ليس من رأى كمن سمع


‏12‏/08‏/2012

 د. محمد أحمد الزعبي : كلنا شركاء

1.

قادتني الطائرة  من لايبزغ إلى إستنبول ، ومنها إلى إنطاكيا عاصمة لواء الاسكندرون ، والذي بات إسمه الرسمي اليوم "Hatay  " ، تلك المدينة التي تقع على نهر العاصي ، والتي تطل على كافة المناطق الملتهبة في سورية ، حيث تقوم قوات بشار الأسد المؤدلجة والهمجية  ، والتي يطلق عليها زوراً هذه الأيام " الجيش السوري النظامي " بدك كافة المدن ومعظم القرى السورية بالمدافع والطائرات والصواريخ بحجة سيطرة  " الجيش الحر " عليها . إن ماخلفته وتخلفه مدافع وصواريخ وطائرات " حماة الديار!" بل والأصح هو "حماة عائلة الأسد !! " مئات الشهداء ،الذين معظمهم من المدنيين المسالمين العزّل ، ومعظم هذا المعظم هم من الأطفال والنساء  والشيوخ ، الأمر الذي أجبر عشرات الألوف من سكان هذا الشمال على الهرب من هذا الجحيم ، إلى أقرب ملاذ آمن ، ألا وهو الجارة تركيا ، حيث زاد عدد هؤلاء اللاجئين عن الستين ألفاّ ، حتى تاريخ هذه المقالة .

2.

لن أتعرض لاإلى الأماكن التي زرتها ، ووقفت بنفسي على الأحوال المؤلمة بل والمبكية  لللا جئين والجرحى السوريين من مدنيين وعسكريين المتواجدين فيها ،  ولا إلى المسؤولين المعنيين بأمر هؤلاء اللاجئين والجرحى الذين التقيت بهم ، وبالتالي الحوارات التي دارت بيني وبينهم  ،  وذلك في إطار بحثي عن الحقيقة ، والتي هي ضالة المؤمن ، بل ضالة الباحث العلمي ،الذي عليه أن يتمسك بها حيثما وجدها ،

وإنما سأشير فقط إلى الانطباعات النهائية ، التي تركتها في نفسي ، وفي عقلي ، هذه الزيارة السريعة لمخيمات ومستوصفات مايزيد عن الستين ألفاً من اللاجئين السوريين في تركيا ، والذين تقع مسؤولية تشريدهم ، وتدمير أسرهم ،سواء بالقتل الكامل أو الجزئي لبعض أفراد هذه الأسر، أوبالسجن والتشريد للبعض الآخر ـ بطبيعة الحال ـ على بشار الأسد ومرتزقته وشبيحته من المدنيين والعسكريين .

أبرز هذه الانطباعات هي :

2.1

تفتقد ثورة آذار 2011 السورية ، إلى قيادات وخبرات سياسية واقتصادية واجتماعية ، تساعد شباب الحراك الثوري بجناحيه المدني والعسكري ، في كفاحهم الثوري ، وتقصر المسافة الزمنية بين هذا الحراك وبين وصوله إلى هدفه المنشود في إسقاط نظام بشارالأسد بما هو نظام ديكتاتوري ، عسكري ، و شبه طائفي .

 لقد ذكر لي أحد شباب ثورة آذار (منذ زمن ليس بالبعيد ) وهو ممن أثق بوطنيتهم ، وأخلاقهم ، ودرجة وعيهم ، عدداً من الأفكار التي مثلت مفاجأة سارة لي ، لم أكن أتوقعها من شاب في عمره ، أبرز هذه الأفكار التي سسأوردها على لسانه بقدر ماتسعفني ذاكرتي ، هي قوله :

