د. معتز محمد زين: هل هو فعلا زمن السياسة؟؟


د. معتز محمد زين: كلنا شركاء

قال لي – وهو من مناصري الثورة – : إنه زمن السياسة ، وقد آن للسلاح أن يتنحى ، وبات من الضروري وضع حد لجميع الفصائل التي تقف عقبة في طريق الحل السياسي وتصر على الاستمرار بالمعركة  ، لقد تعب الناس وليس لدينا قوتهم فلنرضى بما بقي في أيدينا ، ولنخض المعركة السياسية لعلنا نكسب من خلالها ما عجزنا عن اكتسابه بالدماء والسلاح !!!!!!!!!!!!!!

أعتقد أن السياسة لم تغب يوما عن جو المعركة .. هي حاضرة مع كل قذيفة تطلق وكل برميل يسقط وكل بارجة تتحرك وكل طائرة ترصد وتقصف وكل بيت يهدم وكل دماء تتدفق وكل أشلاء تتناثر … وهل يمكن للسياسة أن تتحرك دون أن تمهد لها القوة والإرادة ؟؟ !!

يخطأ كثيرا من يعتقد أن السياسة – وحدها بمعزل عن القوة – هي الطريق الأقصر للوصول إلى الحقوق ، ذلك أن السياسة أصلا هي منتج من منتجات القوة ومفرز من مفررزاته ، فلا رأي لضعيف ولا صوت لمهزوم ، ولا يمكن لسياسي أن يفرض شروطه وينفذ قراره إلا عندما يستند إلى قوة تشق له الطريق وتفتح أمامه الأبواب وتزيل من دربه العقبات ..

التفاهمات السياسية والمفاوضات لا تحصل أصلا إلا بين طرفين لدى كل منهما القدرة على إيلام الآخر والإضرار بمصالحه ، أما الحوار بين طرف يمتلك القوة وآخر لا يمتلك سوى الكلمات والدموع فلن يتمخض عنه سوى إملاء القوي أوامره وفرض خططه وشروطه على الضعيف ، ولن يملك الطرف الآخر سوى الإذعان والتنفيذ .. إنها حالة استسلام تام وخضوع مذل ، ومن الزيف أن يطلق عليها ” سياسة ” ..

نحن لا نعيش في المدينة الفاضلة – الموجودة فقط في خيال الكتاب والحالمين – حتى نتوقع أن يصل صاحب الحق إلى حقوقه عبر الإقناع وسوق الحجج والبراهين وذرف الدموع واستعطاف القوي .. ما حصل في سوريا تجاوز حد المعقول والمحتمل من ناحية حجم الظلم والقهر والاستعباد الذي مارسه النظام وأعوانه على الشعب السوري المطالب بحريته وكرامته وبعضا من حقوقه ، والسوريون لم يتركوا وسيلة تعتب عليهم لإيصال صوتهم وصراخهم وآلامهم للعالم – الذي يرفع شعارات العدالة وحقوق الانسان وبقية الديباجة الفارغة التي لا معنى لها – دون أن يتحرك لنصرته أو مسح دموعه أحد .. بل على العكس من ذلك تماما ،حيث بدأ ذات العالم السافل بعربه وعجمه يميل نحو دعم النظام المجرم بحجج وذرائع لا تعادل في سخافتها وسماجتها سوى سخافة شعاراتهم عن الحقوق والحريات والديمقراطية … لماذا ؟؟؟؟  لأننا لا نعيش في عالم متوازن يعلو فيه صوت الحكمة والعدالة والحقوق ، وإنما في غابة يعلو فيها صوت القوة والمدافع والمصالح …

تتكاثر هذه الأيام الأصوات التي تطالب المجاهدين بإلقاء السلاح أو على الأقل تنحيته ، وتفكيك الفصائل القوية ، ورحيل بعض القادة بداعي الحفاظ على ما تبقى من عمران في مناطق سيطرة الثوار – وخاصة ادلب – وعدم استفزاز القوى الغربية وروسيا خوفا من غضبها وتحويل باقي المناطق إلى موصل جديدة .. وكم تمنيت من تلك الأصوات أن تقدم طرحا موضوعيا متكاملا قابلا للتطبيق وأن تعرض السيناريو المتوقع إلى نهايته والضمانات المتوفرة لتنفيذه .. لكنهم  – وتحت تأثير التهويل الإعلامي أ وإغراء الدولار والمناصب – يطرحون الفكرة دون النظر إلى مآلاتها ويصرون عليها دون التفكير بنتائجها .. إذ كيف تطالب المجاهدين بإلقاء السلاح في الوقت الذي يشهر عدوك سلاحه في وجهك ؟؟ وكيف تطالب المجاهدين الأجانب بمغادرة سوريا في الوقت الذي تملأ فيه الميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية أرض سوريا ؟؟؟ وكيف تطالب الفصائل القوية بتفكيك نفسها في الوقت الذي تحاصرك فيه الفصائل الكردية من جهة والميليشيات الطائفية من جهة أخرى ؟؟؟ ولماذا اعتبرت بالأمس صمود مقاتلي داريا اسطوريا ودافعت عنه مع أنه أدى إلى دمار داريا وترحيل أهلها  في حين تعتبر صمود الفصائل الإسلامية اليوم في ادلب كارثيا وتهاجمه خوفا من دمارها وتهجير أهلها ؟؟؟

