محمد زاهد غول: لا حرب بين روسيا وتركيا في عهد بوتين وأردوغان


محمد زاهد غول: القدس العربي

يقال في المثل العربي «لا دخان من غير نار»، وعندما يقول خبير أمريكي قبل أيام قليلة: «إن أمريكا والناتو يخططان لخلق صراع عسكري بين روسيا وتركيا والإطاحة بأردوغان»، فإن ذلك عبار عن دخان من تحته نار في الغرب، تعمل ضد تركيا وروسيا معاً، بسبب التقارب المتسارع بينهما.

فقد أكد المحلل الاستراتيجي الأمريكي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة سان فرانسيسكو فيليب كوفاسيفيتش، أن الاستراتيجيين الأمريكيين، وفي حلف الناتو يخططون لخلق صراع عسكري بين روسيا وتركيا من أجل مصالحهم الجيوسياسية. وحذر الخبير الأمريكي من محاولات أمريكية للإطاحة بالرئيس التركي أردوغان، مشيرا إلى أن الحركة الاحتجاجية ضده في تركيا ستصبح أكثر صخباً، عبر ما سماه الطابور «الخامس القوي»، وهو يقصد بعض القوى السياسية والاقتصادية الداخلية التي تعمل وفق مصالحها الشخصية أو الحزبية، المرتبطة مع مصالح الساعين في الغرب للتحكم بتركيا سياسيا واقتصاديا وعسكريا وغيرها، أي مع القوى التي تعمل لمصالحها الشخصية، وهي تدعي معارضتها لسياسات الحكومة التركية، مثل تنظيم غولن، وبعض أحزاب المعارضة التي تنفذ أجندة غربية لإسقاط أردوغان، كما صرح بذلك كلجدار أغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري في المعارضة التركية.

من أهم ما استند إليه كوفاسيفيتش من وجهة نظره، الانقلاب الفاشل الذي وقع في تركيا عام 2016، ضد مشروع الرئيس أردوغان، وكان يهدف لإنهاء حكمه السياسي أولاً، لتمرير مشاريع غربية حال نجاح الانقلاب، لإخضاع الاقتصاد التركي للإشراف الغربي مرة أخرى، لفشل الدول الغربية تحقيق ذلك من خلال ضغوطها على الحكومة التركية، وهو ما عبر عنه الرئيس أردوغان أكثر من مرة بقوله: «إن تركيا التي كانت تسمع للأوامر الغربية لم تعد موجودة»، فقد مرّ على الشعب التركي قرن كامل تقريبا وهو يصارع من أجل استقلاله السياسي الحقيقي، وأن يكون قراره السياسي بأيدي حكوماته المنتخبة الديمقراطية الشرعية، وليس بأيدي العواصم الغربية، وحتى تكون مشاريعه الاقتصادية لمصالح الشعب التركي نفسه، وليس للأطماع الرأسمالية الغربية، وحتى تكون مظاهر الحياة الاجتماعية في المدن التركية جميعها مشاعر وتقاليد اجتماعية تركية أصيلة وحضارية، وليس تقليدا للحياة الغربية، فتركيا دولة أوروبية في موقعها الجغرافي ولكن لشعبها هوية دينية وحضارية خاصة، كما أن من حقه أن يضع خططه الاقتصادية وبرامجه التنموية بدون معارضة ولا تقييد من أحد.

وعودة إلى آراء كوفاسيفيتش، فإن منها ما هو صحيح ومعروف لدى الشعب والقيادة التركية، ومنها ما هو غير صحيح ولا مقبول لديهما، فالدول الغربية وأمريكا التي تجمعهما منظومة حلف الناتو العسكري يريدان بقاء تركيا دولة خادمة لحلف الناتو فقط، والحال نفسه بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فمساعي العضوية الكاملة للاتحاد الأوروبي مجمدة الآن، لأن دول الاتحاد الأوروبي الكبرى غير جادة بضم تركيا للاتحاد الأوروبي، وقد عبر عن ذلك بابا الفاتيكان ذات مرة صراحة قائلا بأن الاتحاد الأوروبي هو بيت مسيحي خالص، ولتركيا بيت آخر في الشرق تنضم إليه. أما الرؤساء السياسيون فقد كانت تصريحاتهم ضد انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي أكثر تحديا ورفضا، من رئيس الوزراء البريطاني السابق كاميرون الى تصريحات الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي، إلى الألمانية والهولندية وغيرها.

