د. يحيى العريضي:  بلطجة بوتين في عالم يمشي على رأسه


د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

بوتين قلق من أن تتحول “مناطق خفض التصعيد” في سورية إلى كيانات مبعثرة تعكس تقسيم او تفتيت سورية التي نعرف. لا يخفى على أحد أن “مناطق خفض التصعيد” هذه من صنع يدي بوتين ذاته، وهي النتاج المَسِخ لما كان يُراد له بداية أن يكون /مناطق آمنة/ في سورية؛ وروسيا عملت كل ما تستطيع للحؤول دون ذلك. الغريب الآن أن هذا الوليد المسخ روسيِّ الصنع أصبح مصدر قلق لبوتين، وكأنه يخشى من تشظي سورية؛ وكان يوماً في غاية الحماس لـ “سورية المفيدة” التي تحفظ له قواعده العسكرية في سورية وناطورها عصابة الإستبداد في دمشق.

بتعبيره عن قلقه، هل يسعى السيد بوتين إلى إخافة السوريين من تقسيم بلدهم؟ هل يريد أن يقول للعالم إنه حريص على بقاء سورية قطعة واحدة؟ هل في باطنه رغبة فعلية في تفتيت سورية بهذه الطريقة إرضاءً لإسرائيل التي ترغب بهذا التشظي، كي يسهل عليها التهام الجولان السوري المحتل منذ عام 1967؟ هل يريد أن يرعب السوريين من هكذا تبعثر؛ وأن ما عليهم إلا أن يتراكضوا إلى مؤتمره المزعوم في حميميم كي يتجنبوا ذلك؟ هل يريد أن يقول للسوريين وللعالم إن “أستانة” ولّدت هذه المخاليق الممسوخة المبعثرة؛ وما هي إلا أدوات تهديد بيده، كي ينصاعوا إلى ما يرسمه من سياسة؛ ويقبلوا بما يمليه عليهم من حلول “إبداعية” أنتجتها سياساته “العبقرية” وبالقوة؟

حقيقة هي كل ذلك. وما كان السيد بوتين بحاجة لكل هذه الألاعيب والتكتيكات البلطجية ليقول للسوريين وللعالم إن منطق القوة هو السائد؛ لا قوة المنطق. في كل خطوة خطاها بوتين في سورية استغلال لفراغ أخلاقي وسياسي في الساحة السورية كي ينجز أهدافه كدكتاتور يقفز من حلبة إلى أخرى في عالمنا، ليقول إن النسخة المطوّرة من “الاتحاد السوفييتي” تعود إلى الحياة.

في القضية السورية، لم يكن بوتين مغرماً بجنيف ومقرراتها في عملية انتقال سياسي في سورية. فأي انتقال سياسي سينسف له ذريعته الأساسية التي بنى عليها مغامرته في سورية. هو يسعى لإقناع العالم أن هناك “سلطة شرعية” في سورية، ولا بد من الحفاظ عليها. تلك “السلطة الشرعية” هي التي دعته إلى سورية. وأي اهتزاز في هذه المعادلة يجعل التدخل الروسي العسكري في سورية عملية احتلال صريحة موصوفة. من هنا نرى “جنيف” يتعثر، ومن هنا خَلْق محطة “أستانة”، ومن هنا المحاولات الروسية المستميتة لنسف مصداقية المعارضة- بداية بحشر منصتي /موسكو والقاهرة/ في القرار 2254، ولاحقاً بالحماس لتوسيع الهيئة العليا للمفاوضات، ليتسنى له فرطها بوجود من يريد.

قذف “جنيف” إلى المجهول، تحديد موعد لـ “أستانة” في الثلاثين والواحد والثلاثين من هذا الشهر، وتوقيت ذلك بدعوة إلى تجمع “سوري” في حميميم يضم عناصر /مصالحات النظام المهينة/ و عناصر من /مناطق خفض التصعيد/ وعناصر مما يُسمى /معارضة الداخل/ مفرزات النظام و /الحكومة/. كل ذلك ليأتي على أي عملية سياسية حقيقية تسهم بعملية الانتقال السياسي. بذلك يكون بوتين- وحسب تصوره في منطق القوة الغاشمة- قد حلّ الأمور سياسياً في سورية.

