بسام مقداد: لاجئون سوريون في روسيا


بسام مقداد: المدن

انتشر في اليومين الأخيرين على الفايسبوك الروسي شريط فيديو يدعو الناشطين لمساعدة نجوى ، الفتاة السورية النازحة وعمرها 10 سنوات ، للعودة إلى مدرستها الروسية في الأول من أيلول .  ويطلب الشريط من الناشطين تحويل مبلغ 100 – 200 روبل (1,5 ــــــ 3 دولار ) إلى حساب معين من أجل مساعدة نجوى ، التي تخجل من أنه ليس لديها ما ترتديه للعودة إلى مدرستها . وحين طُلب منها أن تكتب على ورقة ما الذي تحلم به ، كتبت بالروسية بأنها تريد تنورة وقلماً ، ولم تأت على ذكر لا الشنطة المدرسية ، ولا أي شيئ آخر ، لأن ذلك “كثير عليً” .

أسرة نجوى لا تستطيع أن تساعدها ، لأنها لا تستطيع العمل دون الحصول على صفة لاجىء التي يرفضون منحها لها ، ويطلبون منها العودة إلى سوريا ، على الرغم من أنه ليس من مكان يعودون إليه .

الوجبة المدرسية تكلف 60 روبلاً ( دولار واحد) ، لكن نجوى لا تستطيع الحصول عليها مجاناً ، لآنها بحاجة إلى إفادة فقر حال أسرتها ، التي لا تستطيع أن تحصل عليها بسبب غياب صفة “لجوء مؤقت في روسيا” . تحصل الأسرة على مبلغ 350 روبلاً في الأسبوع (6 دولارات) ، وهو مبلغ كبير بالنسبة للأسرة ، كان يسمح لنجوى تناول الوجبة المدرسية مرتين في الأسبوع خلال السنة الماضية .

طرح شريط الفيديو هذا ، من جديد، مسألة العلاقة بين روسيا والنزوح السوري. روسيا ، التي دمرت مدن السوريين ومدارسهم ومشافيهم ، أوصدت أبوابها في وجه نزوحهم ، وجعلت من غير السهل عليهم بلوغ حواضرها والإقامة فيها ، كما ينقل أحد المواقع الإخبارية الروسية عن محللين روس . ولم تبخل روسيا في استخدام أقذع التعابير في وصف موجات الهجرة السورية إلى أوروبا ، فهم قبائل الهون ، وهم البرابرة الجدد ، الذين يغزون أوروبا ويسعون لتدميرها . وجهدت في استخدام ورقتهم ، مع سائر المهجرين الآخرين ، في سعيها لزعزعة الإتحاد الأوروبي ، وتعزيز مواقع أصدقائها من الفاشيين الأوروبيين .

في تحقيق لها عن اللاجئين السوريين في روسيا في أواخر نيسان/أبريل الماضي ، تقول الأسبوعية الروسية “فلاست” ، أن العدد الرسمي الحالي للمواطنين السوريين في روسيا يبلغ 12 ألف نسمة ، أو أقل من 0,1% من المواطنين الأجانب في روسيا . ويضم هذا العدد موظفي السفارة السورية وأفراد أسرهم والطلاب وسواهم ، ممن لا يطمح إلى صفة “المهجر” . كثيرون من هؤلاء تحولوا بعد اندلاع الحرب السورية إلى “مهجر في مكانه” بعد أن انتهت صلاحية وثائق إقامتهم في روسيا . ولدى محاولتهم تجديد هذه الوثائق ، دون مغادرة الأراضي الروسية ، تبين أن الأمر مستحيل ، كما هو شبه مستحيل أيضاً الحصول على صفة شرعية أخرى للبقاء في روسيا .

وتقول الأسبوعية أن عدد السوريين ، الذين تمكنوا من الحصول على صفة “مهجر” إبان كل فترة الحرب السورية ، هو اثنان فقط من بين مئات تقدموا بطلبات الحصول على هذه الصفة. وتعلل السلطات الروسية رفضها منح المتقدمين صفة “مهجر” بانتفاء ” خطر الملاحقة بسبب الإنتماء العرقي ، أو الديني ، أو القومي ، أو الإنتساب إلى فئة إجتماعية أو سياسية معينة ” .

