إبراهيم اليوسف: مشروعية الاستقلال وعدوى العداء


إبراهيم اليوسف: كلنا شركاء

يسجل للكردي، أنه  قد حافظ وعبر التاريخ، على مفهوم الشراكة مع الآخر، طواعية، في ظل قواسم مشتركة معه، ليظل وفياً لها، ملتزماً بالعهد الروحي الذي يجمعه بالآخر، يدافع عن وجودهما، وشراكتهما، في آن واحد، من دون أن ينقض ذلك الرباط محاولاً إقناع من انقضَّ على الرِّباط، وعلى وجوده، بإمكانية ديمومة علاقتهما، وهوما استمر منذ نهايات الربع الأول من القرن الماضي، بعد تفكك دولة- الرجل المريض- 1924 وانطلاقة الدول القومية، بالرغم من أنه يسجل له أيضاً، بأن الشعور القومي، بل الفكر القومي تولد لديه في وقت مبكر، نتيجة ظروف كثيرة، في مطلعها  ما وقع عليه من حيف وضيم، وإحساس نخبته، في مراحل عدة، باستغلال الآخر الوشائج التي تربطه به، مختلقاً خرافة تمايزه، من جملة أوهام، لا تسعفه، أنى وضعناها على طاولة البحث العلمي، وعبر الاحتكام إلى العقل، وهو أمر آخر، قد لا يكون هنا مكانه…!.

هذا الانفتاح من لدن الكردي على سواه، والذي يعد من مآثره التي يشهد له بها، باعتباره لم يقدم على الانفكاك من البوتقة الواحدة التي جمعته مع الآخر. هذه البوتقة التي ستصبح أربع بويتقات متفاوتة، أبدى موقفه منه، من خلال نخبته، وعوامه، إلا أنه التزم بها، نزولاً عند هاتيك الرغبة الدولية الظالمة، والتي لابد من محاكمتها، الآن، أو غداً، وقدم كل أدوات الوفاء، وليس” حسن النية” وحدها، وكان ثمن ذلك المزيد من الضياع، بالإضافة إلى الكثير من الأكلاف الباهظة والتي تنتمي إلى إطار الخسارات المصيرية، بعد أن حاول المتسلطون على تلك البويتقات محو هويته، ووجوده، وتطويب مكانه، وتراثه باسمه، عبر لعبة تزييف متشابهة، قوموية كانت، أم حتى دينية..!

مرت عقود، على الشعب الكردي، تحت نير طغاة الحكم العنصري أو الشمولي، عملوا خلال تلك الفترة على جبهتين، في كل جزء كردستاني، أولاها  النضال من أجل الحفاظ على الذات، والهوية، والوجود، وثانيتها التنسيق مع التيارات المناوئة للأنظمة الدكتاتورية، غير أن الكثير من رموز هذه التيارات التي قدمت نفسها، كمعارضة، بدت، عبارة عن نسخ فوتوكوبية عن هاتيك الأنظمة نفسها، وأن لا خلاف بينها إلا على كرسي النظام، بل هناك من بينها من هو أشد قماءة من الدكتاتوريات الآفلة، أو تلك التي هي قيد الأفول، وهذا ما ولد أسئلة كثيرة لدى الكردي، أينما كان، مادام أنه يعمل أدوات حكمته وروحه ووجدانه: العقل، والضمير وغريزة الوجود.

لقد كانت تجربة كردستان العراق الأكثر  ثراء في هذا المجال، سواء من خلال تلمس خصوصية الذات، أو حتى من خلال مدى خوضها غمار التجارب العملية، بعيد تجربة مهاباد المريرة   1947 إذ سرعان ما اكتشف قادة ثورة أيلول1961- مرة تلو أخرى- عقم التعويل على العقل المنغلق على ترهات الكائن السوبرماني الوهمي-أية كانت صبغته- و الذي روج له  الفكران: الناصري والبعثي، الوبائيان على المنطقة، وبالرغم من كل هذا الرصيد من التجربة فقد فاجأ قادة كرد الإقليم العالم برمته، بعيد سقوط نظام صدام حسين أنهم اختاروا طريق الشراكة ضمن الخريطة المفروضة التي لا ماض بعيد لها، في حجمها المعمول به، وكانوا من دعاة تأسيس” الوطن” الاتحادي الفيدرالي، إلا أن هذه الرغبة الصادقة ما كان لها أن تتحقق في ظل وجود نوايا في الطرف الآخر، غير صادقة، لم توفر الجهد- أنى أتيح لها- كي تستعيد مفردات الطغيان، ولربما على نحو أبشع من نماذجه التي عرفتها الذاكرة الوطنية العراقية التي ابتليت بهؤلاء المسوخ، الأشارى، الذين شكلوا”أرضية” لانتشار أخطر الفيروسات في المنطقة، بعد أن صارت حاضنة نطف إرهاب متعدد الأشكال، منذ أن التقت بما يشبهها من” الديناميت” الدينوي، المزور الذي كان داعش أحد وجوهه القميئة.

مشكلة هذه العقلية الكارثية تكمن في أنها استطاعت أن تلوث الكثير من العقول، حتى خارج مهادها، وقد تبين لنا ذلك، منذ إعلان قيادة كردستان الدعوة إلى-الاستفتاء- على الاستقلال، من ضمن مفاهيم حقوق الشعوب في تقرير مصائرها، لاسيما بعد استنفاذ كل أدوات الحرص التي قدمها الكردي، بالتعاون مع شبيهه في الحرص في المعارضة، وهو بدوره موجود، وإن كان قد أسقط الأمر بين يديه، بعد أن هيمن على القرار أشباه الطغاة، المسوخ، الذين  لا يمكنهم استيعاب ثقافة- العيش المشترك- التي تنم عن عقل حضاري، راق، في مستوى مسؤولية فهم قوانين التطور والحياة!، إذ نجد أن أعداء الاستفتاء الذين يبدون مواقفهم لا ينتمون إلى مكان واحد وهو العراق، بل إن من بين هؤلاء من ينتمي إلى أكثر من مكان، إلا أننا عندما نمحص في دوافع هؤلاء، فإننا نجدهم جميعاً تلامذة مجرد مدرسة واحدة، هي تلك المدرسة التي أوجدت هؤلاء الطغاة.

ولربما يستغرب أبعاضهم، عندما يجد أن هناك- كردياً- يحاول إجهاض هذا المشروع الكردستاني الأول رسوخاً في المنطقة، إلا أن هناك- في الحقيقة- أرومة تجمع بين هذا وذاك، أياً كان غطاؤها التكتيكي، ولعل موقف من يسعى من الكرد-عملياً- لمقاومة، وعرقلة، وكبح المشروع- لا من يتحفظ ويبدي رأيه على استحياء نتيجة قصور في الرؤى أو جبن أو لداع منفعي ارتزاقي- بأن صفته تتجاوز العدائية، إلى ما بعدها، وهوما ليس له إلا مجرد تفسير واحد هو غلبة روح الاستعباد لدى صاحبها على روح النزوع إلى الحرية، وهي أخطر ثيمة موصوفة في قوانين الشعوب قاطبة، ويكاد لا يغفر لها، إلا عبر مراجعة الذات، وإن كان من شأن” من يهن” أن”يسهل الهوان عليه” “فما لجرح بميت إيلام، كما قال أبو الطيب المتنبي قبل أكثر من عشرة قرون.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org