هذه المطالبات وتلك الدعوات – مع احترامي لبعض أصحابها – لا تندرج تحت مسمى السياسة ، وإنما الاستسلام ، ولا تنم عن فهم عميق وقراءة واقعية للماضي القريب وإنما عن سطحية وسذاجة .. فالجميع يعلم أن أمريكا وروسيا لن تقبل إلا برأس المجاهدين الإسلاميين جميعا وأنهما يسعيا جاهدين لتفكيك أي كيان إسلامي قوي خارج عن سيطرتهما لكي يسهل عليهما تقاسم المنطقة بهدوء وترتيب الوضع وفقا لمخططاتهما دون مقاومة أو اعتراض .. وخير للثورة في هذه الحالة أن تفشل من أن تستسلم ، وأن تموت من أن تعتقل ..

بالطبع نخشى جميعا أن تدمر ادلب ويهجر أهلها وخاصة بعد أن باتت ملجأ للكثير من السوريين المهجرين من مناطقهم ، ولكن هل لدى أحدكم تصور واضح للحفاظ على ادلب مع ضمان زوال الأسد وعدم مسح هويتها وعدم قتل أو ملاحقة مجاهديها ؟؟ .. أما إن كان المقصود أن يكون الثمن لعدم القصف العودة إلى الحظيرة الأسدية ، وقتل المجاهدين أو اعتقالهم ، ومسح الهوية ، وعودة الشبيحة لحكم المنطقة برؤوس مرفوعة – وهذا هو البديل المطروح أمريكيا وروسيا – فأعتقد أن هذه الطبخة صعبة الهضم على كل من انخرط في هذه الثورة مقتنعا بضرورتها الحتمية مستعدا للتضحية حتى النهاية من أجل تحقيق أهدافها ..

السياسة الحقيقية هي الهزيمة النفسية التي نجح الغرب وروسيا بغرسها في نفوسكم وصدوركم بدعم من طائراتهم وقذائفهم وتلويحهم المتكرر بتجربة الموصل والرقة فقررتم قلع مخالبكم بأيديكم والقاء سلاحكم دون مقابل ..

إن قوة صوتك على طاولة المفاوضات في المعركة السياسية يتناسب طردا مع مدى قذيفتك على أرض الواقع في المعركة الميدانية ، وإذا أردت أن تكسب في السياسة فلا سبيل لديك سوى أن تكسب في الميدان .. اما أن تذهب للتفاوض مع دول عظمى تمتلك جيوش جرارة واستراتيجيات بعيدة المدى بطقمك النظيف وربطة عنقك الأنيقة ومقالاتك الرزينة ودموعك الدفينة ومآسي شعبك وجراح بلدك وتتوقع أن ترق قلوبهم لأوجاعك وتتحرك ضمائرهم لآلامك فأنت واهم بميزان العقل والتجربة والسنوات الست السابقة ، ولن تكون بالنسبة لهم سوى أداة لتنفيذ مخططاتهم وخنجرا في ظهر المجاهدين علمت ذلك أم لم تعلم .. لا بد لك قبل ان تحقق انتصارا سياسيا أن تحقق انتصارات ميدانية ، والنصر ليس دائما بتحرير الأرض ، وإنما يمكن أن يتحقق بضرب مصالح عدوك وإيلامه ومنعه من الاستقرار والقدرة على افشال مخططاته واستنزاف طاقاته وهدر امكاناته والوصول إلى صفوفه الخلفية و التأثير على شرايين الحياة في مناطقه مما يضطره إلى الجلوس معك على طاولة المفاوضات السياسية جلوس الند للند …

ليس المطلوب إذاً القاء السلاح وإنما توظيفه لمصلحة السياسة ، وليس المطلوب إلغاء السياسة والقتال دون هدف وإنما تدعيمها وحمايتها بالسلاح .. ولن تتحقق هذه المعادلة إلا عندما يتم افراز طبقة سياسية من رحم الفصائل الميدانية مرتبطة بها ارتباطا عضويا ، يكون همها الأول في الوقت الحالي التنسيق مع تركيا واللعب على وتر مصالحها القومية والاقتصادية والسياسية من أجل إيجاد نوع من التفاهمات التي تضمن حماية ظهر المجاهدين وتأمين الدعم اللوجستي اللازم لإعادة بوصلة الثورة –والذي انحرفت عنه بعيدا-  بالاتجاه الصحيح ..






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org