عامٌ دراسيٌّ جديدٌ يقسو على (أبو العيال) والتعليم في الحضيض


حذيفة العبد: كلنا شركاء

يكاد عوض لا يصدق عينيه حين يشاهد بكره حسين ذي السبعة أعوامٍ يطير فرحاً بلباس المدرسة الجديد حاملاً حقيبته الصغيرة ويذهب إلى المبنى المجاور، “حسين كبر وأصبح طالباً في الصفّ الأول” يقولها والدموع تملأ عيناه “حسين غداً سيكون كجدّه مهندساً يبني هذا الدمار إن شاء الله”.

يقطن أبو حسين مع عائلته النازحة من ريف حمص في مبنى إحدى مدارس حماة، ويحمد ربه أن مديرية التربية لم تخلِ هذا المبنى من ساكنيه، كما فعلت في المبنى المجاور الذي عاد إلى ملاكها وجهزته ليعود إلى غايته التي بُني لأجلها، مدرسةٌ ابتدائيةٌ لحسين ورفاقه.

أبو حسين، الشاب الثلاثيني، الذي كان قبل خمسة أعوام يزن 94 كيلوغراماً، يظهر اليوم كأنه يناطح الخمسين، بجسدٍ هزيلٍ أثقلته همومٌ لا يعلم بها إلا الله، “حسين ومحمد اقتطعا من جسدي ليكبرا… لكن ابتسامة حسين وهو ذاهبٌ إلى المدرسة تنسيك الدنيا وهمومها”، بحسب ما قاله لـ (كلنا شركاء).

نزح عوض إلى حيث يمكنه الاستمرار في وظيفته الحكومية التي تأتيه آخر الشهر بـ 35 ألف ليرة، دفع ثلثها تقريباً لتجهيز أغراض المدرسة لحسين، ومع ذلك يقول إن وضعه أفضل من الكثير، فبعد دوامه يتسلم وردية على سيارة الأجرة التي يملكها صديقه، وتعود عليه في نهاية الأسبوع بنحو 10 آلاف ليرة.

15 ألف ليرة للقرطاسية في درعا

بعيداً عن مناطق النظام، يستعد الطلاب في درعا للعام الدراسي الجديد، ولكن القاسم المشترك هو قسوته على (أبو العيال) الذي يحتار في تلبية احتياجات فلذات أكباده.

خالد المصري، صاحب مكتبة في ريف درعا الشرقي، يقول لمراسل “كلنا شركاء” إن ثمن القرطاسية لطفل في مرحلة التعليم الأساسي يتراوح بين 12 ألف ليرة سورية و15 ألف ليرة سورية، فمتوسط ثمن الحقيبة المدرسية يصل إلى خمسة آلاف ليرة سورية، بينما يصل ثمن الدفتر إلى 450 ليرة سورية والقلم إلى 150 ليرة سورية.

يضيف المصري في حديث لـ (كلنا شركاء)، أن الإقبال على شراء القرطاسية لا يزال ضعيفا، وذلك على الرغم من اقتراب موعد افتتاح المدارس للعام الدراسي الجديد، وفي ظل الهدوء الذي يعم معظم المناطق المحررة منذ الإعلان عن الهدنة، وهي المرة الأولى منذ انطلاق الثورة تعيش المناطق الثائرة حالة من الاستقرار.

أم وليد، وهي سيدة من ريف درعا الشرقي، تلفت إلى أن بداية العام الدراسي الحالي يتزامن مع العيد، بالإضافة لموسم المؤونة الشتوية، مما أرهق كاهل الأسر في المناطق المحررة. وأضافت أم وليد في حديث لمراسل “كلنا شركاء”، أنها استدانت من شقيقها المغترب المال لشراء القرطاسية لأطفالها الثلاثة، فثمن القرطاسية أعلى من دخل أسرتها الشهري، “معظم الأسر تجد نفسها عاجزة عن تأمين المبلغ المالي المطلوب لشراء هذه القرطاسية، والمؤسسات العاملة في الداخل السوري ما تزال تهمل ملف التعليم” على حدّ قولها.

