أكبر استثمار فرنسي في سوريا.. تفاصيل تمويل عملاق الأسمنت (لافارج) لـ(داعش)


كلنا شركاء: ميرفت عوف- ساسة بوست

كانت تكلفة مواصلة عمل المجموعة الفرنسية- السويسرية العملاقة للأسمنت «لافارج هولسيم» خلال الحرب السورية باهظةً للغاية، لم تقتصر على دفع ما بين 80 و100 ألف دولار شهريًّا لـتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» الذي أمن عمل فرعها بسوريا في الفترة ما بين 2012 و2014.

فالقضية يُفتح ملفها الآن في المحاكم الفرنسية، ويتابع فيها التحقيق مع شخصيات متعددة ويُعتقل آخرون، كان آخرهم رجل الأعمال السوري «فراس طلاس»، شريك رجل الأعمال المصري الشهير «نجيب ساويرس»، فقد اعتقل طلاس قبل أيام في الإمارات على خلفية تلك القضية، التي تعد الأشهر في قضايا تمويل الشركات متعددة الجنسيات لـ«الإرهاب».

كيف اشترت «لافارج» البقاء من تنظيم الدولة؟

فجرت صحيفة «لوموند» الفرنسية في عددها الصادر يوم 21 يونيو (حزيران) 2016، مفاجأةً كبيرةً حول تعاون الفرع السوري لشركة لافارج الفرنسية لصناعة الأسمنت، مع داعش في سوريا.

يظهر التحقيق أن الفرع القائم على أرض مدينة جلابيا، شمال شرقي سوريا، والذي اشترته الشركة في عام 2007 من شركة «أوراسكوم» المصرية، بقي على الأرض السورية عكس غيره من فروع الشركات الأجنبية التي غادرت بعد الثورة.

كان المقابل لهذا البقاء هو دفع أموال لداعش، فبعد ستة أشهر من تشغيل «لافارج» لمصنع الأسمنت في الجلابية وإنفاقها 680 مليون دولار أمريكي، اندلعت الثورة السورية، وكل ما حدث هو إخراج لافارج الموظفين الأجانب، وغالبيتهم من مصر والصين، فيما استمر عمالها المحليون في تشغيل المصنع، لكن بعدما اقتربت الحرب من الرقة وحلب والشمال السوري، وخرجت الرقة تحديدًا عن سيطرة النظام السوري إلى سيطرة قوات وحدات حماية الشعب الكردي، ثم إلى سيطرة داعش، قررت الشركة ضمان بقاء العمل، فاستيلاء التنظيم على بلدة «منبج» الواقعة شرق فرع الشركة، وتحديدًا على بُعد 65 كيلومترًا منه، دفع لافارج لتأمين اتصالات مع مسؤولي التنظيم المتواجدين في المعقل «الرقة»، وتم التوصل إلى ضرورة دفع رشاوى مقابل الحصول على تصاريح دمغت بطابع «الدولة الإسلامية» تسهل دخول شاحنات المصنع والوقود عبر الحواجز العسكرية للتنظيم.

ويظهر تقرير الصحيفة شبهات حول تزود الشركة بالنفط من داعش تحت غطاء عقود مزورة مع مستشارين، لكن مدير المصنع «فريدريك جوليبوا» كان قد صرح في يوليو (تموز) 2014، أن «الحكومة السورية لم تعد تسيطر على محطات التكرير، وبتنا نشتري من منظمات غير حكومية بشكل مخالف تمامًا للقانون».

