(جنود الحظ) الروس في سورية: مرتزقة بدوافع مادية وأيديولوجية


كلنا شركاء: رامي القليوبي- العربي الجديد

تراوح دوافع الروس الملتحقين بشركات عسكرية خاصة للمشاركة في أعمال القتال في سورية، بين اعتبارات مادية للحصول على رواتب مغرية وعدم إتقانهم لمهن أخرى، و”حب الحرب” ودوافع أيديولوجية، وفق اعترافات “جنود حظ” نشرتها أخيرا صحيفة “كومسومولسكايا برافدا”، في مقال بعنوان “الشركات العسكرية الخاصة. من أجل ماذا يقاتل ويُقتل (جنود الحظ) الروس في القرن الـ21؟”.

وتحدث المراسل الحربي للصحيفة، ألكسندر كوتس، مع واحد منهم يدعى دينيس وشارك في الحربين اللتين شنتهما موسكو على الشيشان، ثم “دافع عن أفكار العالم الروسي” كـ”متطوع” شرق أوكرانيا، وصولا إلى ثلاث مهمات بسورية في كل من حلب وتدمر ودير الزور.

ويتقاضى دينيس راتبا شهريا يزيد عن 5 آلاف دولار مقابل قتاله في صفوف شركة عسكرية خاصة ترفض روسيا الاعتراف بوجودها بشكل رسمي حتى الآن، ولكن صورا لمقاتليها وأنباء عن سقوط قتلى بينهم تتسرب أكثر فأكثر عبر الصحافة الليبرالية وشبكات التواصل الاجتماعي، وسط صمت وزارة الدفاع الروسية.

ويوضح كاتب المقال أن وزارة الدفاع لا تكذب، لأن “مقاتلي الشركات العسكرية الخاصة لا يتبعون ولا يخضعون لها بشكل رسمي، وهذه ممارسات عالمية”، مشيرا إلى أن “المواطن الأوروبي العادي يفضل إيفاد مرتزقة محترفين للمشاركة في أعمال القتال بدلاً من جنود نظاميين”. ويرجع هذا التوجه إلى عاملين رئيسيين، أولهما كون مستوى تدريب المرتزقة أعلى كثيراً من الجنود في أغلب الأحيان، وثانيهما عدم إحراج الدولة بإقامة جنازات عسكرية مهيبة وأسئلة من قبيل “لماذا يُقتل شبابنا في العراق وأفغانستان وليبيا وسورية؟”.

ولا يرى “جندي حظ” – بحسب تسمية الصحيفة – آخر يدعى أوليغ، مشكلة أخلاقية في الاستعانة بالمرتزقة، مؤكداً أنه يتم إعلامهم بجميع تداعيات ذلك قبل التعاقد. واكتسب أوليغ، الضابط السابق، خبرة قتالية أثناء مشاركته في أعنف المعارك في “حرب الأيام الخمسة” في جورجيا عام 2008، وبعد إنهاء مسيرته العسكرية عمل في مجال الحراسة وأسّس محطة خدمة سيارات، إلى أن تلقى في عام 2015 عرض عمل “في مجال تخصصه”.

ويصف أوليغ تجربته مع الشركة العسكرية، قائلا: “لا أشعر بأي ضيق تجاه الدولة. هناك شروط عليك قبولها عند الالتحاق بشركة عسكرية خاصة. إذا تم أسرك، فستتبرأ الدولة منك. في حال مقتلك، على الأرجح، لن يتم نقل جثمانك إلى الوطن. إلا أن أسرتك ستحصل على ما بين مليون وأربعة ملايين روبل (بين 17 و70 ألف دولار) حسب العقد”.

وحول خصائص عمل المرتزقة، يضيف: “يحظر عليك الحديث عن نشاطك في أي مكان لا سيما على شبكات التواصل الاجتماعي. يعلم الأهالي بهذه الشروط أيضا في أغلب الأحيان، ولذلك لا يهرعون بالشكاوى إلى الصحافيين في حال وقوع مكروه”. ويعتبر أن عدد القتلى في صفوف الشركات العسكرية يجب ألا يشغل الإعلام، لكونهم “مرتزقة محترفين يعلمون إلى أين ذهبوا”، على عكس الاعتماد على جنود الخدمة الإلزامية في الشيشان والذي أثار انتقادات وجدلاً واسعاً في روسيا.