 إننا شباب صغار السن ، ومحدودو التجربة والخبرة ولا نجد أمامنا ، ونحن نقود هذه الثورة ، سوى أئمة المساجد ، ورجال الدين التقليديين ،الذين يعلنون دعمهم وانحيازهم للثورة ، ويقفون فعليًاً معنا  ( يعني شباب الحراك الثوري ) ، في الوقت الذي نتمنى فيه على الآخرين ، أن يعلنوا انحيازهم أيضاً للثورة ، ولكن ، انحيازاً كاملاً ومطلقاً ، لاغمغة فيه ولا عوج ، وأن يضعوا خبراتهم تحت تصرفها ، بما هي ثورة حرية وكرامة ،هدفها الأساسي هو " إسقاط نظام عائلة الأسد " ، واستبداله بنظام مدني ديموقراطي ، يرتكز على ثلاثة أثافي هي: صندوق الإقتراع ، العدالة الاجتماعية ، والدستورالذي يمثل مبدأ " المساواة في المواطنة " أساسه السياسي والاجتماعي ، في مرحلة مابعد بشار. ( تابع صديقي الشاب حديثه ) : إن انحياز مثل هؤلاء الأشخاص والجماعات ، من ذوي الخبرة والتجربة ، للثورة ، يجنب الثورة ،أن تبدو للكثيرين ، في الداخل والخارج ، كما لوكانت ذات طابع ولون ديني معين ، في حين أنها واقع الحال ليست كذلك ، إنها ثورة الشعب السوري بكل فئاته العمرية والسياسية والاجتماعية ، والتي عمل النظام على تهميشها ، وتجاوزها ، منذ نصف قرن ، وهو ما يصب في مصلحة إسرائيل ومن وراءها وأمامها .

2.2

لايلمس المرؤ وضوحاً كافياً لدى الكثيرين ممن قابلتهم والتقيت بهم من مدنيين وعسكريين ، لمفهومي الحرية والكرامة اللذين باتا الشعارالأبرزلثورة آذارولثوارها . إن ماتراه أكثرية شباب الثورة ــ وفق رؤيتنا وسماعنا ــ ، هو أن هذا النظام الذي يقاتلونه ، هو النظام الذي وضعت أسسه اللجنة العسكرية (البعثية) ،التي انبثقت عن ثورة الثامن من آذار1963، والتي بنى فوقها (الأسس) حافظ الأسد نظامه الديكتاتوري العسكري وشبه الطائفي عام 1970 ، ومن ثم ورّثه لولده بشارعام 2000، وهو نظام معاد للغالبية الساحقة من الشعب السوري وبالذات للسنة .

 إن ماينبغي قوله هنا لشباب ثورة آذار المجيدة ، هو أن نظام عائلة الأسد ، إنما استمد ويستمد قوته واستمراريته من مصادرة حرية وكرامة الشعب ، كل الشعب ، بكل فئاته وطوائفه ، وذلك من خلال السيطرة على مثلث الجيش والحزب والحكم ، ووضع هذا المثلث في خدمة " عائلة الأسد " بالذات ، بعد أن تبين لها ( عائلة الأسد ) أن قسما أساسياً من الطائفة العلوية ، رفض ويرفض ــ أسوة بأكثرية  أفراد الشعب السوري ــ هذا النظام ، نظام الاستبداد والفساد ، وأخيرا نظام " الحل الأمني " الذي واجه به المطالب  المشروعة والديموقراطية والوطنية لثورة آذار2011 ، والذي بلغت حصيلته حتى كتابة هذه المقالة مايزيد على ال 23000 شهيد ومئات ألوف الجرحى والمعوقين والمفقودين والمعتقلين الذين يواجهون الموت اليومي تحت سياط ودواليب وصواعق بشار الأسد ومرتزقته ، ناهيك عن تدمير المدن والقرى فوق رؤوس ساكنيها من الأسر المسالمة ، بمن في ذلك الأطفال والنساء والشيوخ ، الأمر الذي تسبب في موجات من الزوح الداخلي والخارجي ، الذي يعيد في سوريا ماحدث في فلسطين عام 1948 ، وما حدث في سورية وفلسطين عام 1967 ، وما حدث في غزة عام 2009  ولكن على يد " إسرائيل " !!

