منصور عبد الله: فوبيا الحاضنة الشعبية في جنوب دمشق


منصور عبد الله: مدونات الجزيرة

أطلت الفتنة برأسها في جنوب دمشق على صوت قرقعة الأمعاء الخاويات وصراخات أطفال محرومين ونساء جائعات؛ فهتكت طيب الألفة وأردت صرح الجماعة وجعلت من المنطقة غابة دهيماء ليعود مرة أخرى يحكمها قانون افتراس جائر؛ خارجا بها عن قيم ثورة ميمونة غراء؛ فتشظت البلدات وعادت أفكار طالما عمل النظام على سقي غراسها في المجتمع واسع التلون وعديد الأعراق بعدما كانت الثورة قد وأدتها لتوها من مناطقية وعنصريات وفصائلية وفرقة ضربت أطنابها بين شتى التيارات.

ذلك الجوع الذي لم يفرق بين شيب ولا شبان، ولا نساء، ولا ولدان؛ فطحنت رحاه الجائرة أجساد المساكين ولتخلف جثثا هزيلة غايرة البطون جاحظة العيون رغم أن الطعام كان لا يبعد عن هؤلاء سوى عشرات أو مئات الأمتار؛ لكنهم في سجن كبير أحاطت به بقناصات ظالمة نهشت أجساد كثيرين ممن حاولوا الفرار، حتى النساء منهم والأطفال لم يوفر أجسادهم الهزيلة ذلك الرصاص الغاشم، فسقط كثيرون تحت مرمى النيران ضحية هذا الرهان الخبيث على لقمة العيش حينما أحالها حلم الأهالي الجائعين.

الحراك الشعبي هو رأس مال الثورات الذي لو امتلك تسيره المستبد بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر عبر أدواته وأزلامه؛ قطع أطراف الثورة وتركها عيّة لا تقدر على شيء 

لقد عاش جنوب دمشق مجاعة حقيقية لكن لم تكن البتة على الكل سواء بل احتكر بعض ضعفاء النفوس والمستفيدين وحتى بعض الفصائل ما توافر من الأقوات قبل الحصار؛ فعمدوا وقبل الإطباق على المنطقة إلى شراء ما كان حبيس مستودعاتها التي لم تكن بالقليلة ولا الشحية، ثم أودعوها في مخازنهم الخاصة إلى حين ضاق الخناق على الأهالي ثم بدأت لعبة رخيصة كان ضحيتها الإنسانية وقيم كثيرة علمتنا إياها الثورة، لقد تغول أصحاب النفذ وتوحشت النفوس، إنها الضرورة النفسية الأولى التي لا يمكن للطبع البشري الصمود أمامها باتت هاجس الثائر فضلا عن سائر الأهالي وأصبحت شغلهم الشاغل، الكل يريد لقمة العيش.

كان الابتزاز من المحتكرين وأصحاب الأموال على مستوى مادي معين لكنه محدود نوعا ما؛ أما الحلقة الأقوى في الرهان فهو النظام الذي كانت أياديه الخفية تتلاعب بالمشهد من خلف الكواليس؛ لتنتج تلك المسرحية التراجيدية القاسية التي لم تكون لسطور معدودة أن تجمع معناه في طياتها، ليعقبها بعد ذلك الخطوة التالية ضمن سيناريو معد مسبقا توالت فقراته تباعا، فجاءت أطروحة الهدنة “المصالحة مع النظام” عبر المنابر وعلى ألسنة فئة من المشايخ ممن تمسكنوا حاملين شعار الإنقاذ للمنطقة ومن فيها من الأهالي؛ لكن العجيب أن الإنقاذ الذي جاؤوا به كان على يدي الجلاد ذاته، على يدي السجان، على يدي القاتل، إنقاذ بنوده العودة إلى حضن النظام!

بدأت تسري في شرايين المنطقة الهزيلة الجائعة فكرة خداع النظام والمراوغة في التعاطي معه؛ فعمد أرباب هذا الطرح إلى توجيه خطاب مزدوج الأول للنظام بلعب دور الانسلاخ عن الثورة والعودة إلى حضن الوطن، والثاني خطاب داخلي باعتبار الأمر هدنة وتحييدا للمنطقة عن سواها من المناطق الثائرة؛ لتعتبر فئة ذلك سياسيا منفتحا، فيما امتعضت فئة وانطوت على نفسها رافضة الانسياق خلف الخطاب الشعبوي الرائج الذي صدعت به منابر شيوخ الهدنة “لجنة المصالحة فيما بعد” الداعي إلى تهدئة أي عمل قتالي وتقديم فئة من الثوار أنفسهم للانتماء إلى الجيش الوطني، التابع للنظام.