ويلخص أوليغ دوافع المرتزقة الروس، قائلا: “التقيت مع بضعة مقاتلين تحركهم الفكرة والوقوف مع كل ما هو ما جيد ضد كل ما هي سيئ. هناك من يقاتل من أجل المال فقط، وآخرون لا يتقنون مهنا أخرى ولا يريدون تعلمها، وليس لدوافع وطنية”.

آفاق التقنين

منذ إدانة القائمين على شركة “الفيلق السلافي” المسجلة في هونغ كونغ عام 2013، لا يتوقف في روسيا الجدل حول ضرورة تقنين أوضاع الشركات العسكرية الخاصة.

وبحسب خبير بلجنة الأمن بغرفة التجارة والصناعة الروسية، يان برانيتسكي، الذي شارك في إعداد مشروع قانون ينظم عمل الشركات العسكرية الخاصة، فإنها ستساعد في الحد من المخاطر مثل “تأنيب الدولة لضلوع جنودها في حوادث عسكرية ما”، مستشهداً بخبرة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا في ذلك، كما يمكن توظيفها لحراسة حقول الغاز وتدريب العسكريين الأجانب وصيانة المعدات.

ورغم أن القانون الجنائي الروسي يحظر تجنيد المرتزقة، إلا أن هناك شركات روسية معدودة مسجلة بالخارج وتعرف بكفاءتها في مجال تأمين سلامة الملاحة البحرية. وقال برانيتسكي لـ”كومسومولسكايا برافدا” في هذا السياق: “لا توجد شركات روسية بحتة، بل هناك شركات عسكرية خاصة مسجلة في مالطا وقبرص. يمكن لبلادنا أن تضع من خلال تجربتها في سورية أساسيات عمل الشركات الخاصة”.

وتشير الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة وبريطانيا تكادان تحتكران السوق العالمية للشركات الأمنية، وأشهرها شركة “أكاديمي” الأميركية (“بلاك ووتر” سابقا)، وتضم نحو 20 ألف موظف وتحصل على 90 في المائة من حقيبة أعمالها من الحكومة الأميركية، مركزة نشاطها في العراق وأفغانستان.

أما أكبر الشركات الأمنية في العالم، فهي “جي فور إس” البريطانية التي تزاول أعمالها في 125 بلدا وتضم نحو 500 ألف موظف، أي نحو ثلاثة أضعاف عدد أفراد الجيش البريطاني.

ولما كان الحجم الإجمالي لأعمال الشركات العسكرية الخاصة في العالم يقدر بنحو 100 مليار دولار سنويا، يمكن لروسيا أن تصبح لاعباً مؤثراً في هذه السوق في حالة إخراج “جنود الحظ” الروس من “المنطقة الرمادية” مالياً وقانونياً.

ويرى النائب الأول لرئيس لجنة الدفاع والأمن بمجلس الاتحاد (الشيوخ) الروسي، فرانتس كلينتسيفيتش، أنه يتعين على النواب والأجهزة الأمنية الروسية وضع مشروع قانون ينظم قواعد اللعبة للشركات العسكرية الخاصة في ظل مصالح الشركات الحكومية والخاصة الكبرى الروسية في الخارج واحتياجها إلى تأمين خطوط أنابيب النفط والغاز والناقلات.

وعادت قضية تقنين أوضاع المرتزقة إلى المشهد بقوة بعد أسر تنظيم “داعش” الإرهابي وإعدامه مواطنين روسيين لا يمتان بصلة إلى الجيش الروسي في دير الزور قبل أقل من شهر.

وذاع صيت شركة “فاغنر” العسكرية غير المسجلة رسميا في مارس/آذار 2016 بعد نشر صحيفة “فونتانكا” الإلكترونية المستقلة الروسية تحقيقا حول مقتل عشرات المرتزقة أثناء العمليات البرية في محيط تدمر.

وفي تصريحات سابقة لـ”العربي الجديد”، لخّص رئيس مجموعة المحققين المستقلين في النزاعات المسلحة (Conflict Intelligence Team)، رسلان ليفييف، المهمة الرئيسية لمرتزقة “فاغنر” بسورية في “المشاركة بالعمليات الهجومية عالية المخاطر ومنع الضغط الاجتماعي على السلطات الروسية في حال ازداد عدد القتلى في صفوف قوات الجيش” التي لم تعترف وزارة الدفاع بسقوط سوى نحو 40 قتيلا من أفراده منذ بدء التدخل العسكري المباشر في 30 سبتمبر/أيلول 2015.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org