سوريا الصغرى في قلب نيويورك.. ماذا تبقَّى من الحي السوري الذي بُني عليه مركز التجارة العالمي؟


كلنا شركاء: هاف بوست عربي

تعد مدينة نيويورك مقر رئيسي لمعظم المهاجرين الذين وفدوا إلى الولايات المتحدة منذ تأسيسها وحتى بدايات القرن العشرين، وقد أسست كُل جالية لنفسها موطناً ومقراً لها في أحياء سُميت بأسمائهم، فالصينيون لديهم الحي الصيني (Chinatown) والإيطاليون لديهم إيطاليا الصُغرى (Little Italy)، وكان لأبناء العرب والمهاجرين من منطقة الشرق الأوسط سوريا الصغرى أو (Little Syria).

البداية وسوريا الصغرى

swryaassghra
بدأت هجرة العرب إلى الولايات المتحدة منذ بدايات القرن التاسع عشر، لكن شهدت الفترة بين عامي 1880 و1924 هجرة أكثر من 95 ألف عربي من منطقة الشرق الأوسط.

استقر أوائل المهاجرين بين شارعي واشنطن وريكتور، ومع تكاثر عددهم كونوا كتلة سكنية وجالية كبيرة، وأصبحوا أكثر عدداً من الألمان والأيرلنديين الذين سكنوا تلك المنطقة قبلهم بسنوات، ولأن أغلبهم كانوا من السوريين سُمي الحي باسمهم.

أصبح الحي السوري أحد المراكز الحضارية المهمة في نيويورك، وبحلول عام 1900 وبداية القرن العشرين، كان أبناء الحي قد أنشأوا أكثر من 300 مشروع تجاري في نيويورك، الأمر الذي ساعدهم في تطوير نمو المدينة وأن تصبح أحد أهم المدن والموانئ والمراكز الحضارية في الولايات المتحدة بأسرها.

سُميت المحلات باللغة العربية، وأينما تسير تجد المطاعم التي تُقدم الأكلات العربية الشعبية، وكذلك محلات الحلويات الشرقية المشهورة، كما انتشرت المقاهي التي كانت تقام فيها حفلات السمر والعزف بالعود والتخت الشرقي، وكانت العربية اللغة الأم السائدة بين الجميع.

swryaassghra

في أواخر القرن التاسع عشر، تمكن الأخوان ناعوم وسلّوم مكرزل من تطوير آلات طباعة الصحف بأن أضافا إليها الأحرف العربية، فظهرت صحيفة “كوكب أميركا” عام 1892 التي تُعد أول صحيفة باللغة العربية تظهر في القارة الأميركية، وتلتها العديد والعديد من الصحف، أشهرها صحيفة “الهُدى”، بخلاف عديد الكتب والروايات التي يُعد أشهرها “كتاب خالد” الذي ألفه الأديب أمين الريحاني عام 1911.

ثم أُنشئت رابطة أدبية سميت برابطة “القلم” جمعت عديداً من أدباء المهجر، وعلى رأسهم جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة.

لكن بقيت التجارة المهنة الأكثر تداولاً بين العرب آنذاك، فأصبح كثير منهم باعة متجولين يدورون شوارع نيويورك بسياراتهم أو يحملون الأكياس والصناديق على ظهورهم وأكتافهم. ويبيعون الفواكه والملابس والمشروبات والحلي وغيرها، بينما كانت صناديق الباعة منهم تحمل الإبر والدبابيس والأمشاط والمسابح وغيرها مما خف وزنه.

swryaassghra
كانت هذه المهنة تدر مالاً جيداً، أحياناً ضعف ما يوفره العمل في معامل النسيج الذي كان عملهم المفضل الثاني. ووصل دخل البائع المتجول السنوي ما يعادل خمسة أضعاف متوسط الدخل الفردي.

وكثرت معامل النسيج ومشاغل السجاد اليدوي وغيرها من الصناعات الصغيرة، وكان عدد البائعات المتجولات يساوي عدد الباعة من الذكور.

مع اكتمال جسر بروكلين 1883، وافتتاح خط المترو بين مانهاتن وبروكلين 1910، بدأ العرب بالتوسع باتجاه بروكلين هرباً من الزحام. واستقر معظمهم حوالي الجزء الغربي من شارع أتلانتيك المقابل لمرفأ نيويورك، وأصبح هذا الشارع يعرف بشارع واشنطن الجديد، وأحياناً كان يطلق على هذه المنطقة اسم (سوريا الصغرى الثانية)؛ لأنها كانت امتداداً للحي الأصلي في مانهاتن.