يدرك بوتين ان مخرجات هكذا حركة ستكرس تقسيم سورية؛ ستنجي منظومة الإستبداد من كل ما ارتكبت من جرائم وتعيد تكريرها وتأهيلها؛ ستكرس روسيا قوة احتلال بـ “رضى” السوريين والعالم؛ ستجهض القرارات الدولية من جنيف حتى الآن؛ ستنهي ثورة أهل سورية على الظلم والإستبداد؛ ستريح إسرائيل أبدياً وتطوي صفحة الجولان؛؛ ستبقي على المهجرين السوريين مبعثرين في أربع بقاع الأرض دون امل بالعودة؛ ستترك سورية قطعاً هامدة ميتة يسهل التحكم بها؛ ستزرع بذور التوتر وتديمها؛ سيستمر الإرهاب والحجج بالتدخل في سورية؛ وستنسف أي فرصة لإعادة الإعمار أو إعادة سورية وأهلها إلى الحياة. يكفي السيد بوتين ان يعلم أن مصطلحه الجديد “شعوب سورية”- المراد جمعهم في حميميم- مصطلح يماثل ويطابق /شعوب روسيا الاتحادية/ أيام الاتحاد السوفيتي، ومطابق لدكتاتوريته؛ وهو مردود عليه؛ لأنه يثبت انه رئيس عصابة لا رئيس دولة؛ ومصير هكذا بهلوانية الفشل؛ فهو يثبت بانه لا يعرف سورية، ولا السياسة إلا على طريقة “غروزني”.

المنتج الأساس لهكذا مشروع يتمثل بتكريس الفوضى في عالمنا؛ وسيصبح بإمكان أي سلطة تشعر بالتهديد أن تقتل شعبها؛ ويُعاد تأهيلها؛ رغم كل الجرائم التي ترتكبها. ففي الحالة السورية وخلال السبع العجاف الماضية، وفي كل مناحي الحياة السورية، زال القانون، وحكمت القوة الغاشمة؛ اقتُلِعَ العقل، وحلّت الحماقة مكانه؛ ساد مبدأ “أموت أو تموت”. ما كانت مهمة السلطة الحاكمة- مع امتلاكها لأداة القتل- أقل صعوبة من مهمة الشعب الذي ثار مع امتلاكه للأداة الأخلاقية في مقاومة الاستبداد والظلم. السلطة سعت وبحثت عن شرعنة القتل، فأفلحت في عالم تسود فيه مبادئ سيادة القوة؛ والشعب بحث عن شرعنة الأخلاق في مقاومة الاستبداد فلم يفلح للأسباب ذاتها. وقعت السلطة في مأزق عوّز القوة، لإن الإفراط في استخدام القوة يستنزفها؛ فكان لا بد من استدعاء المزيد منها- بداية من إيران، ولاحقاً من روسيا. وهاهي روسيا تنهج نهج سلطة الإستبداد ذاته وتقول /أحكمها أو أدمرها/. والحكم او الدمار لا يشمل ها هنا “الشعب السوري” بل تلك السلطة الاستبدادية التي لم يعد لها هاجساً إلا البقاء في كرسي الدم.

ومن هنا تزداد المأساة السورية تعقيداً بوجود قوى “كبرى” بسياسات غاشمة تضع القانون والحقوق الإنسانية جانباً، في عالم يفقد توازن بقائه الطبيعي، أهله يستشعرون الحاجة الماسة لسيادة القانون؛ ولكن عبثاً في ظل جشع يريد أن ياتي على كل شيء، من أجل البقاء في سلطة تتحكم بعالمنا ومقدراته. فإلى أن تأتي صحوة حقيقية، ستستمر هذه الفوضى “الخلاقة”، التي قد تتحول إلى دمار حقيقي للخليقة بما في ذلك دمار المتحكم بالقوة. إن اشتعال المركب السوري سيصل إلى كل الاسطول مع غياب العقل والضمير والأخلاق في هذا البحر الهائج الذي اسمه عالم القرن الواحد والعشرين.





Tags:

للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org