منير درويش: ياسين الحافظ وثقافة النقد


منير درويش: كلنا شركاء

تجلت ثقافة النقد عند ياسين الحافظ في نظرته الثاقبة للواقع في البلدان العربية ومجتمعاتها حيث يسود التأخر ويلقي بظلاله على مختلف الأصعدة من ثقافية واجتماعية وسياسية ( في كتابه الهزيمة والإيديولوجية المهزومة )كما تجلت في وصفه لهشاشة هذه المجتمعات التي” أصبحت تقف على حافة السكين فإما ان تلحق بركب الحضارة التي تتقدم بسرعة فائقة أو تسقط في الهاوية ” . كما تجلت ثقافة النقد في تعريته للسياسات العربية التي تجهل الواقع وتعجز عن التأثير فيه. ( اللاعقلانية في السياسة ) لقد كتب عن ياسين الحافظ الكثير ولا زال يكتب عنه أكثر ولكن الكتابة عنه اليوم تختلف في منهجها فهي تتجه نحو الواقع الذي آلت إليه الأوضاع العربية والتي توقعها ياسين وهي تسيرالآن كما توقعها بانحدار شديد نحو الهاوية، وتعيش بدلالة الماضي بدل المستقبل ، ولا تعطي دوراً للدولة الوطنية والمؤسسات التي تحكمها والتي تعتبر الإطار الوطني لأي عملية تقدم عندما تحتكم للقانون في ممارسة عملها، هذا القانون الذي يصيغه أبناؤها وفق مصالحهم الوطنية لا الشخصية فقط.

في ذكرى وفاته التاسعة والثلاثين 28 / تشرين الأول 1978 لن نأتي بجديد لو قلنا أنه اختير بجدارة كواحد من ال 1000 من أبرز المثقفين في القرن العشرين رغم أن منظومته الفكرية لم تترجم من العربية ولكنها كانت حاضرة في المحافل ولدى المثقفين في سورية و البلدان العربية والعالمية.

أسباب عدة دعمت هذا الاختيار، أساسها نقده وتعريته للواقع العربي ورؤيته المستقبلية لهذا الواقع من منظور عقلاني تؤكدها الأحداث الراهنة. تأثر كما يعترف هو نفسه بأبحاث عبدالله العروي المثقف المغربي الذي تناول بأبحاثه العميقة وفي كتبه ( العرب والفكر التاريخي ، والإيديولوجية
العربية المعاصرة ) تأخر المجتمعات العربية ووعيها المفوت مع معالجته لمفاهيم لم تكن هذه المجتمعات توليها الأهمية ، كمفهوم الدولة، ومفهوم الحرية ، والإيديولوجية .

لقد تأثر الحافظ بالعروي في وقت كان يعمل ومن خلال رئاسته لدار الحقيقة على إصدار عدد من المطبوعات تصب في هذا المنهج وقد نجح.

لم يكن يطمح لأي مكسب شخصي ولم يحاول أن يعفي نفسه من نضال من اجل الشعب والوطن، دخل السجن، وعاش مقهوراً على تخوم هذا الوطن بدل أن يعيش فيه.

اختار العمل في الأطر السياسية المتوفرة رغم عدم قناعته بفعاليتها لكنها الوسيلة الممكنة لنشر الوعي ومواجهة التسلط والاستبداد والاستغلال، وقد حاول مع رفاق له العمل على إصلاحها لكنها كانت عصية على الإصلاح، فهي تطالب بالديمقراطية والحرية والعدالة في مناهجها وتمارس الاستبداد والاستغلال والتسلط في حياتها الداخلية وأساليب عملها، كان يتساءل ونتساءل معه، كيف يمكن لها أن تمارس الديمقراطية وهي تؤيد الانقلابات العسكرية أو سياسة الحزب الواحد وتتحالف معها ؟ وكيف يمكنها ممارسة الديمقراطية وقد نشأت في تنظيمها وفق النمط السوفييتي الستاليني، الذي يلغي حرية الرأي والتعبير والاعتراف بالأخر ويلغي السياسة من المجتمع ويسخر موارد الدولة ومؤسساتها لصالح حزب أو طبقة؟ والمؤسف أننا ونحن الذين كنا وسط هذه التجربة لا نعترف بهذه الحقيقة وأعفينا أنفسنا من مسؤوليتنا فيها ونقد تجاربنا رغم التضحيات الكبيرة التي قدمتها هذه التجارب، وألقينا المسؤولية على الغير، علماً أن الاعتراف بهذه الحقيقة
هو المدخل لمصداقية تفتح الباب لنكون صادقين مع أنفسنا ومع الشعب .

