الغارديان: بقدر ما تخسر (داعش) تربح إيران


يجري حاليًا إعادة توجيه فوضوي للتحالفات والعداوات في سورية والعراق، حيث تعاني المنطقة من دمار يقارن مع حرب الثلاثين عامًا 

كلنا شركاء: الغارديان. ترجمة أحمد عيشة- جيرون

سقطت الرقة التي كانت تسمّي نفسها “عاصمة الخلافة” للدولة الإسلامية المزعومة، والتي ادّعت الخلافة في شرق سورية، سقطت لصالح القوات الكردية والعربية السنية، في الأسبوع الماضي. كان هذا الحدث نجاحًا لا جدالَ فيه للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ضد (داعش). أما بالنسبة إلى سكان المدينة، فقد كان ذلك يعني نهاية ثلاث سنواتٍ مرعبة، تحت حكم طائفةٍ عدمية مُهلكة. أنتج حكمُ (داعش) في الرقة انطباعًا عالميًا، حيث كانت تعرض فظائعها وأيدولوجيتها: كانت هناك عمليات قطع الرؤوس في الملعب الرياضي، ورميُ رجالٍ مثليّين جنسيًا من فوق أسطح المنازل، وإعادة النساء إلى العبودية، وتلقين الأطفال ليصبحوا انتحاريين. إنَّ طرد الجماعة المتمردة الآن خبرٌ جيد للشرق الأوسط، ولغيره.

من السابق لأوانه، القول إنَّ (داعش) قد هُزمت بشكلٍ نهائي. فهي لا تزال تمسك بجيوبٍ من الأراضي عبر الحدود السورية العراقية. من غير المرجح أنْ يختفي الحرمان السني -وهو قضية رئيسة للتجنيد في (داعش)- إذا سُمح للديكتاتور السوري بشار الأسد، بمواصلة اضطهاد شعبه. إنَّ تأكيد دونالد ترامب، يوم السبت 21 تشرين الأول/ أكتوبر، على أنَّ سقوط الرقة سيبشر بانتقالٍ سياسيّ في سورية هو ساخرٌ وأجوف؛ إذ لا يوجد أيّ دليلٍ على هذا التحوّل في دمشق.

لا يمكن القول إنَّ المنطقة على العموم هي أقربُ إلى الاستقرار، ناهيك عن السلام. بينما سقطت الرقة، عادت مدينةٌ ثانية، وهي كركوك في العراق المجاور، إلى حكم جماعةٍ أخرى أيضًا، على الرغم من أنَّ الظروف كانت مختلفةً جدًا. كانت قوات البيشمركة الكردية التي سيطرت على كركوك، وحقول النفط القريبة منذ عام 2014، قد طُردت من قبل الجيش العراقي الذي يهيمن عليه الشيعة.

قبل أسابيع فقط، صوّت الأكراد في استفتاءٍ بأغلبيةٍ ساحقة، من أجل استقلال إقليم كردستان العراق، حيث اعتُبر التصويت بمثابةِ تدبيرٍ لتعزيز تطلعات الأكراد السياسية منذ زمنٍ طويل، إلا أنَّ نتائج التصويت كانت سيئةً. إذ اجتاحت قوات بغداد الحكومية مدينةَ كركوك من دون مقاومة تقريبًا، حيث كان للانقسامات بين الفصائل الكردية دور غير صغيرٍ في الانهيار. حدث كل هذا في أسبوعٍ واحد فقط. انتصار القوات الكردية في الرقة، وسحقها في كركوك، هو جزءٌ من إعادة تنظيمٍ فوضوي لجميع أنحاء المنطقة.

إنَّ توقّع الزوال الوشيك لقوة (داعش) دفع الجماعات المسلحة المحلية، والدول القومية التي تعمل كداعمٍ لها، إلى التحرك بسرعةٍ لتحاصر مواقعها، وتملأ أيَّ فراغٍ ناتج. تتغيّرُ التحالفات مع تغيّرِ الظروف، وإعادة رسم الخطوط في الرمال. فالحرب الإقليمية المفتوحة على مصراعيها للجميع، ما زالت جاريةً، ولا يمكن لأحدٍ أنْ يتوقّع نهايتها.

القوات الكردية والعراقية التي كانت قد تحالفت ضد (داعش)، وكلاهما يتلقيان تدريبًا وتجهيزًا من الولايات المتحدة، تحولتا الآن ضد بعضها البعض. في الصحراء الشرقية من سورية، تتنافس الجماعات التي تدعمها الولايات المتحدة، وإيران، حيث كانت تواجه (داعش) في وقتٍ واحد، بشكلٍ عنيف الآن على معالم استراتيجية. إن حالات التضامن التكتيكية أيضًا تهترئ. حيث تسعى تركيا التي كانت في السابق داعمًا فعالًا لحركة التمرّد ضد الأسد، إلى الحصول على دعمٍ روسي ضد الأكراد، في الوقت الذي أعلنت أنَّها سترسل قواتٍ بريّةٍ إلى محافظة إدلب التي يسيطر عليها المتمردون.

إنَّ القوة العسكرية الفظة، والانتهازية الجيوسياسية تحكم تلك الأحداث في الشرق الأوسط. فقد تمَّ التخلي تمامًا عن الدبلوماسية، إذ لا يوجد نواظم باستثناء القوة التي تصنع الحق. ومع تقلص الأراضي التي تسيطر عليها (داعش)؛ تتنافس الدول، والكيانات غير الحكومية على حدٍّ سواء من أجل النفوذ والسيطرة. فالخلافات الطائفية والعرقية تغذي ديناميةً خطيرة، والمقارنة مع حرب الثلاثين عامًا قد لا تكون مبالغًا فيها.

مع ذلك، فإنّ الدولةَ التي حققت مكاسب حتى الآن أكثر مما خسرت في هذه الحرب الإقليمية متعددة الأوجه، هي بالتأكيد إيران. مع انتشار قواتها، ووكلائها العاملين على أرض الواقع؛ ازداد النفوذ الإيراني في العراق وسورية ولبنان. لقد استفادت من الفوضى، وكذلك من الأخطاء الأميركية، وسوء تقديرها. وربما ينبغي أنْ يُنظرَ إلى التهديدات الأخيرة التي وجهها السيد ترامب، ضد إيران في هذا السياق على أنَّها محاولةٌ للرّد، ولكن لديها القدرة على خلق مشكلات أكبر. بينما تتراجع (داعش)؛ يشهد العالم تدافعًا نحو الغنائم. في الوقت الراهن، كلُّ انتصارٍ عسكريّ، يُهيئ المجال لمواجهةٍ أخرى، وليس للمحادثات. بالنسبة إلى سكان الرقة، وكركوك والكثيرين غيرهم، فهي وصفة لحالة كبيرة من الشك وعدم اليقين.

***********************************

حرب الثلاثين عامًا: هي سلسلة من الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت، امتدت من عام 1618 إلى 1648، حيث مزقت أوروبا، وراح فيها من القتلى (ما يقرب من ثلث سكان بعض الدول، مثل ألمانيا، حيث قتل حوالي 7 مليون شخص)، وفي شكلها الآخر، كانت حربًا من أجل السيطرة والنفوذ.
تغيرت فيها التحالفات كثيرًا، ففرنسا الكاثوليكية أيّدت البروتستانت، ضد سلالة هابسبورغ الكاثوليكية في إسبانيا، انتهت مع صلح (وستفاليا) عام 1648 الذي أسس لحدود دول قومية، استمرت حتى الحرب العالمية الأولى.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org