بعد حادثة قتل أحد قادة الجيش الحر المدعو “بأبي شهاب” حيث تمالأت عليه عائلات من بلدة يلدا “إحدى البلدات الثلاثة المهادنة” على إثر قيامه بقتل أحد أهالي البلدة بتهمة العمالة للنظام نشب القتال بين جيش الإسلام وتنظيم داعش ليصر الأمر إلى إخراج الأخير من البلدات الثلاثة الرابضة تحت الهدنة المزمعة بعد رفض الحاضنة له جرّاء ابتدائه البغي على الجيش، ثم أعقب ذلك إخراج “جبهة النصرة” على خلفية قتال وقع بينها وبين “شام الرسول” حيث كان الأخير من أبرز الموقعين على الهدنة ومن ضمن قيادته بعض المتصرفين بشأنها، إضافة إلى تواجد فئة من مشايخ البلدات ضمن صفوفه الأمر الذي أعطاه شعبية وحاضنة زيادة عن غيره من الفصائل؛ حيث استخدم الأخير حاضنته في تحريك الشارع ضد النصرة عبر المظاهرات التي طالبتها بإخلاء البلدات، و يجدر بالذكر أنه على الرغم من أخطاء النصرة وتجاوزاتها التي اتخذت ذريعة لإخراجها إلا أن الأمر كان على خلفية إغلاق الحاجز ومنع دخول الطعام إلى المنطقة بعد استهدف النصرة رتلا للنظام مارا على طريق المطار ليشترط النظام إجلاءها من البلدات المهادنة.

لم يكن إخراج داعش وجبهة النصرة كفيلين بجمع المنطقة تحت قيادة واحدة، وحتى غرف العمليات كانت تبوء بالفشل نتيجة تردي قيم الثورة في نفوس فئة من قادة الفصائل إضافة إلى تنامي روح التسلط وحب المنصب، لكن الذي كان شديد الوضوح في سرعة تناميه هو استحكام القانون العشائري في مفاصل المنطقة إذا أن السلطة باتت للأقوى ولأصحاب المال والجاه ومن عائلات البلدات فيما صار نفوذ الفصائل بشتى تياراتها تبعا لذلك؛ فحرص كل فصيل على تحصيل شيء من النفوذ عبر تجنيد فئة من أبناء تلك العائلات ليكونوا له عزا، ثم عضدا بحال اصطدامه مع فصيل آخر، و ردئا دون طرده خارج البلدات كما كان مصير من سبقه.

الحراك الشعبي هو رأس مال الثورات الذي لو امتلك تسيره المستبد بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر عبر أدواته وأزلامه؛ قطع أطراف الثورة وتركها عيّة لا تقدر على شيء، تهمة لمحاربة من لازال يتبنى أفكارها، غلافا خليا من المضمون، ولونا باهتا لا رونق له؛ عندئذ يصدق الكاذب ويكذب الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، و ترى الروبضة يصدع بحمد أسياده في كل محفل ويحط من قدر أصحاب المبدأ الراسخين؛ لأن الشعب هو الثورة ذاتها فليس من السوداوية القول أن حرف بوصلته عن الفاضل إلى المفضول هو نهاية الفصل الأخير من فصولها، بل هذا هو الواقع، لكن من يحمل مسؤولية وأد الثورة وإماتة روحها في نفوس أبناء هكذا مناطق؟!

إن سياسة الفصائل الخاطئة في الإدارة جعلت منها أهرامات كرتونية وأبراجا سرابية أسيرة للنزعة العشائرية تسير بمقتضى إرادة فئة حتى وإن كان في ذلك ظلم لآخرين، فأما المستفيد المتسلق من أصحاب النفوذ والمال فالثورة عندهم سلعة ومرحلة، يجرون فيها غسيلا لأمولهم ليس إلا، وأما المدني المسكين فصار همه لقمة عيشة التي لم يجد إليها سبيلا عند الثوار والفصائل، فيما أن أبناء الثورة الراسخين ممن لم تنحرف عندم البصلة فباتوا أسرى لدى السواد الغالب.

لقد كانت الثورة السورية منذ بدايتها ومع أوائل صيحاتها شعبية بحتة بؤسها وأساسها رفعت شعارات باهية وأعلت قيما سامية لتجعل من أولى مشاريعها رفع الظلم عن المظلومين، وإنهاء حكم عائلة ظالمة باغية استبدت في حكم هذا الشعب واستولت على خيرات بلاده، لا ليستبدلوا ظلما بظلم، وطغيانا بطغيان، أو ليصبح أبناء هذه الثورة رهنا للحاضنة حتى إذا كان قرارها خلاف ما تعاهدوا عليه من خلال ثورتهم الأم، فالسواد والكثرة هو سلاح الشعب المسكين لنيل حقوقه، فكيف بها تتحول سلاحا ضد الشعب يسيره الطغاة عبر ألاعيبهم ووسائلهم؟!






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org