المحامي ميشال شماس: إلى متى هذا الصمت تجاه مأساة المعتقلين؟!


المحامي ميشال شماس: كلنا شركاء

لم تشهد دولة في العالم أعداداً كبيرة من المختفين قسرياً (معتقلين ومخطوفين ومفقودين)، كما شهدته وماتزال تشهده سورية منذ ما قبل انتفاضة الشعب السوري ضد نظام الأسد في أذار عام 2011، فمنذ ذلك التاريخ شهدت سورية اوسع حملة اعتقالات مستمرة وممنهجة، طالت كثير من السوريين أطفالا ونساء وشبابا وشيوخاً فاقت أعدادهم المليون شخص، منهم من تعرض للاعتقال مرتين وثلاث مرات على مدى السنوات السبع الماضية، ولا تكاد تخلو عائلة من تعرّض أحد أفرادها للاعتقال أو الخطف أو حتى الاستدعاء من قبل الفروع الأمنية وقوى الأمر الواقع من مليشيات وكتائب مسلحة متنوعة الانتماء منها من يعمل في مناطق نظام الأسد واخرى تعمل في مناطق سيطرة قوى إسلامية وكردية.

مئات آلاف المعتقلين والمخطوفين من المغيبين قسرّياً لا يُعرف مصيرهم ولا مكان احتجازهم، وهل مازالوا على قيد الحياة؟ فحالة القلق التي تعاينها أسرهم وأصدقائهم لا يمكن تصوّرها، فكيف هي بحال هؤلاء المعتقلين والمخطوفين الذين يعيشون في ظلمات السجون والزنازين والذين يواجهون أقدراهم في ظروف مأساوية شديدة القساوة وهم يصارعون الموت؟

المعتقلين اليوم يرون في الموت خلاصاً من الجحيم الذين هم فيه، ويحسدون من مات من زملائهم على موتهم، لأن من ماتَ، ماتَ وارتاح من العذاب والتعذيب اليومي، ومنْ أفلتَ من الاعتقال ونجا من قسوة السجون وعتمة الزنازين، لديه العديد من الخيارات التي تساعده في البقاء على قيد الحياة وتخفّف من معاناته سواء بجهده أو بمساعدة الأخرين، ولكن من يقبع في المعتقلات والزنازين لا يملك أي خيار سوى العيش وحيداً لا حول له ولا قوة في مواجهة سجّانين لا يعرفون أي نوع من الرحمة أو الشفقة، يتفننون في كل يوم بتعذيبه ومعاملته بقسوة لا تخطر على بال إنسان، حتى أنه لا يمكن بأي حال تصوّر الوضع الإنساني والنفسي والجسدي المأساوي للمعتقل في تلك الزنازين والأقبية التي يخيّم عليها شبح الموت طيلة الوقت، حتى وصلت الأمور داخل تلك المعتقلات والزنازين إلى الحد الذي أصبح فيه المعتقل يمتنى الموت للخلاص من هذا العذاب والتعذيب الذي يعيشه في كل لحظة وحين على مدار اليوم.

ورغم ضخامة الأعداد المغيبة قسرّياً في سورية على امتداد السنوات السبع الماضية وتحوّلها إلى مأساة حقيقية ومرعبة أثرت وتؤثر عميقاً في جميع طبقات المجتمع السوري، إلا أنه مما يحزُّ في نفوس السوريين والمؤمنين بحقوق الإنسان وكرامته وحريته في العالم أن هذه القضية تكاد تكون مهمشة في المحادثات السياسية التي جرت في جنيف أو أستانا حتى الآن، فلم تسفر تلك الجولات السياسية عن أي تقدم ملحوظ على الإطلاق فيما يخص قضية المختفين قسريا لاسيما المعتقلين لدى نظام الأسد الذي يحتجز القسم الأكبر من السوريين في سجونه وأقبيته في ظروف بالغة السوء، ويشاركه في ذلك تنظيمي داعش والقاعدة والفصائل العسكرية ولاسيما الإسلامية منها، وكذلك الميليشيات الكردية التي تحتجز جميعها الآلاف من السوريين في مراكز اعتقال شديدة السوء.

ورغم كثافة الأدلة والبراهين المتعلقة بأهوال الاحتجاز، ولاسيما الشهود الأحياء الذين تسنىّ لهم النجاة من هذا الجحيم قد أدلوا بشهادات حيّة عن الظروف اللاإنسانية والتعذيب الوحشي والقتل تحت العذيب في مراكز الاعتقال، وإعلان الأمم المتحدة أكثر من مرة أن نظام الأسد يقوم بقتل المحتجزين واغتصابهم وتعذيبهم وإبادتهم. ورغم أن وكيل الأمين العام للأمم المتحدة “ستفين أوبراين” قد وبّخ في وقت سابق اعضاء بمجلس الامن الدولي, بسبب ما وصفه “بالوضع المخيف” الذي وصلت إليه الأزمة السورية”، وتأكيده أن “جميع أعضاء مجلس الأمن ليس بإمكانهم سوى الشعور بالعار إزاء اخفاقهم في وضع نهاية للوضع المخيف الذي يعيشه السوريون ومقتل 500 ألف شخص من بينهم على الأقل”، وطالبهم “بإحالة الملف السوري والمسؤولين عنه إلى المحكمة الدولية”، كما طالب السلطات السورية “بمنح الوصول الكامل للجنة تقصي الحقائق”. إلا أن كلامه ذهب أدراج الرياح.

ورغم التقارير العديدة التي أصدرتها لجنة التحقيق الأممية الخاصة بسوريا والتي تؤكد ارتكاب القوات الحكومية وقوات المعارضة في سوريا على حد سواء “جرائم حرب وعمليات قتل جماعي” ورغم تسريب صور رسمية صادمة من فرع الشرطة العسكرية التابعة للأسد من قبل أحد المنشقين الذي أُطلق عليه اسم “قيصر” الذي نشر أكثر من 76 ألف صورة لجثث بعض من أولئك الذين قضوا في الاعتقال، وقد تعرّف الكثير من السوريين على صور جثث أقربائهم في تلك الصور. إلا إن المجتمع الدولي مازال مستمراً في تقاعسه وتجاهله مأساة المعتقلين والمختطفين، الأمر الذي دفع عضو لجنة التحقيق الدولية في الشأن السوري “كارلا ديل بونتي إلى ترك منصبها نتيجة هذا الموقف الدولي المخزي، حيث أكدت “أن مهمتها أصبحت مستحيلة بسبب نقص الدعم السياسي من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة”.

باختصار، هذه مأساتنا ولابد لنا من العمل بكل قوتنا من أجل وضع حد فوري للتعذيب والإعدام والإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي والضمير. فهؤلاء المعتقلين المغيبين في عتمة الزنازين والمعتقلات لا حول ولا قوة لهم ومجردين من أي وسيلة للتواصل مع العالم الخارجي، وليس لهم من يعتمدون عليه سوانا نحن السوريين الأحياء، فهل نعمل لأجل إنقاذهم من هذا الجحيم؟ لاسيما وأن كثيراً منهم قد خاطروا بحياتهم لأجل حريتنا وكرامتنا.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org