2.3

يلمس المرء حين يزور المستوصفات المتواضعة ،التي جهزتها لهم جمعيات أو منظمات إغاثية ، بعضها تركي ، وبعضها عربي ، وبعضها سوري ،  ويلتقي بالجرحى المدنيين والعسكريين ،الذين بترت بعض أطرافهم ، وتحولوا إلى معاقيين حتى الموت ، ويستمع إلى قصص كفاحهم وإصاباتهم وطرق وصولهم إلى تركيا ، لابد أن ينحني احتراماً وتقديراً لبطولاتهم ،وبطولات من تكبد عناء إيصالهم إلى بر الأمان في تركيا ، حيث لاتستطيع قنابل طائرات بشار الأسد ،  وبنادق وسيوف شبيحته ، أن تبتر مابقي من أعضاء جسمهم ، أو أن تجعلهم في عداد الشهداء ، ولابد أن يشعر بالخجل من نفسه أيضاً ، لأنه لايستطيع أن يقدم لهؤلاء الأبطال ، سوى الكلام المعسول الذي لايسمن ولا يغني .

إن ماآلت إليه أوضاعهم الجسدية والصحية ، جعلتنا نحس ونلمس في نبرات صوتهم تضارب وتداخل اليأس مع الأمل ،بيد أن إيمانهم بالله ، وبعدالة مطالبهم ومشروعيتها ،جعل عنصرالأمل أقوى في نفوسهم من عنصر اليأس . لقد كان مبتور الساق أو القدم أو الساعد ، يتكلم معك كما لو أنه إنسان طبيعي ، غيرمعاق وغيرمصاب ، وبالتالي فهولايطلب ممن حوله من الأطباء والممرضين ، ومن الزوار  أيضاً ، سوى تأمين الرعاية الكافية ، التي تجعله أكثر راحة وأكثر اطمئناناً على أسرته وعلى وطنه وعلى رفاقه ، وهو ممدد دون حراك فوق سريره البسيط .

لقد كان في  كلامهم أمور مسكوت عنها دون شك ، كنت من جهتي ، أراها وأقرؤها وأحس بها في  بعض حركات وجوههم ، وهو أمر طبيعي لمن هو في مثل ظروفهم وأوضاعهم . إن خبر انتصار الثورة السورية على النظام الفاشي في دمشق وحلب ، النظام الذي أوصلهم إلى هذه الحال المؤلمة والمؤسفة والمبكية وغير المحتملة ، هو مايمثل الثمن الحقيقي لتضحياتهم ، ولما آلت إليه أحوالهم الصحية وبالتالي الاجتماعية ، وهو ماسيجعلهم  ينسون كلمة مصابهم ، ويتذكرون فقط أن الله قد نصرهم على الظالمين ، وأنهم أصبحوا بعد نصف قرن من العبودية أحراراً ، تماماً كما أراد لهم عمر الفاروق .

2.4

الأسرة التي تعرفها كافة المجتمعات البشرية ، والمكونة من الأب والأم والأولاد ، لم تعد في المجتمع السوري الذي تحكمه وتتحكم به عائلة الأسد ، هي نفس الأسرة التي عرفها ويعرفها الإنسان منذ فجر التاريخ ، ولا سيما بعد تفجر ثورة آذار 2011 المجيدة ، فالأسرة السورية باتت ثلاثة أثلاث : ثلث للموت

وثلث للسجن ، وثلث لمخيمات اللاجئين إما في تركيا أو في لبنان أو في الأردن أو في العراق أوفي الجزائر أوحتى داخل سوريا نفسها !! بما يعنيه ذلك من شتات وعذاب وجوع وعطش وبرد ، بل ويأس من بعض الممارسات السياسة السورية والعربية والإقليمية والدولية ، والنظر إلى كل من سمح بوصول هذه الأسر الطيبة والمسالمة  إلى هذه الحالة المؤلمة والمؤسفة والمبكية وغير المحتملة وغيرالإنسانية  التي وصلت إليها ، سواء أكان سوريا أو عربياً أو أجنبيا ، باعتباره عدواً للثورة السورية ــ سواء أكان ذلك عن علم منه أو عن غير علم ــ ولابد أن يكون خاضعاً للمساءلة والحساب بعد سقوط  نظام بشار الأسد ( قذافي سورية ) ، إن لم يكن اليوم فغداً وإن غداً لناظره قريب .