مدارس مدمرة

الأستاذ أحمد الحريري حذر في الوقت نفسه أن التهدئة في محافظة درعا لن تكون كفيلة لوحدها بعودة عجلة التعليم للدوران، مشيراً في حديث لـ (كلنا شركاء)، أن نسبة المدارس المدمرة بشكل كامل تتجاوز الـ 20 في المئة، بينما تصل نسبة المدارس المتأثرة بقصف قوات النظام والطيران الروسي إلى أكثر من 60 في المئة.

ويشير الحريري إلى أن الملف التعليمي بحاجة للكثير من الجهد والعمل، ولا سيما أن المناطق المحررة لم تشهد عملية تعليم مستقرة خلال الأعوام الماضية، فخلال النصف الثاني من العام الدراسي المنصرم، توقفت معظم مدارس درعا عن العمل نتيجة للاستهداف من قبل الطيران الحربي الروسي.

وحلب المدمرة؟

شمالاً في حلب، يقول مراسلنا إنه العام الدراسي الأول بالنسبة لحلب الشرقية بعد سيطرة النظام وميليشياته على المدينة، ولكن ما تزال العديد من المدارس التي تعرضت للقصف بشتى أنواع الأسلحة ومنها صواريخ الطيران الروسي والسوري قد تدمرت العديد من قاعاتها ولم تعد مؤهلة للتدريس نتيجة تعرض أساساتها للقصف الجوي الأمر الذي يرجح فرضية انهيار أجزاء منها نتيجة فقدان الأعمدة والجسور التي تربط الصفوف ببعضها البعض، كما أن بعض قاعات تلك المدارس مازالت شاهدة على دماء فاضت في أراضيها بعد استهداف الطيران الحربي لتلك المدارس التي كان يقطنها العشرات من المدنيين الذين فقدوا منازلهم جراء القصف العنيف.

وفي ظل الغلاء الفاحش وتردي الأوضاع المعيشية الصعبة سيشكل العام الدراسي الجديد صدمة كبيرة لدى المدنيين من ذوي الدخل المحدود أو الفقراء الذين لا يستطيعون شراء الملابس المدرسية والقرطاسية لأبنائهم، فمعظم المعامل لازالت متوقفة ومعدل البطالة ارتفع مؤخراً في ظل عدم توفر فرص العمل لأرباب العائلات، بحسب مراسل “كلنا شركاء” في حلب.

“أبو حسين”، لكن هذه المرة الحلبي الذي يقطن حي طريق الباب شرقي حلب، يقول في حديثه لمراسل “كلنا شركاء”: “لم نكن نتوقع أن يتم استغلال قدوم العام الدراسي من خلال رفع أسعار المستلزمات المدرسية، فهنا الحقيبة المدرسية تجاوز سعرها الخمسة آلاف وهي عادية جدا بالنسبة لأبنائي الذين لم تعجبهم، أما الدفاتر والأقلام ارتفع سعرها خلال بداية العام الدراسي، حتى الكتب المدرسية التي يتم توزيعها في بعض المدارس تم أخذ رسوم عليها”.

يصيف “أبو حسين الحلبي”: “لدي ثلاثة أولاد وهم في الصف الثاني والثالث والسادس، سابقا الأسعار كانت رخيصة جدا ولا يتم استغلال قدوم العام الدراسي ولكن في مدينة حلب يتم استغلال جميع الفرص والمناسبات وقدوم المدارس وغيرها”.

في المقابل، لم يلتحق المئات من أطفال حلب بمدارسهم خلال الأعوام الماضية، فالكثير من الأهالي رفض إرسال أولادهم لأسباب كثيرة وأهمها فقدان أحد أبنائهم جراء القصف الجوي الذي استهدف المدرسة الذي كان يرتادها، بينما لم ترسل بعض العائلات أبنائها للمدارس بسبب رفضهم أن يتعلموا أبنائهم.

