة غزوة حنين وأسرى الجعرانة الذين كانوا مشروع سبايا ولكن الرسول ناضل شهرين اثنين بالليل والنهار حتى ردهن جميعا لأهاليهن ولم تسبَ منهن امرأة واحدة وهذا آخر حدث في تاريخ النبي الكريم وقع فيه أسرى من المشركين.

التحريم بالاستحسان: وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، تأسيساً على حق ولي الأمر في تحريم بعض المباح، وهو أصل تتفق فيه المذاهب الأربعة، وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وقد أصبحت مسألة حقوق الإنسان شأناً اتفاقياً في الدساتير الإسلامية في سائر بلاد المسلمين.

وقد أوجب القرآن الكريم الوفاء بالعهد، وأوجب على الأمة الطاعة فيما اختاره ولي الأمر، وقد وقعت الدول الإسلامية بلا استثناء على اتفاقية منع الاتجار بالبشر، وكان آخرها موريتانيا التي وقعت على الاتفاقية 2014 وبذلك فقد أصبحت إجماعاً للمسلمين، وموقف السواد الأعظم، والتزاماً بالعهود التي أمر الله تعالى بها.

التحريم بالإجماع: إن إقرار الدول الإسلامية كافة لاتفاقية منع الاتجار بالبشر يجعل هذه المسالة في حكم ما وقع عليه الإجماع، خاصة أن هذه الدول الإسلامية تتضمن في هيئاتها التشريعية آلاف الفقهاء ورجال الدين وعلماء الشريعة، وذلك كله كاف للقول بثبوت منع الرق كله بالإجماع المعتبر شرعاً

التحريم بالمآل: وهي قاعدة فقهية نفيسة فصلها الإمام القرافي المالكي في الفروق وفيها النص على الحكم بالشيء نتيجة مآله، وفي القرآن الكريم من هذا الباب: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم، ومع أن محاربة الأصنام التي تعبد من دون الله أصل في الشرع، ولكن القرآن نهانا عن ذلك إذا كان يرتب في المآل عكس مراد الشارع، وكلنا يعلم أن مآلات السبي الذي مارسه الدواعش هي الإجرام والتوحش والإساءة للدين والظلم الفاحش.

التحريم بسد الذرائع: وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل والامام مالك رحمهما الله، وهو شبيه بما سبق، وكلنا يعلم أن هذا العمل المتوحش فتح ذريعة رهيبة من الظلم والعدوان والفحشاء وتسبب في أشكال من الردة بعد الإيمان وهذه كلها من أخطر الفواحش.

ألم يكن من واجب المدارس الشرعية والجامعات الإسلامية أن يكون لها موقف واضح في تحريم السباء، وأن تقدم الجامعات الإسلامية مئات البحوث الأكاديمية ورسالات الدكتوراة والماجستير في تحريم السبي كله بدلاً من المراوغة وتشقق الألفاظ.

لا أعلم أن جامعة إسلامية واحدة أذنت لطالب أن يبحث عنوان تحريم السبي في الإسلام، والتأكيد على توحشه وهمجيته ولا إنسانيته، وقناعتي أن أي اقتراح يقدمه طالب ماجستير او دكتوراه في هذا السبيل سيواجه من أساتذته بالرفض، وسيتم تعديل العنوان إلى خيارات أخرى مثل: منهج الشريعة السمحاء في إصلاح السبي، أو موقف الفقهاء في أحكام ملك اليمين، أو موقف الفقه الإسلامي من الإحسان إلى السبايا وحماية حقوقهن.. وغير ذلك من المداورات، وسنظل جبناء إلى أن نقول الحقيقة الواضحة كعين الشمس وهي أن السبي كفر وحرام وجنون وردّة ونذالة وسفالة وحقارة وسادية وسايكوباثية وإجرام وتوحش!!!

يجبنون عن تحريم السبي ووحشيته، ولكنهم يعلنون بغضب ونزق تحريم الموسيقا والغناء والتصاوير وتحريم سفور المرأة أو مصافحة النساء أو النامصة والمتنمصة؟

قبل اسابيع أصدرت هيئة دينية رئيسية في سوريا بكامل هيئتها الموقرة بياناً نارياً ضد كاتب من أتباعها يكتب في تحريم السباء وملك اليمين ونقد التراث واعتبرته مارقاً وخارجاً على الإسلام كله، ولكنها لم تكتب بياناً واحداً في تجريم سلوكيات داعش في الاسترقاق والسبي، وعادت ببساطة إلى تدريس الحكمة والرحمة في ملك اليمين في مناهجها التعليمية!!

داعش التي تترحل اليوم هي فصل واحد من خيباتنا وخطايانا، وهي عن قريب ستعود في فصل قادم ظالما كنا لا نزال نستر الشمس بالغربال وندفن رؤوسنا في الرمال ونرفض الاعتراف بالحقيقة القاطعة وهي أن في مناهجنا ما يكرس السبي تحت عنوان غنائم المجاهدين، ويكرس العنف تحت عنوان الجهاد، ويكرس التكفير تحت عنوان العقيدة.

أكتب ذلك بمرارة وأنا على يقين بأن الأمة الإسلامية بمجملها وبدينها الشعبي وفطرتها السليمة أمة كارهة للعنف والسبي والرق، وأقول بدون تردد إن السواد الأعظم من المسلمين بات مقتنعاً أن هذا الفعل توحش وهمجية لا يليق بالإسلام ولا بأي دين لا من قريب ولا من بعيد.

إننا أمة مثل الأمم، وشعبنا طيب ورائع مثل كل الشعوب، ولكن مدارسنا الدينية (على الرغم مما أنجزته جزئياً من إصلاح) لا تزال مكبَّلة بتابو التوجه السلفي الصارم في وجوب اتباع السلف والوقوف على ما وقف عليه الأولون، والعجز عن القفزة الصحيحة خارج القفص العتيق إلى حقوق الإنسان وعدالة الإسلام.





Tags:

للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org