الاضمحلال ثم الفناء

التطور العمراني الرهيب الذي شهدته نيويورك بعد الحرب العالمية الأولى وظهور ناطحات السحاب التي بدأت تتكاثر بشدة في المدينة، وكذلك الكساد الاقتصادي الكبير في نهاية العشرينيات، وانتقال أبناء الحي في مانهاتن إلى بروكلين والمدن الأخرى في الولايات المتحدة، بخلاف القرار الذي اتخذته الحكومة الأميركية سنة 1924، والذي حدد نسبة المهاجرين من الدول العربية بمائة مهاجر فقط في العام الواحد.

كُل تلك العوامل كان لها أبلغ الأثر في انحسار الأضواء على سوريا الصُغرى، فقرار 1924 أثر في أعداد العرب المتواجدين في الحي، فقد قطع الشريان الذي يجلب دماً جديداً من العالم العربي إلى الحي، فلم يعد يبقى في سوريا الصغرى إلا أبناء الجيل الأول وبعض من الجيل الثاني.

بعد الحرب العالمية الثانية جاءت الطامة الكبرى على سوريا الصغرى، وذلك بشق نفق بروكلين باتري الذي مزق قلب الحي، ومع ازدياد عدد ناطحات السحاب التي استدعى بناؤها هدم كثير من المباني القديمة في الحي، جاءت نهاية سوريا الصغرى مع الشروع في بناء مركز التجارة العالمي بالجزء الشمالي لشارع واشنطن في ستينيات القرن العشرين.

لم يعد يتبقى من سوريا الصغرى إلا ثلاثة مباني فقط، المبنى الأول هو كنيسة القديس جورج السورية للروم الكاثوليك، تأسست عام 1812 كفندق وبناء سكني، قبل أن تتحول إلى كنيسة عام 1925، وبيعت عام 1982 إلى شركة موران للمطاعم والبارات، وهو الحال الذي عليه المبنى حتى يومنا هذا. في عام 2009، عد المبنى أثراً تاريخياً من آثار مدينة نيويورك يُحظر هدمه أو المساس به، وذلك للواجهة الزخرفية الفريدة التي يتميز بها.

المبنى الثاني هو 107-105 شارع واشنطن الذي بُني عام 1925 على أنقاض بناء سكني سابق تم هدمه. خصصه حاكم ولاية نيويورك آل سميث ليقدم الخدمات الاجتماعية للمهاجرين الجدد من تعليم وصحة وتدريب مهني، وتحوّل فيما بعد إلى معبد بوذي قبل أن يصبح بناءً سكنياً متعدد الشقق. المبنى الثالث هو 109 بشارع واشنطن، بني بين عامي 1850 و1870 وكان دائماً بناءً سكنياً متعدد الشقق عاش فيه كثير من العائلات العربية المهاجرة.

تجاهل ونكران بعد 11 سبتمبر

swryaassghra

حين رُفعت أنقاض مبنى التجارة العالمي عام 2002، وُجد حجر أساس لكنيسة مارونية أنشئت قبل قرن من إنشاء المركز نفسه في ستينيات القرن العشرين. وفي الذكرى العاشرة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، افتتح متحف في موقع البرجين، يحوي صوراً لجميع أحياء نيويورك القديمة، احتفاءً بأثر المهاجرين في تأسيس المدينة، لكن لم يكن هناك أي ذكر لسوريا الصغرى، رغم أن المتحف المقام ومن قبله البرجين وجميع المباني المجاورة بُنيت داخلها.

أثار ذلك التجاهل التام للحي السوري من قبل القائمين على المتحف سخط عديد المثقفين وأبناء مدينة نيويورك وأحفاد العرب الذين هاجروا في القرنين الماضيين إلى الولايات المتحدة.

متحف جزيرة إيليس التي تُعد الوجهة الأولى لأي مهاجر للولايات المتحدة، يحتفظ بجميع السجلات لجميع المهاجرين الذين أتوا إلى الولايات المتحدة، يضم المتحف ركناً خاصاً بسوريا الصغرى، اعترافاً به كونه أحد الأحياء الرئيسية في المدينة، مثل الحي الصيني والإيطالي.

جاء ذلك التجاهل متزامناً مع محاولات إدارة ولاية نيويورك التخلص من المبنيين السكنيين المجاورين لكنيسة سانت جورج؛ الآثار الوحيدة الباقية من سوريا الصغرى، بحجة أنها لا تتناسب مع التطور العمراني في المدينة، مقارنة بما حولها من مباني شاهقة الارتفاع، وأنها تريد استغلال تلك المساحة فيما هو أفضل.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org