يقول مراسلنا “زياد عدوان” إنه التقى بأولاد أتموا عامهم العاشر ولم يذهبوا للمدرسة، بسبب قصف النظام لأحيائهم والذي طال مدينة حلب أثناء سيطرة كتائب الثوار عليها، كما أن بعض الأولاد لم يدرسوا إلا السنة الأولى والثانية وحاليا بدأوا بدراسة السنة الخامسة، أي أنهم فقدوا سنتين من سنين الدراسة، وهو ما حدث مع “آية” التي تغيبت عن الدوام في الصف الثالث والرابع وعادت في الخامس، بسبب كثافة القصف الذي تعرضت له حلب الشرقية في العامين الماضيين.

مناهج الرقة تمحو أفكار (البعث)

في المناطق التي خرجت عن سيطرة “داعش” في ريف الرقة، بدأت المدارس هذا العام منهجا جديدا يستند إلى الكتب القديمة لكنه يمحو فكر حزب البعث الذي يمثله بشار الأسد وهو قرار وافق عليه المعلمون العرب والأكراد على السواء.

لكن مسؤولا في قوات سوريا الديمقراطية طرح فكرة تدريس اللغة الكردية في مدارس الرقة وهي فكرة أثارت حفيظة المسؤولين المحليين، بحسب وكالة رويترز.

ونقلت الوكالة عن “آمد سيدو” الذي وصفته بأنه مستشار كبير لقوات سوريا الديمقراطية ومنسق يعمل مع التحالف الأمريكي إنه يعتقد أن اللغة الكردية سيجري تدريسها للتلاميذ الأكراد في أنحاء الرقة هذا العام على غرار ما يحدث في المدارس الأخرى في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

اضطرابات في الحسكة

وتسببت الحساسية بشأن اللغة في اضطرابات بالفعل في الحسكة وهي منطقة تسيطر عليها منذ سنوات وحدات حماية الشعب الكردية حيث يجري تدريس منهج جديد بالعربية والكردية وكلتيهما لغة رسمية، وقال مصطفى بالي المسؤول بقوات سوريا الديمقراطية إنه لا توجد نية لفرض اللغة الكردية على العربية أو كبح العربية.

وأضاف ”أنا لا أؤيد التوجه العنصري باتجاه اللغة. لكن حاليا يوجد توجه لدى الكثير من الشباب الكردي إنه يمنعوا تدريس اللغة العربية في المناطق الكردية كانتقام من مرحلة البعث“.

وتعلي مناهج البعث القومية العربية على الهوية العرقية. وكان التلاميذ الأكراد يعاقبون إذا تحدثوا بلغتهم الأم في أفنية المدارس. والآن يتعلم الأكراد الكردية حتى في بعض البلدات ذات الأغلبية العربية.

والمسؤولون الأكراد في الرقة مصممون على فرض أسلوبهم على الرغم مما يقولون إنها تهديدات محتملة من الأسد أو تركيا.

وقالت ليلى مصطفى الرئيسة المشاركة لمجلس الرقة المدني ”لن نسمح لتركيا أو أي شخص آخر أن يتدخل في شؤوننا الداخلية. نحن من نقرر ما ندرس أو لا ندرس“.

اليونيسيف تكيل بمكيالين

وفي الوقت الذي تغدق منظمة اليونيسيف بأموالها على دعم التمويل في مناطق النظام، تكاد أموالها تختفي من المناطق الخارجة عن سيطرته في دمشق وإدلب ودرعا وغيرها.

ويبث إعلام النظام يومياً صور لمدارس برتبة قصورٍ أعادت أموال المنظمة الأممية ترميمها رغم أن معظمها لم يتعرّض ولو لطلقةٍ واحدةٍ، فيما يبقى الدمار نصيب المدارس التي استهدفها الطيران الحربي في مناطق الثوار في إدلب ودرعا وغوطة دمشق.





Tags:

للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org