2.5

يمكن إجمال مطالب من زرناهم والتقينا بهم وسمعنا منهم وعنهم في تركيا بالتالي :

ـــ بالنسبة للمقيمين في المخيمات من النازحين واللاجئين : فإن مطالبهم  تتلخص في مطلبين رئيسيين ، الأول هو الإسراع بالعمل على إعادتهم إلى بيوتهم التي هجروها في سورية طلباً للنجاة بأرواحهم وأرواح من بقي حياً من أولادهم ، والثاني هو أن تقوم الجهات المعنية ، ولاسيما الجهة المضيفة ،  بتأمين الحد الأدنى من وسائل العيش الكريم لهم ، وأن تعاملهم المعاملة الإنسانية  التي يستحقونها .

ـــ بالنسبة الجرحى الذين يعالجون في المستشفيات والمستوصفات : فإن مطالبهم تتلخص ، بمزيد من الرعاية الصحية التي يمكن أن تخفف عنهم إعاقاتهم ومعاناتهم ، وتعيد إليهم الأمل بالعودة إلى حياتهم الطبيعية ، وهو مايعني  تطبيقياً معالجتهم من قبل أطباء متخصصين ، سواء في البلد المضيف ، أو في أي مكان آخر . ومن جهة أخرى فإن شعورهم بأن أسرهم التي خلفوها وراءهم ، هي في مأمن من الخوف والقتل والجوع ، يجعلهم أكثر تقبلاً لظروفهم الجديدة ، وأكثر قرباً من الأمل وبعداً عن اليأس .

ـــ بالنسبة للجيش السوري الحر : فإن مطلبهم الأساسي يتمثل  بتأمين الأسلحة المتطورة لهم ، وتأمين الحد الأدنى لمعيشتهم ومعيشة أسرهم التي تركوها خلفهم . إن سيطرتهم على الأرض لاتمثل حماية لهم من طيران بشار الأسد ، المروحي منه والمجنح ، ولا من قصفه الصاروخي عن بعد ، ولذلك فإنهم يؤكدون على ضرورة تزويدهم بأسلحة حديثة مضادة للطائرات ، وأسلحة فعّالة مضادة للدبابات .

2.6

إن ماينبغي ذكره وتوكيده هنا ، وكحصيلة عامة لزيارتنا القصيرة إلى إنطاكية ، ووقوفنا على جانب من ظروف الفئات السورية الثلاثة التي أشرنا إليها أعلاه ، هو ارتفاع معنويات الجميع ، وإصرارهم على المضي في ثورة آذار حتى تحقيق هدفها الكبير في إسقاط نظام عائلة الأسد ، واستبداله بنظام وطني مدني ديموقراطي تعددي يقوم على العدل والمساواة ، ويحفظ لجميع أبناء الشعب السوري الحرية والكرامة .

3.

يوم امس ( الأربعاء 15.08.2012 ) كنت أشاهد عبر التلفاز ، ماجرى لمدينة إعزاز من ريف حلب ، وكيف سوت بيوتها قنابل بشارالأسد ( بل قنابل روسيا وإيران وأمريكا وأوربا وبان كيمون وكوفي عنان

والجامعة العربية ومؤتمرات المعارضة السورية في الخارج والداخل ، ومنظمات حقوق الإنسان ، ومنظمات الصليب والهلال الأحمرين )  أقول كيف سوت هذه القنابل الفراغية مدينة عربية سورية بالأرض ، وكيف دمرت بيوتها فوق رؤوس ساكنيها ، من الأطفال والنساء والشيوخ ، أمام بصر وبصيرة كل هؤلاء الذين ذكرتهم ، هؤلاء المتفرجين (إلاّ من مؤتمرات رفع العتب والتصريحات التافهة ) على دمائنا ، وعلى أشلاء أطفالنا ، وعلى انتهاك حرماتنا ، من قبل من فقد الشرف والكرامة والحميّة من جيش بشار الأسد ، ومن حماة نظامه المجرم ، والذين كنا نطلق عليهم مجاملة وتعلقاً بالأمل " حماة الديار!! " .

إنني لاأملك أمام هذا الهول الذي رأيته يوم أمس في مدينة إعزاز الأبيّة ، سوى أن أردد على مسامع بشار الأسد ومناصري نظامه المجرم ،  من الشبيحة والمرتزقة ، قول الشاعر الجاهلي عمرو ابن كلثوم :

                         ألا لايجهلن أحد علينا           فنجهل فوق جهل الجاهلينا 

       

Print Friendly