ويشير تقرير الصحفية الذي دفع القضاء الفرنسي لبدء التحقيق في يونيو (حزيران) الماضي، إلى أن «الرسائل الإلكترونية بين مندوب الشركة والتنظيم كانت تصل أيضًا إلى مدير أمن الشركة في باريس، جان كلود فييار، ما يثبت أن إدارة لافارج كانت موافقة على التعاون مع (داعش) وتمويله بطريقة غير مباشرة عبر الأتاوى، وكانت تقدم من خلال تقديم كشوفات مالية مزورة»، حسب الصحيفة.
وفي مارس (آذار) الماضي، اضطرت العملاقة «لافارج هولسيم» التي انسحبت من سوريا في 19 سبتمبر (أيلول) 2014، وتركت مقر المصنع للتنظيم، للاعتراف بأن مصنعها في سوريا قد أجرى ترتيبات مالية غير مقبولة مع مجموعات مسلحة، وجاء في بيان الشركة: «يظهر بعد التحقيق أن مصنعنا المحلي قدم موارد مالية لأطراف خارجية في إطار ترتيبات مع أفراد من هذه المجموعات المسلحة، وبينها تنظيمات محظورة، بهدف الاستمرار في الشغل، وضمان أمن تنقل الموظفين»، وقال مسؤولون في الشركة إن الخيار كان: «إما القبول بالرشوة وإما الرحيل»، إضافة إلى ذريعة الرغبة في الاحتفاظ بموقع استراتيجي يمنح الشركة الصف الأول عند إعادة إعمار سوريا.

وضمن السلسلة المتلاحقة للقضية، خضع في سبتمبر (أيلول) الماضي موظفون سابقون من الشركة للاستجواب، بعد أن جاؤوا من سوريا إلى فرنسا كأول دفعة من الشهود، ويركز التحقيق مع هؤلاء حول معرفة ما إذا كان المديرون في فرنسا على علم بهذا الفعل المزعوم، ومدى الخطر، الذي يمكن أن يشكله على الموظفين في سوريا.

في قلب الفضيحة.. أسماء «فراس طلاس» و«نجيب ساويرس» وآخرين

يقضي القانون السوري بمنح نسبة من أسهم الشركة الأجنبية لأحد السوريين، ولذلك كان على «لافارج» التي أطلقت على فرعها في سوريا اسم «Lafarge Cement Syria» منح نسبة من أسهمها إلى ابن وزير الدفاع السوري ورجل الأعمال السوري المقرب من النظام آنذاك «فراس طلاس».

وقد كان طلاس حينها يملك شركة «السورية للأسمنت»، قبل أن ينضم لـ«لافارج» ممثلًا للجانب السوري بتوجيهات مباشرة من بشار الأسد، وقد شمل الاتفاق رجل الأعمال المصري المعروف «نجيب ساويرس»، وشقيقه مالك شركة أوراسكوم للإنشاء والصناعة «ناصف»، ويذكر تقرير موقع «زمان الوصل» السوري أنه: «اتفق الأخوان سايروس على بناء مصنع للأسمنت تحت مسمى السورية للأسمنت بشراكة مع فراس طلاس، وإبان القيام بتشييد المصنع، حدث اندماج بين أوراسكوم ولافارج، وهكذا آلت ملكية المصنع في سوريا إلى الكيان الوليد، وآلت حصة فراس طلاس في أوراسكوم إلى حصة في لافارج»، وتؤكد التحقيقات الفرنسية، أن الشركة دفعت مبالغ مالية لطلاس بغية حماية موظفيها وطرق عملها، وطلاس هو من كان يدفع ما بين 80 إلى 100 ألف دولار شهريًّا، للتنظيم وجماعات مسلحة أخرى في الفترة ما بين 2012 و2014، يقول المساعد السابق للمدير التنفيذي العام «كريستيان هيرو»: «البقاء في سوريا كان لقاء ثمن، الشركة كانت تضمن أمن موظفيها بدفع ما بين 80 و100 ألف دولار كل شهر لرجل أعمال سوري كان مساهمًا صغيرًا سابقًا في المصنع، وكان يوزع المبلغ على فصائل مقاتلة عدة».

طلاس صاحب المصنع الأكبر للأسمنت في سوريا -قبل وصول لافارج- له موقعه داخل النظام الذي مكنه من تسهيل أعمال الشركة الفرنسية، لكن بعد أن انشق عن النظام وأقام في دبي، تضاءلت حصته من 20% إلى نحو 1%، وتقول مصادر سورية إن النظام السوري صادر حصة «طلاس» في شركة «لافارج سوريا»، واستولى عليها تحت ذريعة «تمويل الإرهاب».

