الواقع الزراعي في “سوريا الاسد”وآفاقه في سوريا الحرة


د. عبدالعزيز ديوب : كلنا شركاء603158_196678633819851_1968538014_n

بداية لابد من العودة سريعا لتاريخ الزراعة في سسوريا وتحديدا في الحقبة الرومانية حيث تبوأت مركزا هاما في تمويل الجيوش وكثيرا من المدن مما أهلها لحيازة لقب ” ثلة غداء الامراطورية الرومانية , هذا وقد بلغ ما تمكنت من تمويله وخاصة الاقماح مايكفي لخمسين مليونا من السكان وكانت لسهول حوران مشاركة واسعة في هذا المجال ,وبالانتقال الى عهود زمنية لاحقة فقد استمرت سوريا في المحافظة على خصوبتها وذلك خلال كافة تلك المراحل وحتى الخمسينات من القرن الماضي وقد سبقتها تلك المرحلة التي أعقبت الاستقلال الوطني في العام 1946 حيث تصدرت انتاجية الجزيرة السورية من الاقماح أرقاما قياسية وذلك بسبب اتباع عمليات الخدمة الزراعية الحديثة آنذاك ومنها رش مبيدات المكافحة بواسطة الطيران وذلك من خلال اتساع وحدة الرقعة الزراعية الواحدة حتى أكثر من 1000 هكتار مما أتاح المجال لاستخدام آليات زراعية متطورة كالمرشات بعيدة المدى في الري الرذاذي وغيرها . في نهاية الخمسينات وتديدا بدايات الوحدة مع مصر واصدار قوانين الاصلاح الزراعي والاستيلاء حيث جرى تفتيت الملكية الزراعية الى مساحات صغيرة تم توزيعها على الفلاحين دون الاهتمام بتوفير مستلزمات الانتاج لهم مما سبب بتراجع الانتاج وخاصة في مجالي القطن والاقماح, رافقت ذلك موجة من الجفاف وخاصة في منطقة سهول حوران أدت الى نزوح سكاني كثيف بين المدن . مالبثت أن استعادت الزراعة في بداية الستينات بعضا من نشاطها الانتاجي , حتى لاحت في الأفق قوانين الاصلاح الزراعي والاستيلاء على الاراضي والتي أصدرتها الحكومة المنبثقة عن انقلاب آذار لعام 1963 لتتراجع ثانية ليس في مجالي القطن والاقماح كما كان عليه بل في كافة مجالات الانتاج الزراعي نظرا لأن تلك القوانين طالت أراضي الحقول الزراعية كالبساتين المنتجة لثمار العنب والفاكهة والخضار , وهنا لابد من دراسة الواقع الزراعي بأقسامه المختلفة كل على حدة .
1-المحاصيل الزراعية .
تتبوءت الاقماح المكانة الاولى ضمن هذا المجال كمحصول استراتيجي بلغت انتاجيته القصوى 4,5 مليون طن كقمح من النوعين القاسي والطري , وتجدر الاشارة الى أن احتياجات سكان سوريا من القمح تقدر بحوالي 2 مليون طن للخبز اليومي , ورغم ذلك مازالت أزمة الرغيف تقلق المواطن السوري وما زال الانتظار أمام كوات المخابز تقليدا يوميا . كما أن سوريا تنتج كميات كبيرة من الشعير الذي يستخدم في أغلبيته علفا للحيوانات حيث تقدر ب2 مليون طن قابلة للزيادة المضاعفة . كذلك فان انتاج سوريا من الشوندر السكري والذرة مازال دون الحد الادنى نسبة الى المساحة المزروعة . أما بالنسبة لزراعة القطن فان الحالة الراهنة تقدم لنا نموذجا غريبا من سوء السياسة الزراعية المبنية على الفساد المستشري في السلطة , هذا وتشير احصائيات انتاج القطن السنوي الى 240000 طن يصار الى شرائه من المزارعين ومن ثم يحلج ويصدر مما يحقق خسارة بحدود 100 مليار ل س سنويا نتيجة لمضاربات بورصة القطن في الاسواق العالمية , علما انني تقدمت بدراسة علمية اقتصادية وفنية حددت فيها الجدوى الاقتصادية للقطن الذي يستنزف كميات هائلة من مياه الري ومواد مكافحة وجهد مبذول وأخطارالحرائق والتخزين وغيرها وبالنتيجة خسائر محققة وما ذلك الا تخريبا واضحا تقوم به عصابات ماتسمى الحكومة , في الوقت الذي تتوفر فيه كافة الامكانات لحلج القطن وتحويله الى خيوط صناعية ومن ثم تصنيعه نسيجيا الى ألبسة مما يحقق ربحا أكيدا كقيمة مضافة بقيمة حوالي 400 مليار ل س تقريبا .