هذا التشخيص للعداء الأوروبي للسياسة التركية الحرة متفق عليه، وكذلك محاولة الغرب وأمريكا والناتو إيجاد وقيعة بين تركيا وروسيا، إن لم تكن في الصراع العسكري أولاً وقبل غيره، فلا أقل في الصراع السياسي والاقتصادي بينهما، لأن ذلك سيمكن الغرب من فرض عقوبات أقوى على روسيا أولاً، بحيث تكون ذات تأثير على المجتمع والاقتصاد الروسي، وكذلك في مرحلة لاحقة على القرار السياسي والاقتصادي في تركيا، وفي هذه الصدد يمكن القول بكل ثقة إن الناتو وامريكا فشلا في إشعال فتيل حرب بين تركيا وروسيا في اعقاب إسقاط الطائرة الروسية سوخوي عام 2015، وسبب ذلك أولاً حكمة وحنكة الرئيس الروسي بوتين، الذي أدرك بحسه الاستخباراتي والأمني والاستراتيجي أن إسقاط الطائرة تم بأوامر صادرة من امريكا، وقالت روسيا ذلك صراحة في الأيام الأولى للحادثة، ولكن تركيا نفت ذلك حتى ظهور أدلة أخرى على صحة الادعاء الروسي، بعد أن تبين للحكومة التركية ان الطيارين التركيين اللذين قاما بمهاجمة الطائرة الروسية كانا من تنظيم فتح الله غولن، الذي يقيم في أمريكا وعلى صلة وثيقة بالمخابرات الأمريكية، بحسب تصريحات صريحة للرئيس الروسي نفسه أيضاً، فانكشاف هذه الأدلة هو تورط صريح للمخابرات الأمريكية بإحداث وقيعة بين روسيا وتركيا. أما الناتو فقد سحب منظومة صواريخ باتريوت من تركيا في خضم الأزمة بين روسيا وتركيا، وأعلن أنه لن يدافع عن تركيا إذا قامت بعمل عسكري ضد روسيا، وفي ذلك إشارة لروسيا بأن الناتو لن يدافع عن تركيا إذا قام الرئيس الروسي بوتين بالانتقام العسكري من تركيا على خلفية إسقاط الطائرة.

في المقابل كانت حكمة الرئيس التركي أردوغان بمعالجة هذا التطور الخطير، بأن تحمل مسؤولية إسقاط الطائرة أولاً، لأنها دخلت الأجواء التركية فعلاً، ولم تستجب للتحذيرات التركية ثانياً، وبتحمل مسؤولية معالجة هذا الخطأ الذي اعتبرته روسيا طعنة في الظهر من دولة صديقة، فالرئيس التركي والحكومة يملكان الشجاعة الكافية لمعالجة أعمال تعتبرها دولة صديقة مثل روسيا خطأ كبيرا في حقها، وتمت المصالحة بينهما بعد عدة أشهر، وما أغاظ الغرب أكثر ان المصالحة تحولت إلى تفاهمات سياسية واقتصادية كبيرة، بل تجاوزت الخطوط الحمر الأمريكية وحلف الناتو، بان اخذت الحكومة التركية تبحث عن مشاريع التعاون العسكري مع روسيا، بالسعي لشراء منظومة دفاع جوي متطور جدا من روسيا، وهي منظومة صواريخ س400، وحيث أن الحكومة الروسية حريصة على تنفيذ هذه الصفقة لمكاسب استراتيجية، بإبعاد تركيا عن حلف الناتو والغرب بأكبر قدر ممكن، فاتجهت الحكومة التركية للاستفادة من العرض الروسي للمشاركة في بناء هذه المنظومة الدفاعية المتطورة في تركيا.

إن إشعال فتيل حرب بين تركيا وروسيا لم يعد ممكنا في عهد الرئيسين بوتين وأردوغان، فكلاهما مدرك للمكائد الغربية، وأمريكا تعمل بأخطاء استراتيجية كبيرة على حساب حليفها التركي بإقامة كيان سياسي للأكراد في سوريا غير قابل للحياة إلا بالقوة العسكرية، والشعب السوري لن يقبل في الحاضر ولا في المستقبل مثل هذا الكيان الغريب، وكل التغييرات الديمغرافية التي تشرف عليها أمريكا لصالح قوات حماية الشعب الكردية لن تنجح، والخطورة أن الشعب الكردي سيكون ضحية هذه المشاريع، وأمريكا وهي تعلم إستحالة استقرار مثل هذا الكيان الكردي في سوريا، فإنها تخطط لبقاء الحروب المستمرة في سوريا لعقود مقبلة، وقد اختارت منذ سنوات قليلة استراتيجية القتال بأيدي غير أمريكية لتحقيق أهدافها ومصالحها، وهذا يقلل خسائرها أولاً، ويجني لها أرباحا كبيرة في مبيعات الأسلحة وغيرها.

تركيا بحاجة إلى روسيا استراتيجيا إذا كانت جادة بإيجاد عالم متعدد الأقطاب أولاً ، واكثر عدالة في معالجة القضايا العالمية ثانياً، وزيادة التعاون الاستراتيجي السياسي والاقتصادي والعسكري مع روسيا مهم طالما كانت روسيا جادة في التعاون مع تركيا لتحقيق أهدافها، فهي بحد ذاتها أهداف روسية أيضاً. تركيا بحاجة لروسيا في عملية شق طريقها الصعب في الصعود الدولي، وأمريكا والدول الاوروبية سقطت في اختبار تأييد تركيا في أكبر اختبار ديمقراطي في تركيا، وثبت للشعب التركي أخيرا أن الادعاءات الأوروبية بحماية الديمقراطية والحقوق الانسانية والحريات، مجرد ادوات يستخدمها الغرب لتفكيك المجتمعات غير الغربية، بدليل أنها تؤيد أحزاب وشخصيات المعارضة التركية التي تعمل ضد أوطانها بالحجج العصرية، فالعبرة في نظر الدول الغربية لمن يعمل لخدمتها وليس من يعمل لمصالح شعبه، سواء كان ديمقراطيا أو ديكتاتوريا.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org