إن البلدان العربية ومجتمعاتها تعاني اليوم من مأساة عميقة ،” لقد أصبحت ساحة عشب يتصارع فوقها الفيلة كما يقول احدهم ” هذا الواقع يفرض على نخبها ومثقفيها وساستها أن يعيدوا النظر بجميع المناهج الفكرية والاجتماعية والسياسية ويعملوا على صياغة مشاريع وطنية ديمقراطية خارج أطر الإيديولوجيات مهما كان نوعها، مناهج فكرية وسياسية متطورة تؤسس لحقوق المواطنة المتساوية وتلتزم بحقوق الانسان وتعزز من وجود الدولة ودمقرطتها، دولة تساوي بين مواطنيها بجميع مكوناتهم دون أي تمييز، ويحكمها نظام وطني ديمقراطي تعددي وتداولي، كما يفرض عليهم أيضاً العمل على دمقرطة المجتمع لتعزيز قوة هذه الدولة .

يجب الأخذ بالاعتبار أن الهزائم العربية لم تكن هزائم عسكرية فقط كما يقول الحافظ بل هزائم مجتمعية حضارية بكل تفصيلاتها بدءاً من واقع المرأة وانتهاءً بالوعي الثقافي وبمكانة العلم والبحث العلمي فضلاً عن السياسة ”فالمجتمعات العربية متأخرة ومفوته تبحث عن حلولها في الماضي وتهمل المستقبل والنخب العربية لا تعرف كيف تستفيد من الإمكانات بل تعرف كيف تهدرها وتنهبها ” .هذا التأخر يعيش في ثنايا وعينا وكان عاملاً هاماً في إنتاج المجموعات المتطرفة التي نجدها اليوم بيننا و لم تنزل علينا من العدم ” فجوامعنا وفق الحافظ مكتظة ، وكنائسنا مزدحمة ، واطفالنا يحفظون ما تقدمه لهم المذاهب والطوائف من أفكار أكثر مما يتعلمون الحساب والعلوم “.

نحن لم نولي الثورة الديمقراطية التي تعتبر الشرط اللازم لتحديث وعقلنة المجتمعات العربية، الأهمية التي تستحقها ” إن ما جعلنا لا نولي الثورة الديمقراطية الأهمية التي تستحقها هو أنها مناقضة لوعينا من جهة وضرب من رغبة ذاتية في استعجال مراحل التطور وحرقها واختزالها من جهة أخرى، لقد أثبت التاريخ إن حرق المراحل وهم وإن للتاريخ وزناً لا يمكن الاستهانة به”. لقد أكد الحافظ في التقرير الذي قدمه للمجلس القومي الثالث لحزب العمال الثوري العربي حزيران 1974 واقر في المجلس القومي الرابع للحزب تموز 1977 الأساسيات التالية.

إن السيرورة التاريخية للثورة الديمقراطية تتمثل في. “ـ امتزاج الدولة بالمجتمع وانبثاق ديمقراطية سياسية حقة. ـ التوحيد الثقافي ـ تصفية كافة التشكيلات ما قبل القومية كالطائفية والمذهبية والعشائرية وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية ـ تسييس الشعب ـ علمنة السياسة والتعليم، وفصل الدين عن الدولة وبالتالي عن المدرسة ـ حل مشكلة الأقليات.” هذه الأساسيات هي التي يجب أن نعمل عليها إذا أردنا أن نبني مشروعنا الوطني ونلحق بركب الحضارة.

إنها مبادئ تحتاج إلى عمق كبير في التفكير والبحث والنقاش وقد يستغرق تنفيذها وقتاً طويلاً لكن الحافظ يقول ” إن الثوري الحقيقي يزرع كل يوم لكل الرياح ولا يدري متى يأتي موسم الحصاد لكنه يعلم بأن الزرع يمكث في الأرض مهما طال الزمن ، فالأرض معطاءة دوماً”.





Tags:

للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org