2-الخضار والفاكهة .
من المؤكد بأن الانتاج الزراعي لانواع عديدة من ثمار الخضار والفاكهة يتميز بتعدد أنواعها من خلال الميزة النسبية التي تتصف بها البيئة السورية من حيث امكانية زراعة تعدد أنواع مختلفة ضمن اطار التنوع الحيوي فالخضار على مختلف أنواعها تزرع في أكثر من موسم واحد , كما تستزرع أشجار الفاكهة المختلفة تبعا لظاهرة الميزة النسبية حيث تجود زراعة أشجار الحمضيات بانتاج يقدر بمليون طن والتفاح بحدود نصف مليون طن والكرز والدراق والفستق الحلبي والتين والجوز والمشمش والدراق والفريز والكاكي وثمار النخيل اضافة الى حوالي 150 مليون شجرة زيتون بانتاج سنوي يقدر بأكثر من مليون طن , وكذلك كروم الكرمة المتميزة بأصناف نادرة مستزرعة أغبها في منطقة داريا التي دمرها همج الاسد .
3- الانتاج الحيواني .
من المؤكد بأن الانتاج الحيواني في سورريا يعاني اهمالا منقطع النظير , علما انها تتمتع بميزات تجعلها متطورة جدا في هذا المجال , وهلى سبيل المثال فانها تمتلك حوالي 20 مليون من سلالة غنم العواس والتي تتبر من أفضل السلالات في العالم , ورغم مايدعى من محاولات جارية من أبحاث وغيرها ليست سوى تظاهرات غير جادة وغير مسؤولة ,بينما يقوم العدو الاسرائيلي من خلال مؤسساته البحثية بدراسات وأبحاث جادة بهدف تحسين بعض صفات أغنام هذه السلالة , كما ان الثروة السمكية تعاني أيضا من الاهمال حيث أن الصيد مازال متبعا باستخدام الطرق البدائية مما يجعل أسعارها مرتفعة جدا وبالتالي ليست في متناول المواطنين بسهولة كلحوم بديلة , كما ان المداجن انتشرت بأعداد كبيرة وفي مناطق شاسعة من كافة المناطق لكنها لاقت أمام تطورها عقبات عديدة من قبل الحكومة وذلك من خلال رفع أسعار الأعلاف وخاصة المستوردة مما ساهم في تراجع انتاجها وبالتلي غلاء أسعارها .
مما ذكر يتبين لنا بأن الانتاج الزراعي يعاني الكثير المشكلات منها مفتعل ومنها اعتيادي والتي تساهم في تدهوره نتيجة للاسباب التالية :
- هيمنة الحكومة على القطاع الزراعي من خلال مؤسساتها بداية من وزارة الزراعة التي تقوم بوضع الخطط الزراعية بيروقراطيا بشكل يتنافى ويتناقض مع مصالح المزارعين والواقع على الأرض والزامهم بتنفيذها , وكذلك مؤسسات تابعة للوزارة كاكثار البذار والتي تتحكم ببذار القمح والشعير والقطن وغيره في الوقت الذي تعاني هذه المؤسسة من خسائر تجاوزت ال10 مليارات ل س ,وكذلك الفساد والبيروقراطية مما يجعل منها عبأ ثقيلا على عاتق القطاع الزراعي وعقبة أمام تطويره , كما أن وجود التنظيمات الفلاجية كاتحاد الفلاحين وانتشاره غي كافة المناطق والقرى يساهم في افساد البيئة الاجتماعية في الريف لممارسته مهام تلتقي مع التوجيهات الامنية اضافة لتكريس الفساد الذي تمارسه هذه القيادات من خلال تنفذها وتحكمها في بعض الاحيان في توزيع الاعلاف أو البذار وغيرها من المستلزمات , كما أن القيادات الحزبية تساهم في افساد البيئة الريفية أيضا من خلال ارتباطها بالاحهزة الامنية التي تعمل على تكريس الخلافات بين المزارعين وبث الفرقة والفتنة بينهم مما يساهم في الابقاء على حالة التخلف اقتصاديا واجتماعيا , خاصة أن الريف هو المنطقة الوحيدة التي كانت خارج السيطرة الامنية والحزبية خلافا لقطاعات اخرى في المجتمع كالصناعة على سبيل المثال حيث تم ربط العمال من خلال اعتبارهم أجراء لدى الدولة تبتزهم في كل وقت بالراتب الضئيل ومايقدمه اتحاد نقابات العمال من مهام ذات طابع سلطوي وبالتالي التحكم بحياتهم اليومية , وكذلك الطلبة والمهنيين بواسطة النقابات ذات القيادة الفاسدة المرتبطة بالاجهزة الامنية , لذلك اقتضت الخطة الامنية السيطرة على الفلاحين بأي ثمن , وذلك بتهميش الفلاحين وافقارهم بشتى الاساليب منعا لقيامهم بأيي حراك ثوري ,وقد تبين بشكل واضح بأن الثورة كانت ومازالت مؤججة في الريف أكثر منها في المدينة وعلى سبيل المثال أرياف دمشق وحلب وديرالزور وادلب وغيرها .