في تقرير لها بعنوان “المهجرون السوريون في سوريا” ، نشرته في آخر العام 2016، تقول جمعية “المساندة المدنية ” الروسية غير الرسمية ، التي تهتم بالدفاع عن قضايا المهجرين في روسيا ، بأن إدارات الهجرة في وزارة الداخلية الروسية ترفض دائماً ، في الفترة الأخيرة ، منح السوريين حق اللجوء ، وتشير عليهم بالعودة إلى بلادهم . وتقول الجمعية ، أن الموظفين يبررون قراراتهم بالقول ، أنه لم يعد في سوريا من خطر يعتد به ، ويستندون في ذلك إلى ما تقوله كل من وزارة الخارجية ووزارة الدفاع الروسيتيين . وتشير الجمعية إلى حالات تم فيها إبعاد السوريين إلى تركيا ، بل ومحاولة إجبارهم على العودة إلى دمشق .

وتتحدث الجمعية في تقريرها عن الصعوبات ، التي يواجهها طالب اللجوء في الوصول إلى الدوائر المختصة وتحديد موعد للمقابلة الشخصية الإلزامية قبل البت في طلبه. وقد يتطلب تحديد الموعد بضعة أشهر، يكون وضع السوري خلالها غير شرعي ، مما يعرضه لكي يكون ضحية أي شرطي  قد يوقفه ويحيله للمحاكمة ، أو “ينظف ما في جيوبه ومحفظته ” ، بحجة أنه يبحث عن “أدوات خطرة” قد تكون بحوزة هذا السوري.

ويقول تقرير الجمعية ، أن طالب اللجوء ، الذي يحال إلى المحاكمة لغياب الوثائق الضرورية لديه ، قد يتم توقيفه لمدة تصل إلى عامين في معتقل خاص بالأجانب ، ويصطدم حينها بمشكلة إيجاد محام ومترجم ، غالباً ما يلعب هذا الأخير دوراَ سلبيا ، بتقديم نصائح ليست لصالح طالب اللجوء ، بما فيها نصحه برشوة المسؤولين .

اللجوء ، الذي تمنحه السلطات الروسية لطالبه ، هو لجوء مؤقت لمدة سنة ، يكون عادة من المستحيل تمديده . فقد نشرت جمعية “المساندة المدنية ” المذكورة على موقعها في حزيران/ يونيو الماضي خبراً بعنوان ” حدث نادر : سوري يمددون له “اللجوء المؤقت” في روسيا” . ويقول الخبر ، أن محكمة روسية مددت للسوري محمد ش. إقامته المؤقتة لمدة سنة ، بعد أن كان قد صدر في حقه قرار بإبعاده . والسوري محمد هذا متزوج من مواطنة روسية وله منها طفل يحمل أيضاً الجنسية الروسية . ووصفت الجمعية الحكم بأنه “انتصار كبير ، لأنهم يرفضون في الفترة الأخيرة تمديد الهجرة المؤقتة للسوريين بسبب ” انتفاء الظروف ، التي كانت تشكل الأساس لمنح اللجوء المؤقت”” .

وتجدر الإشارة، إلى أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ، كانت قد أصدرت في آذار/مارس الماضي حكمأ ألزمت روسيا بموجبه دفع مبلغ 95 ألف يورو لأربعة مهاجرين من سوريا والعراق وفلسطين والصومال ، أمضوا في قاعة الترانزيت في مطار موسكو مدة تتراوح بين خمسة أشهر وسنتين ، بانتظار حصولهم على “لجوء مؤقت” في روسيا . وتقول جمعية “المساندة المدنية ” في هذا الصدد ، أن روسيا هي سيدة الأرقام القياسية في الأحكام ، التي تصدرها المحكمة الأوروبية لحقوق الأنسان ، ومن بينها أن روسيا قد استقبلت في العام 2016 بصفة “مهجر” 39 شخصاً لا غير ، في ظل هذا السيل الدافق من النزوح في العالم هرباً من الحروب والجوع والقهر.

لقد تركت حرب فيتنام الأميركية وحرب الجزائر الفرنسية أثراُ عميقاً لا يمحى في المجتمع الأميركي والمجتمع الفرنسي ، وأدتا إلى انقسام عمودي عميق في هذه المجتمعات ، تمحور حول حق الإنسان في الحرية والأمن والكرامة . لكن الحرب السورية ، ومن قبلها الحرب الأفغانية ، لم تمنح روسيا شرف مثل هذا الإنقسام ، بل بقيت روسيا موحدة في حربها على حرية الإنسان وحقوقه . هذه الحرب التي تعود إلى أكثر من 500 سنة ، على ما تقول صحيفة الكرملين في مطلع الشهر الجاري في مقالة بعنوان “ليس الغرب هو عدونا ” .






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org