وقبل أيام، أعلنت مصادر متعددة أن «طلاس» اعتقل من قبل «إدارة الأمن الوقائي» بالإمارات، ورغم قول البعض إن خليفة الاعتقال هي «تزوير شيكات وأوراق مالية»، إلا أن الأرجح أن سبب الاعتقال يعود لارتباط اسم «طلاس» بملف
التحقيقات حول شركة «لافارج»، ويشير موقع «المدن» اللبناني عن مصادره إلى «اختفاء عدد من المقربين من طلاس، في الإمارات وفي تركيا، عقب شيوع الخبر، وأن جميع محاولات التواصل معهم باءت بالفشل، وتأكد توقيف أنس الرقوقي، إلى جانب طلاس، في الإمارات».

لم يقف الأمر عند طلاس، ففي 13 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي نشرت جمعية شيربا الفرنسية غير الحكومية وثائق تؤكد تورط وزير الخارجية الفرنسي السابق «لوران فابيوس»، وسفير فرنسا السابق في سوريا «إيريك شوفالييه»، ومبعوث فرنسا إلى سوريا «فرانك جيليه» في قضية شركة «لافارج»، وقالت الجمعية المعنية بمكافحة الفساد أن القضاء الفرنسي استدعى المسئولين الثلاثة لاستجوابهم على خلفية تلك الوثائق، وتظهر محاضر اجتماعات داخلية للشركة أن نائب رئيس شركة لافارج «كريستيان هيرو»، قال: «إنه كان يجتمع كل ستة أشهر مع السفير جيليه للتشاور معه بخصوص مصنع الشركة في الرقة، وفي كل مرة اجتمع فيها مع جيليه كان يؤكد لي أن تعليمات وزارة الخارجية تقضي بضرورة إبقاء المصنع في الرقة مفتوحًا؛ لأنه يعد أكبر استثمار لنا في سوريا»، الأمر الذي يعني أن تأمين عمل المصنع تم بعلم هؤلاء المسئولين المكلفين بشؤون سوريا.

في النهاية.. «لافارج» تغذي النزاعات المسلحة

دفعت قضية تمويل «لافارج» لتنظيم الدولة، جمعية «شيربا» الفرنسية، والمركز الأوروبي للدفاع عن الحقوق الإنسانية والدستورية وقدامى موظفي شركة لافارج– سوريا، لتقديم شكوى قضائية ضد الشركة، متهمين إياها بـ «تمويل الإرهاب»، و«الشراكة في ارتكاب جرائم حرب»، و«جرائم ضد الإنسانية»، و«تهديد حياة الآخرين»، وجرائم أخرى يحاسب عليها القانون.

وتلك المرة الأولى التي تقدم فيها جمعيات شكوى ضد شركة متعددة الجنسيات بتهمة تمويل الإرهاب، وذكرت الجمعية أن الشركة قامت بتهديد حياة العمال والموظفين، وعدم اتخاذ التدابير الكافية لحمايتهم من الخطف أو القتل، وينقل موقع «شيربا» شهادات لعمال سابقين في المصنع أكدوا: «أن إدارة الشركة استخدمتهم كدروع بشرية لحماية إنشاءاتها ومصالحها».

ونقلًا عن مديرة القسم القانوني في المركز الأوروبي، ميريام سعاج – معاب، أن: «حالة (لافارج) في سوريا، تبين كيف أن شركات متعددة الجنسية العاملة في مناطق تشهد اضطرابات، يمكن أن تغذي النزاعات المسلحة، وتساهم في ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان».

ويشغل أكبر منتج للأسمنت حول العالم «لافارج»،أكثر من 2500 مصنع في 90 بلدًا، يعمل بها ما يقارب 115 ألف شخص حول العالم، وتفوق أرباح إنتاج 387 مليون طن سنويًّا 32 مليار دولار، بينما كان فرع الشركة في سوريا تقدر طاقته الإنتاجية ما بين 2.5 و3 ملايين طن سنويًّا، وهو أضخم وأهم الاستثمارات الفرنسية في سوريا.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org