- ارتفاع أسعار مستلزمات الزراعة من أسمدة ومحروقات وبذار ومبيدات وغيرها
- انخقاض أسعار المنتجات الزراعية , تلك التي التزمت الحكومة بشرائها كالقمح والشعير والشوندر السكري والبطاطا وغيرها , وتلك المحررة كالسلع الاخرى من الخضار والفاكهة حيث يقوم المزارعين ببيعها في أسسواق الهال كما تسمى وفيها يعمل التجارعلى ابتزازهم حيث يتوافقوا على تبخيس أسعار الشراء وبذلك يحققوا أرباحا فاحشة كوسطاء بين المزارع والمستهلك الذي بدوره يدفع أسعارا باهظة .
- عدم الاهتمام بالبنية التحتية في الريف السوري , وكذلك عدم توفر شبكة مواصلات حديثة واتصالات وأماكن الترفيه من سينما ومسرح وغيرها مما يدفع أبنائه للهجرة الى المدن .
- سوء توزيع الثروة المائية بين في الريف .
- تفتت المساحات الزراعية الى رقع صغيرة لاتسمح باستخدام المكننة الزراعية .
- عدم توفر التأمين على المحاصيل الزراعية في حال حدوث جائحة أو حريق وغيرها من الحالات الموجبة لضرورة التأمين .
وهناك أسبابا أخرى يطول ذكرها .
كثيرا من الدراسات ومنها دراسة في المسألة الزراعية تقدمت بها مباشرة لأعلى المستويات في مايسمى الدولة ونشرت في الصحف الحكومية وهناك دراسات قد تكون أكثر أهمية قام بها آخرين من العاملين العلميين في مجال الزراعة والاقتصاد , لكن جميعها تلاشت في مكبات “المسؤولين” اللاوطنيين وغير المسؤولين تجاه وطنهم وشعبهم لانهم غرباء عنه وجل اهتمامهم نهبه لجمع ثروات طائلة لأحفاد أحفادهم حيث ثقاقة النظام السائدة تساعد هؤلاء على اقتراف هذه الجرائم بحق شعبهم والأجهزة الأمنية تعرف كل صغيرة وكبيرة عنهم وماذا يقترفون لكنها هي من رشحتهم لهذه المناصب باقتراح شكلي من القيادات الحزبية وبالتالي فهم شركاء في كل ماتجنيه هذه العصابات من أموال الشعب على حساب عمليات التنمية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع السوري بشكل عام وهنا المجتمع الريفي الذي ازداد فقرا وارتفعت أرقام الهجرة بين شبابه وشاباته الى دول المهجر وخاصة من مناطق الجزيرة السورية حيث هاجر خلال المرحلة التي حكم بها الوريث غير الشرعي أكثر من مليون سوري نتيجة لما ذكر من أسباب ومن ضمن الاسباب الاخرى التي تركت اعدادها كحلقة مفتوحة للنقاش تسلط كافة ضباط الامن وصف الضباط والقيادين الحزبين في هذه المناطق وتنصيب انفسهم شركاء قسريين مع هؤلاء المزارعين دون قيامهم بدفع أية مبالغ مالية كرأسمال .
ان سوريا المستقبل الحرة ذات الدولة الديمقراطية المدنية التعددية بدستور 1950 ريثما يصار الى اعلان دستور دائم وبامكاناتها الهائلة في كافة المجالات ومن خلال الثروات الطبيعية فيها من نفط وغاز وألماس وفوسفات وآزوت وغيرها , ومن ثروة بشرية جبارة وعلى كافة الأصعدة من طب وهندسات ومحاماة وتعليم وفن وآداب , وهنا أخص مجال الدراسة حيث تتوفر في سوريا الميزة الزراعية في انتاج مختلف المحاصيل وبكميات يمكن مضاعفها ثلاثة أضعاف على الأقل من أقماح وخضر وفاكهة وانتاج حيواني وكذلك النبايات الطبية المتواجدة بتنوع فريد وكميات كبيرة ترقى لاعتبارها ثروة تعادل النفط تقريبا , قادرة على تحقيق هذه الطموحات الواقعية وهي في متناول الشعب السوري شريطة توفر المنظومة الوطنية والمؤسسات الزراعية غير المقيدة بتوجيهات تهدف الى تخريب الاقتصاد الوطني مما ساهم في اضعاف البنية الاجتماعية والاقتصادية في الريف السوري لسهولة السيطرة عليه , كما يتوجب توفر الخطط الزراعية الوطنية الشاملة حيث تقوم الادارات المحلية في المناطق بوضع خططها تبعا لظروفها السائدة ومصالحها بما لايتعارض مع الخطة الشاملة ذات الطابع الوطني , وهنا لابد من الاشارة الى أهم الآفاق المستقبلية لزراعة حديثة مساهمة في الناتج القومي للاقتصاد الوطني وفي تحقيق رفاهية فلاحي ومزارعي سوريا الذين عانوا الأمرين من همجية وقمع هذا النظام .
-امكانية انتاج أكثر من 10 مليون طن من القمح مما يتيح تصدير 8 مليون .
- امكانية انتاج حوالي 5مليون طن من الشعير مما ينفي الحاجة لاستيراد الاعلاف اللازمة للاغنام .
- العمل على زراعة الذرة بهدف تصنيع الزيوت للاستهلاك المحلي والتصدير علما ان سوريا تستورد زيوت الذرة بكميات كبيرة هي في غنى عنها نظرا لتوفر كافة الامكانيات لنجاح زراعة هذا النبات .
- العمل على تحويل القطن المحلوج الى خيوط صناعية بهدف الحصول على القيمة المضافة .
- العمل على تصنيع الفائض من ثمار الخضار والفاكهة وتصديرها حيث يتلف منها الكثير بسبب سوء الادارة .
- سوريا تحتل المكانة الرابعة في العالم من حيث عدد اشجار الزيتون , بينما متخلفة جدا في مجال تسويق زيوتها , مما يدعو الى اتباع سياسة عصر وتعليب يساهمان في المنافسة العالمية لتصدير الزيوت وبالتالي تحقيق جدوى اقتصادية مرتفعة .
- وضع برنامج وطني لاستثمار النبايات الطبية والعطرية في سوريا لما لها من أهمية كبيرة في الاقتصاد الوطني من خلال تصنيعها وتصديرها .
- العمل على اعتماد الزراعة البديلة ومن نباتاتها الكثير في سوريا منها الشمرة واليانسون , اضافة ازراعة النباتات المقاومة للجفاف ترشيدا للثروة المائية .
- العمل على انتشار أساليب الري الجديث ترشيدا لهدر المياه كما هو الحال حيث تستخدم طرق الري التقليدي .
- الهتمام بالثروة الحيوانية من خلال تنظيمها وزراعة البادية السورية بنباتات الاتريبليكس المقاومة للجفاف والمستديمة الخضرة ذات القيم الغذائية المرتفعة كمادة علفية للاغنام , وكذلك العمل على اعتماد أسليب حديثة في صيد الاسماك وتربية حيوانات اللحوم البديلة كالدواجن والطيور بما فيها النعام وغيرها .
من خلال ابراز هذه الآفاق والعمل عليها على أرض الواقع سوف يساهم في اعادة سوريا الى مكانتها على الخارطة الزراعية العالمية حيث يساهم الانتاج الزراعي وكذلك الحيواني كعامل هام واساسي في الاقتصاد الوطني ومشاركا مع قطاعات اخرى مهملة أيضا كالسياحة والنفط والغاز واستثمار الألماس وطنيا والفوسفات والآزوت , اضافة الى العمل على استثمار الثروة البشرية كأهم استثمار , كل ذلك سيجعل من سوريا دولة لها مكانتها ومساهماتها في النهضة العالمية , لتعود كما كانت منارة للبشرية وملاذا حضاريا .

استاذ في كلية الزراعة-جامعة دمشق

Print Friendly